عادل احمد

حول رحيل كاسترو

رحل كاسترو الرئيس الكوبي السابق الذي ناهز الـ 90 عاما من العمر. كان كاسترو من الشخصيات المعروفة والمثيرة للجدل في القرن العشرين، والذي قاد حركة تحرير كوبا من تحت سيطرة الامبريالية الامريكية والحكومة الباتيستية المستبدة في عام 1959. بعد سنتين تقريبا اعلن كوبا دولة اشتراكية في المعسكر السوفيتي والمتمثلة بالاقتصاد المخطط للدولة او ما يسمى برأسمالية الدولة. بعد اعلان كوبا دولة اشتراكية تابعة سياسيا للسوفيت, تحركت امريكا والغرب لفرض الحصار الاقتصادي والسياسي على كوبا وقامت بمحاولات عديدة لتغير السلطة في كوبا لتخليص دول جزر الكاريبي من الولائات للمعسكر السوفيتي. واستمرت كوبا بنهجها حتى اليوم رغم سقوط حكومات المعسكر السوفيتي واوربا الشرقية, واستمر الحصار حتى اليوم لاخضاع كوبا للسياسات الامريكية اكثر واكثر.

لا كوبا ولا كاسترو كانوا في يوم ما اشتراكيين في اي وقت اي الاشتراكية بمعناها العمالي والماركسي، ولكن كاسترو كان قوميا ووطنيا في بدايته ومزج افكاره القومية باليسار والاشتراكية السوفيتية وتاثر كثيرا بالاقتصاد المخطط للدولة، وحاول دمج افكاره القومية بهذا الاقتصاد المخطط تحت تسمية الدولة الشيوعية. والتي لم يكن هناك اي اوجه تشابه بين الاشتراكية العمالية وما يجري في كوبا تحت نفس التسمية الا الاسم، ولكن من الناحية السياسية والاقتصادية كانت تعبر عن نموذج لرأسمالية الدولة والتي كانت شائعة في القرن العشرين بعد التحولات السياسية والاقتصادية التي طرأت على الثورة الروسية. ولكن هذا النموذج من راسمالية الدولة كانت له فوائد اقتصادية واجتماعية للدولة الكوبية، اولا امم جميع الشركات الامريكية والغربية العاملة في كوبا وقطع يد امريكا من التدخل في كوبا عمليا. ومن ثم تحويل الاقتصاد والسوق نحو اوروبا الشرقية والدولة السوفيتية. واستطاع عن طريق هذا التحول جلب الراي العام الكوبي والطبقة العاملة الكوبية نحو سلطته. والتي تمتعت بالدعم الكبير نتيجة قضائها على الحكومة الباتيستية الموالية لامريكا والتي تحولت كوبا في ظلها الى احدى الولايات الامريكية، حيث انتشر فيها الجوع والبطالة والفساد واصبحت كوبا ولاية من ولايات القمار مثل لاس فيغاس الامريكية. والفائدة الثانية كان افق كاسترو القومي لان تصبح كوبا وشعبها تفتخر بأمجادها وتاريخها ضد الأستعمار الاسباني والامريكي في القرن التاسع عشر.

على الرغم من وجود الاهداف الغير عمالية في افكار فيدل كاسترو والدولة الكوبية ولكن ما حقق في ظل هذه الحكومة وهذا القائد جدير بالذكر والتقدير في عديد من النواحي. ومن حقنا نحن العمال والاشتراكيين ان نشير الى الجوانب الايجابية لهذا النظام الاقتصادي والسياسي مقارنة بما يجري حولنا في العالم وخاصة الدول الديمقراطية. نظام التربية والصحة مجاني ومتقدم ايضا ويخدم المجتمع بالتساوي. ومعدل الجريمة متدني الى درجة لا تقارن في اي مكان من العالم. وان كرامة الانسان محفوظة رغم كل الفقر والحرمان، وان المسكن والمأوى في متناول الجميع رغم افتقارها الى المواد الاولية في هذه الجزيرة الفقيرة والمحاصرة. كما وان مظاهر الدولة البوليسية والشرطة والسلاح مختفية تماما على الرغم من وجودها بشكل سري فقط. التخطيط الاقتصاد ونظام البطاقة التموينية للمواطنين هي شرط حصول المواطنين على احتياجاتهم والجميع يقومون بعمل ولكن ليس شاقا كما في البلدان الاخرى. وان الصناعات اليدوية البسيطة لا تزال رئيسية في مكان العمل وفي المصانع. وروح المشاركة والتعاون بين افراد المجتمع في درجة عالية مقارنة بالدول الديمقراطية والغربية مثل امريكا.

ان كل هذا موجود في كوبا بفضل فيدل كاسترو وحركته القومية والتحررية. ولهذا السبب يحترمه شعبه ويقدره رغم انهيار الاشتراكية والدولة السوفيتية قبل عقدين ونصف، وليس قمعه وديكتاتوريته كما تصفه البرجوازية الغربية. ان العالم قام بتجربة روسيا واوروبا الشرقية واليوم محاصرين بين السوق الحر وديمقراطيات الجوع وانعدام الخدمات الاجتماعية، وانتشار الجوع والبطالة وازدياد الحرب وانتشار العنصرية والقومية والفاشية ويحنون الى الماضي وتاريخه بعين الرحمة. ان كاسترو ونظامه على الرغم من اختلافنا معه وعلى الرغم من عدم التقارب بينه وبين النظام الاشتراكي العمالي، ولكن يستحق الدفاع عنه وعن انجازاته الانسانية وما قام به من اجل شعبه. ان هذا كان نسيم فقط للاشتراكية وحقق اشياء كثيرا للمواطنين الكوبيين، وتخيل كيف يكون النسيم الحقيقي للاشتراكية عندما يمس الحياة والمعيشة المواطنين وافاقه بشكل عملي وملموس وبارادته الانسانية.

اذا اردنا ان نقارن وان نختار بين جميع زعماء العالم البرجوازي ميلا الى الانسانية وسلك طريق اقل وحشية لاضطهاد الطبقة العاملة وخدم اكثر لمواطنيه، فسيكون فيدل كاسترو في مقدمة هولاء القادة على الرغم من كل تصوراتنا لنظامه ولرؤيته السياسية. وان التاريخ سوف يضعه في خانة المؤيدين للفقراء وليس للاغنياء

مقالات