توما حميد

الهجرة في عصر الرأسمالية ....

تعد الهجرة من القضايا الاساسية التي يغطيها الاعلام الغربي بشكل مستمر. وهي جزءا مهما من برامج الاحزاب وحملاتها الانتخابية في كل الدول المتقدمة. ويتبارى الاحزاب و المرشحون اليمينيون في تبني السياسات والاجراءات العنصرية والمعادية للانسان تجاه قضية الهجرة والمهاجرين في العقود الاخيرة. ولكن كما هو الحال مع كل القضايا الاساسية التي تواجه المجتمع فان الجدال حول قضية الهجرة والتعامل معها هو مرائي وسطحي الى ابعد الحدود. يلقى اللوم في الكثير من مشاكل المجتمع على المهاجرين ويحولون الى كبش الفداء في وقت لايمكن صرف النظر عن حقيقة ان النظام الرأسمالي نفسه هو سبب الهجرة ومعاناة المهاجرين والمشردين و كل المشاكل التي تواجه المجتمع في عصرنا الحالي. ولايمكن لاي شخص له اي قدر من التفكير المنطقي و ذرة من الضمير الانساني القاء اللوم على ضحايا هذا النظام من بينهم المهاجرين.

 

اليسار البرجوازي في كل الدول الغربية بما فيه اليسار الذي يشكل جزء من السلطة يجد مشكلة في بلورة برنامج واضح لمعالجة هذه القضية بل ان مواقفه في اكثر الاحيان غير مقبولة في اوساط الطبقة العاملة. لقد كانت مسألة الهجرة سبب اساسي في فوز التحالف اليميني في استراليا على سبيل المثال بالانتخابات لعدة مرات في العقدين الاخيرين.

 

من المعروف بان النظام الرأسمالي يعاني من الكثير من التناقضات بعضها جوهرية و اساسية يستحيل على النظام تجاوزها و اخرى ثانوية قد يكون بامكانه معالجتها. الهجرة هي تناقض من تناقضات النظام الرأسمالي الداخلية التي يمكن للنظام تلطيف اثارها و لكن لايمكنه حلها او تجاوزها بشكل نهائي.

 

كانت هناك هجرة على مر تأريخ البشرية ولكن بلغت هذه الظاهرة ابعادا خيالية في ظل الرأسمالية. فالنظام الرأسمالي يديم الهجرة لعدة اسباب اهمها النمو غير المتكافئ للرأسمالية و الحروب و القمع السياسي في الدول الخاضعة للسيطرة الامبريالية. في الحقيقة ان النظام الرأسمالي لايمكنه العيش بدون هجرة وتوفر الايدي العاملة للرأسمال لكي يستغلها من اجل تحقيق الربح في الاماكن والاوقات التي يشهد فيها هذا النظام نموا اقتصاديا. عندما نتحدث عن الهجرة ليس الحديث بالضرورة عن هجرة بين دول وقارات بل في اكثر الاحيان تكون في حدود الدولة وحتى المنطقة الواحدة.

يصور دعاة الرأسمالية الهجرة وكأنها ظاهرة جديدة ولكن في الواقع الهجرات الجماعية بدأت مع ولادة الرأسمالية كنظام اقتصادي واجتماعي. منذ التراكم الاولي، الالية التي اوقفت الرأسمالية على اقدامها كنظام حيث قامت بمصادرة اراضي الفلاحين والغاء نظام الملكية الذي كان موجودا تحت النظام الاقطاعي محولة الفلاحين الى عمال مأجورين، واجبرت الملايين على الهجرة من الارياف الى المدن في الدولة الواحدة وبين الدول.

 

ولكن اهم سبب للهجرة في ظل الرأسمالية هو النمو الاقتصادي غير المتكافي للنظام الرأسمالي. ان النمو غير المتكافئ يؤدي الى حركة دائمية للطبقة العاملة و هجرات داخلية و عالمية ضخمة. العمال مجبرون بشكل متواصل على الحركة داخل بلدانهم و عبر الحدود بين البلدان لبيع قوة عملهم لضمان المعيشة. لايمكن للرأسمالية ان تنمو في كل البقاع التي تسود فيها او على الاقل لايمكنها ان تنمو بشكل متساوي.

نمت الرأسمالية في القرون الثلاثة الاخيرة وهو عمر هذا النظام بشكل كبير في اوربا الغربية و امريكا الشمالية واليابان مما ادت الى هجرة كبيرة داخل و الى تلك الدول. رغم بطئ النمو في تلك الدول في العقود الاخيرة الا ان الفجوة بين تلك الدول والدول الفقيرة أزدادت مع الوقت لذا فان الناس لاتزال تهاجر الى تلك الدول من اجل فرص عمل افضل واجور اعلى ومستوى معاشي افضل. ففي عام 1900 كانت نسبة معدل الدخل الاعتيادي لخمس اغنى دولة في العالم مقارنة بخمس الى عشر افقر دولة 9: 1 اما اليوم فان النسبة هي اكثر من 1:100.

 

في العقود الاربعة الاخيرة انتقل الرأسمال من المراكز القديمة مثل اوربا الغربية و امريكا الشمالية و اليابان الى دول مثل الصين والهند والبرازيل ودول اخرى وتم تصنيع اقتصادياتها في فترة قصيرة من الناحية التاريخية مما ادى الى هجرة ضخمة للعمالة بين المناطق وبين الدول. فالصين وبقية الدول التي تسمى بالدول الصاعدة شهدت نموا غير اعتياديا ولهذا حدثت اكبر هجرة في تاريخ البشرية على الاطلاق داخل الصين نفسها في الثلاث عقود الاخيرة.

 

كان الاستعمار سببا مهما للهجرة في فترات معينة عن طريق فرض ظروف مأساوية على الطبقة العاملة في المستعمرات. فالرأسمالية البريطانية على سبيل المثال اجبرت الايرلنديين كسكان مستعمرة للهجرة. لقد فرضت ظروف استعمارية شديدة القساوة على السكان بما فيها المجاعات فاجبرت عدد كبير من الايرلنديين للهجرة الى انكلترا للعمل لصالح الرأسماليين في هذا البلد باجور اقل من الاجور التي حققها العمال الانكليز. فهجرة الايرلنديين في الاربعينيات والخمسينيات من القرن التاسعة عشر بلغت 600000 شخص.

 

وقد انخرطت الرأسمالية في تجارة العبيد بشكل واسع جدا وخاصة عبر المحيط الاطلسي حيث تم نقل ملايين العبيد معظمهم من افريقيا الى المستعمرات في امريكا الشمالية والجنوبية حيث استخدم هؤلاء العبيد بشكل عام للعمل في القطاعات الشاقة والمربحة مثل مزارع البن والقطن والكاكاو والسكر والارز والمناجم وصنعات البناء ونقل الاخشاب.

 

مع الغاء تجارة العبيد في كل انحاء الامبراطورية البريطانية في عام1833 تم استبدال قوة عمل العبيد بالعمال الاسيويين بعقود قصيرة الامد مقيدة بقوانين عقوبات صارمة و مرهونة بديون والتي تمثلت بتكاليف نقلهم ليعملوا في ظروف عمل بربرية وباجور بخسة. فاحد أكبر عمليات تنقل الايدي العاملة في القرن التاسع عشر كانت نقل العمال الهنود والصينيون الى كل بقاع الامبراطورية البريطانية في كل انحاء جنوب شرق اسيا والولايات المتحدة وافريقيا وجزر الكاريبي وكندا وغيرها من المستعمرات. فعمال السخرة هم من أسسوا مزارع الشاي في سيرلانكا ومزارع السكر في الكاريبي والمناجم في البرازيل. احدى التقديرات تقول بان عدد الذين هاجروا الهند بين 1834 الى 1937 بلغ 30 مليون انسان، عاد منهم 24 مليون منهم الى الهند في اوقات لاحقة. ونقل اكثر من 100000 هندي و 60000 صيني الى جنوب افريقيا من قبل الامبراطوية البريطانية للعمل في زراعة السكر والمناجم في الفترة بين 1860 و 1910.

لذا فان توسع الرأسمالية في المراحل الاولى من حياتها عادة ما اعتمد على العنف السافر والاخضاع وتنقل البشر بشكل قسري.

في القرن التاسع عشر بدأت هجرات غير قسرية واسعة النطاق بين الدول الرأسمالية. ففي هذا القرن حدثت هجرة واسعة النطاق من بريطانيا نفسها الى امريكا والمستعمرات الاخرى مثل كندا واستراليا( علما ان قسم معين من الهجرة الى استراليا بالذات كانت من المبعدين بسبب ارتكاب " جرائم" احيانا بسيطة كسرقة رغيف خبز او عدم اطاعة صاحب العمل وغيرها) . ففي الفترة الممتدة بين 1840-1914 هاجر حوالي 19 مليون شخص بريطانيا. ولكن في هذه الفترة، الرأسمالية البريطانية كانت بحاجة الى زيادة هائلة في الايدي العاملة لكي تتماشى مع الزيادة الهائلة في قيم الرأسمال وهذه الهجرة الجماعية من بريطانيا عوضت من خلال الهجرة الى بريطانيا ومن خلال الزيادة الطبيعية للسكان. ففي تلك الفترة ايضا تضاعف عدد سكان بريطانيا ليبلغ مع نشوب الحرب العالمية الاولى 41 مليون شخص.

عالميا فان اكبر موجة هجرة كانت عبر الاطلسي الى الولايات المتحدة التي بدأت بشكل كبير منذ منتصف القرن التاسع عشر. ان التطور غير المتكافيء للرأسمالية انتج عدد كبير من عمال الزارعة النازحين في اوربا الذين عاشوا في فقر مدقع في وقت كانت هناك حاجة ماسة لهم لتلبية متطلبات النمو المتسارع للرأسمالية في امريكا الشمالية والجنوبية.

 

غادر بين 1870 و 1914 اكثر من 50 مليون انسان اوربا. هذا العدد شكل ثمن سكان اوربا في عام 1900.ووصل بين 1870 و 1900 حوالي 20 مليون مهاجر الى امريكا فقط مما زاد حجم الطبقة العاملة بنسبة 40%. والباقي ذهب الى كندا واستراليا ونيوزيلندا وافريقيا الجنوبية والارجنتين والبرازيل.

 

شهدت الفترة بين الحرب العالمية الاولى ألى بداية عملية اعادة الاعمار بعد الحرب العالمية الثانية توقف شبه كامل لموجات الهجرة حيث شددت قوانين الهجرة في معظم الدول بمافيها الولايات المتحدة. وكان هذا بشكل اساسي بسبب البطالة الهائلة عالميا نتيجة الازمة الاقتصادية. ولكن فترة اعادة البناء للعقد الخمسينيات والستينيات شهد عودة الهجرة على نطاق واسع لتقدم الايدي العاملة المطلوبة لتوسع الرأسمالية في الدول الرأسمالية المتقدمة وخاصة الاوربية حيث قامت هذه الدول بشكل فعال بتوريد العمال. بريطانيا وفرنسا وهولندا قامت بنقل العمال من مستعمراتها القديمة بينما قامت الدول الاخرى بتجنيد العمال من الاطراف الجنوبية الشرقية لاوربا، وتركيا وافريقيا الشمالية. المانيا الغربية وقعت اتفاقيات في هذا الشأن مع ايطاليا ( 1955 و 1965) ، واليونان واسبانيا ( 1964) والمغرب (1963) والبرتغال وتركيا ( 1964) وتونس (1965) ويوغسلافيا ( 1962). بحلول 1973 العمال المهاجرون شكلوا 10% من القوة العاملة في المانيا وفرنسا.

خلال هذين العقدين جلب الى بريطانيا مثلا حوالي 1.2 مليون عامل من الجزر الكاريبية و شبة الجزيرة الهندية. وهجرات مماثلة حدثت الى كافة انحاء اوربا واكبرها كانت انتقال العمال الاتراك الى المانيا وعمال من شمال افريقيا كالجزائر والمغرب وتونس الى فرنسا.

 

انتهاء دورة اعادة الاعمار وبداية الركود الاقتصادي في بداية السبعينيات من القرن العشرين نتيجة ميل معدل الربح الى الانخفاض شكلت نهاية التنقلات المفتوحة للايدي العاملة اذ تقلصت الهجرة الى اوربا الى حد كبير ولكن الولايات المتحدة بقت تستقبل اعدادا كبيرة من المهاجرين " غير الشرعيين" من المكسيك وامريكا اللاتينية. وبحلول الثمانينيات اصبحت قوانين للهجرة صارمة في كل انحاء اوربا.

 

لقد تم مواجهة الازمة وميل معدل الربح نحو الانخفاض الى ادخال تغيرات هيكلية كبيرة على اقتصاد دول المركز كبداية انتقال الرأسمال الى الدول الاخرى واستخدام الكومبيوتر بشكل متزايد ودخول المرأة الى سوق العمل على نطاق واسع مما ادى الى عولمة الرأسمال بشكل اكبر وركود الاجور في دول المركز. مع بداية الثمانينات كان الرأسمال قد انتقل حول العالم بحرية اكبر من اي وقت اخر بحثا عن قوة عمل رخيصة.ان انتقال الرأسمال الى الاطراف زاد ربحية الرأسمال في وقت ان انتقال العمال حتى باعداد اقل الى المركز ومكننة الاقتصاد ودخول المرأة الى سوق العمل بشكل متزايد قد خلق فائض في الايدي العاملة مما ابطأ او منع زيادة سعر قوة العمل في دول المركز. ان الاجور الحقيقية في امريكا مثلا هي نفس الاجور منذ السبعينيات من القرن العشرين مع العلم ان الانتاجية تزداد بمعدل 1-2% في السنة الواحدة.

 

الشركات العملاقة تقيم فروع في كل زاوية من زوايا العالم بحثا عن قوة عمل رخيصة وقوانين بيئية متساهلة. اي ان الرأسمال له حرية كبيرة للتنقل ولكن قلصت حرية الايدي العاملة في التنقل بشكل شرعي وقد تسارعت هذه الوتيرة مع توقيع اتفاقات التجارة الحرة المختلفة. رغم كل مايقال في الاعلام عن فوائد اتفاقية التجارة الحرة لامريكا الشمالية ( نافتا) التي تشمل الولايات المتحدة وكندا والمكسيك فانها جلبت المآسي للطبقة العاملة في الدول الثلاثة كلها ولكن بشكل خاص للطبقة العاملة المكسيكية.

 

بعد عقد هذه الاتفاقية في عهد بيل كلينتون قامت الشركات الامريكية بتسريح العمال المنظمين في نقابات في الولايات المتحدة لتفتح مصانع في المكسيك التي فيها الاجور اقل باضعاف المرات. لقد فقدت الولايات المتحدة حوالي 395000 وظيفة باجور وضمانات جيدة بينما تدفع الوظائف الجديدة التي خلقت نتيجة هذه الاتفاقية اجور اقل بمعدل 23% عن الاجور التي فقدت مع مغادرة الرساميل. في نفس الوقت فان البطالة في المكسيك قد ازدادت بشكل كبير وسريع حيث يعيش اكثر من ثلثي السكان على اقل من ثلاثة دولارات في اليوم. الملايين من الفلاحين في المكسيك دفعوا الى الافلاس حيث فجأة وجدوا بان عليهم المنافسة مع المنتجات الزراعية الامريكية التي تستلم دعم حكومي و تعتمد على تقنية عالية و قوة العمل الرخيصة التي يقدمها العمال المهاجرون "غير الشرعيون" من المكسيك.

 

ان هيمنة الرأسمال والشركات العملاقة الامريكية الاقتصادية على المكسيك وامريكا الوسطى وخاصة بعد اتفاقية التجارة الحرة لامريكا الشمالية ادت الى هجرة هائلة الى الولايات المتحدة ولكن هذه المرة اغلب المهاجرون لهم وضع غير قانوني في هذا البلد، لذا فانهم يعملون باجور قليلية جدا ويتم مصادرة حقوقهم و التمييز ضدهم على نطاق واسع ويستخدم الرأسماليون في الولايات المتحدة المهاجرين من امريكا اللاتينية كوسية لفرض ضغط لخفض الاجور وفرض ظروف عمل اسوأ على الطبقة العاملة الامريكية ايضا.

 

ان الافقار والحرمان والتجويع التي يمارسها الرأسمال من خلال السياسات النيوليبرالية ضد الطبقة العاملة في الدول الخاضعة للسيطرة الامبريالية هي سبب اساسي اخر لاجبار الملايين على مغادرة بلدانهم بحثا عن فرص عمل وظروف عيش افضل. ان فرض هذا الفقر والحرمان والتجويع ياتي من حاجة الرأسمال الى ابقاء الايدي العاملة في تلك البلدان رخيصة ومقموعة وهذا يتطلب فرض وادامة انظمة قمعية في هذه البلدان . وهنا يصبح القمع دافع اضافي لموجات من الهجرة من دول كثيرة وخاصة دول الشرق الاوسط.

 

كما ان موجات لاتحصى من الهجرة والتشرد بعضها كبيرة قد حدثت وتحدث تحت الرأسمالية بسبب الحروب الخارحية والاهلية والتمييز على اساس العرق والدين والاثنية وغيرها. واخرها هي الحروب في افغانستان والعراق وسوريا واليمن. وتعتبر البرجوازية في الدول الغربية طرف اساسي في اشعال وادامة كل هذه الحروب ولكن لاتريد التعامل مع عواقب سياساتها وصراعها مع القطب الرأسمالي الاخر اي روسيا والصين وحلفائهم في المنطقة والتي من بينها الهجرة الجماعية. ومايميز هذه الفترة هو ان اغلب النازحون لهم وضعية غير قانونية لفترات طويلة ان لم يكن بشكل دائمي مثل وضع الافغان في باكستان وايران او وضع العراقيين او السوريين في الدول المجاورة.

 

ألدول الرأسمالية التي استقبلت المهاجرين باعداد كبيرة في اوقات معينة لم تقم بذلك لدوافع انسانية رغم كل الصخب و الحملات الايدولوجية التي ترافقها. الهجرة كانت في احيان كثيرة ببساطة لمواجهة النقص في الايدي العاملة. ولكن اهم من هذا، ان خفض تكاليف الانتاج وتحقيق اقصى قدر من الارباح هو الهدف الاساسي للرأسماليين في كل وقت وجزء اساسي من عملية حفض تكاليف الانتاج هو خفض الاجور. عندما لم يكن نقل الانتاج الى الدول التي تتمتع بقوة عمل رخيصىة مثل الصين والهند والبرازيل وغيرها بالسهولة التي عليها الان كان الرأسماليون يقومون بتوريد عمالة رخيصة. كل الدول الصناعية قد شجعت الهجرة من الخارج بشكل فعال في مراحل تاريخية معينة ولكن نفس البلدان ايضا منعت الهجرة في مراحل اخرى. فالدول الرأسمالية تسعى الى تحقيق التوازن بين الحاجة الى العمال المهاجرين لسد حاجة الرأسمالية في فترات توسع الرأسمالية وبين تكاليف توطين واعادة انتاج هولاء العمال.

 

يلعب العمال المهاجرون دورا متميزا في الرأسمالية كجزء من الجيش الاحتياطي لقوة العمل وكوسيلة لزيادة معدل الاستغلال وخلق طبقة " مرنة".في البداية ان معظم المهاجرين يستخدمون لأشغال أسوأ الوظائف واقلها اجرة.

 

وألبرجوازية في اغلب الاحيان سعيدة بوجود عدد هائل من العمال المهاجرين " غير الشرعيين" لانهم في وضع يأس وعلى استعداد للعمل باجور بخسة وفي ظروف عمل مأساوية دون اي شكوى بسبب وضعهم القانوني. بامكان ارباب العمل ألتحكم بالمهاجرين غير الشرعيين نتيجة تهديد الابعاد و اعتبار الهجرة جريمة.

 

يدرك ألرأسماليون ايضا فائدة توريد العمالة من الخارج بشكل قانوني لان العمال المهاجرون في اكثر الاحيان على استعداد للعمل باجور اقل من التي حققت من قبل مواطني البلد وبالتالي يقللون الاجور في كل الاقتصاد .وبامكان الرأسماليون الفصل وترسيخ الانقسام بين العمال المهاجرين على اساس وطنهم الاصلي والدين والعرق واللغة وكل الفوارق الاخرى مما يحدد قدرتهم على التنظيم، فالعمال المهاجرون بشكل عام هم اقل احتمالية ان يكونوا منظمين في نقابات.الكثير من العمال المهاجرين وخاصة الوقتيين منهم حتى عندما يعملون بشكل قانوني فانهم يتعرضون للتمييز والاستغلال اكثر من غيرهم مثل ساعات عمل طويلة واوقات راحة اقل وحرمان من علاوات واجور الوقت الاضافي الخ.

 

ان عدم معرفة المهاجرين بالقوانين التي تحميهم ومشاكل اللغة وغيرها يجعلهم عرضة للتميز والاستغلال.في معظم الاحيان سماسرة تجنيد العمال تفرض رسوم عالية لايجاد فرص العمل، وقد تدفع اجور اقل من مما هو سائد واحيانا يحرم العمال المهاجرين من بعض اجورهم. والسكن عندما يقدم من قبل ارباب العمل يكون باسعار مبالغ فيها ومكتظ ومن نوعية رديئة. اذ ان سماسرة التوظيف في اوربا واستراليا ونيوزيندا وكندا والولايات المتحدة اغلبها شركات متعددة الجنسيات بعض فعالياتها ترقى الى تجارة البشر كما ان قسما من شركات التوظيف يديرها مجرمون ومافيات محترفة. بين وقت واخر نسمع عن فظائع بحق العمال القادمون حاملي التاشيرات المؤقتة الى استراليا من جنوب شرق اسيا وهؤلاء القادمون من اوربا الشرقية الى بلدان اوربا الغربية وحتى بحق مايسمى بال ( باك باكرز-وهو الشخص الذي يهاجر بحقيبة صغيرة على ظهره اوظهرها)، واغلبم من الشباب الفقراء الذين يقضون وقتا في السفر حول العالم وهم يعملون بشكل وقتي هنا وهناك من اجل تغطية مصاريفهم.

 

من جهة اخرى يتحمل العمال المهاجرون وطأة ألازمة حيث يواجهون التسريح و الترحيل. امريكا وبلجيكا وفرنسسا طردت عمال اجانب خلال الكساد العظيم في الثلاثينيات من القرن العشرين. وبعد الازمة الاقتصادية لعام 1997 التي بدأت في جنوب شرق اسيا قامت اليابان وهونكونك وكوريا الجنوبية وتايوان وماليزيا وتايلند بتشديد امن الحدود والمراقبة وفرضت غرامات على "جرائم الهجرة ". وقامت كوريا الجنوبية وتايلندا وماليزيا بترحيل المهاجرين بما فيهم من كان هناك بشكل قانوني.

أستخدام العمال المهاجرون ايضا يساعد الدول المستقبلة على وضع كلفة اعادة انتاج قوة العمل على الدول المصدرة للعمالة. اذ تستخدم الدولة المهاجرين لمليء الفراغ في سوق العمل ولكن لاتدفع اي من تكاليف تدريب واعداد القوى العاملة وحتى دفع ضمان البطالة في حال فقدانهم لفرص عملهم. على سبيل المثال في بريطانيا فان العمال المهاجرون من الاعضاء الجدد في الاتحاد الاوربي محرومون من الرعاية الاجتماعية الا بعد 12 شهر من العمل.

 

الاقتصاديات المتقدمة تقوم بشكل منظم بالبحث عن عمال لهم مهارات معينة مثل المعلمين و الممرضين والاطباء وعمال التنجيم والعلماء في مجالات معينة وغيرها من المهارات من دول الاخرى. فاليوم هناك 39000 اوربي يعمل في بريطانيا في مجال البحوث العلمية. ويقوم ارباب العمل في الدول الغربية بشكل خاص في قطاع الزراعة وما يسمى بقطاع الضيافة من خلال برامج تنظمها حكوماتهم بتوريد ايدي عاملة مرنة، وموسمية ورخيصة على تاشيرات مؤقتة متى ماتقتضي الضرورة. بعد التحاق ثماني دول من دول اوربا الشرقية بالاتحاد الاوربي في عام 2004 فان ارباب العمل في الدول الاخرى في الاتحاد كانوا قادرين على انتقاء العمال بمهارات معينة من الدول الجديدة. كما ان نظام النقاط لقبول المهاجرين في استراليا والذي يطبق بشكل متزايد في بريطانيا هي طريقة لانتقاء العمال الذين لهم مهارات عالية وضمان ان مامن احد من الذين يدخلون البلد سوف يكون "عبء" على الدولة.

 

لتجنب الاضطرابات والابقاء على الاستغلال ومنع العمال من المطالبة بحقوقهم، تسعى ألبرجوازية الى شق وحدة الطبقة العاملة وخاصة في وقت الازمة.أن جوهر السياسات الحالية لليمين في الدول المتقدمة حيث يتخبط الاقتصاد في ازمة عميقة ليس لها حل في الافق هو تحريض اقسام من الطبقة العاملة ضد اقسام اخرى.في الحقيقة ان الاحزاب والسياسين اليمينيون في الغرب الذين يمثلون الرأسمال ومن اجل لفت الانظار عن حقيقة ان النظام الرأسمالي لم يعد يخدم مصالح اغلبية الجماهير وهو سبب كل المآسي والمصائب التي تواجه المجتمع والافراد يقومون بتأليب جزء من المجتمع ضد الاخر، مثل تأليب الذين لهم وظائف ضد العاطلين عن العمل من الذين يستلمون الاعانات الحكومية، او تأليب المواطن ضد المهاجر، او تأليب القطاعات المحافظة ضد جماعات البيئة والمثليين او ضد الذين يطالبون بدور اكبر للدولة في الاقتصاد والخ. كل الحملات الانتخابية للاحزاب اليمينية وخاصة منذ الازمة الاقتصادية التي بدأت في 2008 تسند على هذه السياسة.

 

ان افضل مثال كان ميت رومني مرشح الحزب الجمهوري مقابل باراك اوباما في انتخابات 2012 عندما ضبط في حديث خاص الى مجموع من داعمي حملته الانتخابية من الاثرياء في فعالية لجمع التبرعات وهو يتهم 47% من المجتمع الامريكي بانهم طفيليون من الذين لا يدفعون الضرائب، والذين لا يتحملون المسؤولية عن حياتهم، و يعتقدون بأن الحكومة يجب ان تعتني بهم.

في هذا السياق وجزء من هذه السياسة اليمينية من السهولة تحويل العمال المهاجرين الى كبش فداء و القاء اللوم عليهم عند شحة فرص العمل وزيادة البطالة او انخفاض الاجور واتهامهم بانهم مصدر المشاكل التي تواجة الطبقة العاملة. ألسياسيون الذين يبحثون عن التمويل من الرأسماليين والاصوات من العمال المحللين يعلنون الحرب على المهاجرين والاعلام والاكاديميون الموالون لليمين يصورون الهجرة كمشكلة وتكاليف تفرض على السكان الاصليين ويصفون القادمون الجدد بسارقي فرص العمل وارهابيون وتجار مخدرات ويحذرون بان العمال الاجانب سوف يقوضون الثقافة المحلية والاستقرار و التوازن العرقي.

 

تأمل هذه المفاهيم والافكار ان يوجه استياء العمال على اوضاعهم المعيشية ضد المهاجرين وان لايلوم العمال المحليون والمهاجرون النظام . و في الكثير من الاحيان تنجح البرجوازية في اقناع قسم من الطبقة العامل في ان تغض النظر عن حقيقة ان النظام الرأسمالي هو سبب الهجرة و الرأسماليون ينظمون الهجرة بدافع الربح وبدلا منه يلومون المهاجرين الذين هو ضحايا هذا النظام. واحيانا تنجح في اقناع ابناء الجيل الحالي من المهاجرين حالما يتم امتصاصهم من قبل المجتمع في القاء اللوم على الجيل الاتي من المهاجرين.وتجد احيانا العمال المحليون يحاربون المهاجرين اكثر من نضالهم ضد النظام الذي يجبرهم على الهجرة الى تلك البلدان.

 

ومايزيد من استعار الحملة ضد المهاجرين هي حقيقة ان بعض قطاعات الطبقة الحاكمة لايستفادون من العمال المهاجرين ولذلك لايرغبون في تحمل تكاليف الهجرة من اي نوع سواء كانت على شكل اعانة حكومية او زيادة اسعار البيوت والايجارات او ازدحام في وسائل النقل العامة الخ. في وقت ان قطاعات اخرى من البرجوازية مستفادة من الهجرة لذا تجدها مع ممثليها من الاكاديميين والسياسيين والاعلام متحمسة في الدفاع عن فوائد الهجرة. حتى التقارير التي تصدر من قبل مختلف المؤسسات الرأسمالية تختلف في النتائح التي تتوصل اليها فيما اذا كانت الهجرة مفيدة اومضرة بالاقتصاد. ان الانقسام داخل صفوف البرجوازية هو انعكاس ايدولوجي للطبيعة المتناقضة لمطاليب الاقتصاد الرأسمالي.

 

من اجل النجاح في توجيه نقمة الطبقة العاملة المحلية ضد العمال المهاجرين بدلا من الطبقة المستغلة والنظام الذي ينتج هذا العالم غير الانساني من الضروري ان يحاول المرشحون والاحزاب اليمينية وقف الهجرة او على الاقل الظهور بمظهر من يحاول ايقاف الهجرة من خلال القوانيين التي تعتبر الهجرة جريمة والمهاجرين مجرمين.

 

لقد تبنت الدولة الرأسمالية الوطنية منذ بداياتها سياسة للهجرة لتنظيم تدفق العمال. كما قلنا ان قوانين الهجرة تخدم الرأسمالية اذ انها تضمن عمالة اجنبية رخيصة عندما يحتاج لها الاقتصاد المحلي وبشكل عام تضع ضغط على الاجور وظروف العمل نحو الاسفل وتسمح بتحكم اكبر بالقوة العاملة ككل.

 

وقوانين الهجرة ايضا تعمل احيانا على منع الكفاءات والمهارات التي يحتاج اليها ارباب العمل من الهجرة الى الخارج. ان التوتر والتضاد بين الاقسام المختلفة من الرأسماليين الذين لهم حاجات مختلفة في سوق العمل يخلق مصاعب للدولة والسياسيين الذين يحاولون معالجة الهجرة. على سبيل المثال يضغط ارباب العمل في قطاعات الصحة والفندقة والبناء في امريكا على مجلس الشيوخ لتسهيل قوانين الهجرة فهذه هي قطاعات غير متحركة في حين ان قطاعات مثل قطاع التصنيع يمكنه التنقل بسهولة الى الاماكن التي فيها ايدي عاملة رخيصة لذا فهو ليس بحاجة الى الدولة ان توفر له ايدي عاملة رخيصة.

 

رغم تشديد قوانين الهجرة وازدياد المعوقات والحواجز امام تنقل العمال في اوضاع الازمة التي يمر بها النظام الرأسمالي، تبقى الهجرة في ازدياد على مستوى العالم. ان نسبة الهجرة ازدادت بمعدل 50% بين 1990 و2015. وتشير احصائيات الامم المتحدة باننا نشهد الان اعلى نسبة من التشرد في تاريخ البشرية على الاطلاق حيث اجبر 65.3 مليون انسان على ترك منازلهم. ويعتبر 21.3 مليون منهم لاجئون سياسيون. ويتم تشريد 34000 انسان في اليوم الواحد بسبب الصراعات والاضطهاد. وهناك 10 مليون انسان لا يحمل جنسية ومحروم من المواطنة وابسط الحقوق مثل التعليم والصحة والتوظيف وحرية السفر. وجود 10 مليون انسان لاتقبل بهم اي دولة كمواطنين وكانهم مخلوقات اتت من كواكب اخرى هو وصمة عار على جبين النظام الرأسمالي.

طالما كان هناك نمو غير متكافيء للرأسمالية ووجود انظمة قمعية وسياسات التفقير والتهميش وصراعات وحروب واضطهاد وتخلف اقتصادي تنتج باستمرار ظروف مأساوية وعدم مساواة هائلة فان الملايين من العمال سوف يهاجرون بحثا عن حياة افضل بغض النظرعن كم من الاجراءات تؤخذ على الحدود وكم من القوانين تشرع.

 

في وضع مثل هذا تؤدي قوانين الهجرة الى اجبار المهاجرين على المخاطرة بحياتهم في طرقات السفر و جعلهم فريسة تجار البشر وعصابات الجريمة. وكما قلنا فان هذه القوانين تفرض وضعية غير قانونية على جزء من الطبقة العاملة -المهاجرين غير الشرعيين" مما يؤدي الى خلق قوة عمل رخيصة.

 

اليسار البرجوازي الذي يحاول معالجة مشكلة الهجرة ضمن الاطار الذي يسمح بها النظام الرأسمالي و يود ان يظهر تعاطف مع المهاجرين عادة ما يصطف الى جانب البرجوازية المستفاد من الهجرة في الدفاع عن فوائد الهجرة للاقتصاد المحلي. وقد يذهب ابعد من ذلك في ان يدعو الى فتح الحدود ويلوم اقسام الطبقة العاملة التي تعادي الهجرة خوفا على الوظائف و من خلق ضغط نحو الاسفل على الاجور وظروف العمل ومن غلاء الاسعار وعلى توفر وسائل التنقل والخدمات الاخرى بالعنصرية والهوموفوبيا وغيرها. هذا اليسار يعجز عن صياغة برنامج عملي يعالج الهجرة لانه لا يود الكشف عن الاسباب الحقيقية للهجرة. أذ لا يود اي ينتقد النظام وان يبين بان المشكلة الاساسية هي النظام الرأسمالي نفسه ولايمكن حل مسألة الهجرة باعتبارها تناقض اساسي من تناقضات الرأسمالية في اطار النظام نفسه.

 

فعندما يتحدثون عن الهجرة من سوريا والعراق يتحدثون عنها وكأنها كارثة حلت نتيجة ظاهرة طبيعية لايمكننا العمل شيء اتجاهها. يتناسون بان الملايين من العراقين والسوريين اجبروا على ترك بيوتهم بسبب الحرب التي اشعلت نيرانها الحكومات الغربية وهي بسبب حمم النار التي تلقى على رؤسهم بتمويل من الغرب او القطب المقابل. وبدون الحديث عن الاسباب الحقيقية يبقى خطاب اليسار سفسطة بدون معنى، لذا نجد بان اقسام من الطبقة العاملة تؤمن بان اليمين اكثر فعالية في مواجهة هذه المشكلة.

 

على الشيوعية العمالية في كل هذه البلدان ان يكون لها برنامج واستراتيجية واضحة تجاه الهجرة. يجب ان تكشف ماهية الهجرة ودور النظام نفسه في تفاقمها. كما عليها ان تبين بان للعمال بغض النظر عن بلدهم الاصلي ماهو مشترك فيما بينهم اكثر مما لهم مع ارباب العمل في بلدانهم. علينا ان نبين بان معظم العمال المهاجرون لايودون ترك اماكنهم الاصلية اذ يفضلون البقاء مع عوائلهم وعلاقاتهم الاخرى في المكان الذي يجيدون فيه اللغة والثقافة والقوانين. انهم على استعداد على مواجهة الموت في الصحاري والغرق في البحار والاختناق في الشحنات و الاستغلال من قبل تجار البشر أملا في تحقيق حياة افضل لهم ولعوائلهم او هربا من الاضطهاد. على الشيوعييين توضيح بانه لايمكن معالجة الهجرة كمشكلة الا بالاطاحة بالنظام الرأسمالي نفسه.

مقالات