سمير عادل

-الحشد الشعبي- ومستقبل التحالف الشيعي

 

ظاهرة المليشيات ليست جديدة في عراق بعد احتلاله في عام ٢٠٠٣. بيد ان تلك الظاهرة تمر عبر خط منحني، بين خط الصعود والنزول، بين المد والجزر، بين نصف الشرعية وشبه الشرعية وخارج الشرعية بالنسبة للحكومات المتعاقبة بعد الاحتلال. ولكن الجديد هو ان لهذه المليشيات المنضوية اليوم تحت عنوان "الحشد الشعبي"، تجد شرعية رسمية ومعترف بها وتمول استقطاعات رواتب العمال والموظفين، والفضل يعود الى بزوغ فجر داعش في العراق في حزيران ٢٠١٤.

فعندما تحاول الحكومة ان تستند على الة الدولة العسكرية من الجيش والشرطة ومكافحة الارهاب، تتحول المليشيات الى خارج القانون وتتلقى ضربة موجعة من الحكومة مثلما حدث مع عصابات جيش المهدي التابع للتيار الصدري.وعندما تحتاج الحكومة الى دعم قوة عسكرية موالية عقائديا لها لقمع مخالفيها، فتتحول المليشيا الى قوة شبه رسمية مثلما حدث مع عصاب اهل الحق، وإطلاق سراح رئيسها قيس الخزعلي، الى الحد الذي عقدت مؤتمرها في عام ٢٠١٣ بشكل علني في مدينة الموصل، والتي كانت رسالة واضحة من المالكي الى القوى العروبية وجماعات الاسلام السياسي السني في الموصل والمعارضين لسلطة التحالف الشيعي، بأن الموصل جزء من الجغرافية التي تسيطر عليها حكومة المالكي الطائفية بامتياز. وكانت في حينها تدعم تلك المليشيات قيادة عمليات نينوى التي شكلها المالكي وحيث ارتكبت العشرات من الجرائم الطائفية، والاعتقالات العشوائية، والاخفاء القسري والقيام بعمليات التعذيب، وفرض الاتاوات على سكان الموصل.

وفي وقت ما تحولت مليشيا "الصحوات" التي شكلتها قوات الاحتلال بقيادة دايفيد بتراويس في محافظة الانبار، الى قوة عسكرية رسمية على الاقل امام القوات الامريكية، وتتقاضى رواتبها من ميزانية الحكومة، ولكن ما ان حاول المالكي من بسط نفوذ حكومته للحيلولة دون ظهور قوة سياسية بذراع عسكري تقوض نفوذ سلطة التحالف الشيعي التي يقودها المالكي في المناطق التي عرفت بالغربية، قام بحل الصحوات، وقطع الرواتب عن عناصرها، واحل بدل عنها مجالس الاسناد، وهي مليشيا جديدة موالية له. وبموازاة المليشيات الشيعية شكلت القوى العروبية المتسننة في الموصل مليشيا جديدة بقيادة اثيل النجيفي اطلق عليها "الحشد الوطني"، وعلى اثره وجهت حكومة العبادي ضربة غير استباقية على عرابها حيث اصدرت محكمة جنائية امر بإلقاء القبض على النجيفي على غرار الاوامر الصادرة على الهاشمي والعلواني والعيساوي في زمن المالكي، بتهم جاهزة دون اي عناء مثل التورط بالإرهاب والتخابر مع الاجنبي، في الوقت الذي تتورط جميع القوى المتحالفة في العملية السياسية مع سبق الاصرار والترصد بالإرهاب بإشكال مختلفة، ولا تشكل اي وزن على الساحة السياسية دون الارتباط بأحدى الدول الاقليمية، وهي اكثر من التخابر والغزل والمخاتلة والمكاتبة مع الاجنبي.

ان شرعنة مليشيا "الحشد الشعبي" والدفاع المستميت عن وجودها لا تكمن كما يزايد عليها قادة المليشيات المنضوية تحتها بأن "الحشد" قدم تضحيات كبيرة ودافع عن العراق واكراما لشهدائها.. الخ بل تكمن بأنها الاداة الوحيدة الباقية للحفاظ على سلطة الاسلام السياسي الشيعي وحكمه وجبروته ونهبه وسلبه وامتيازاته ونفوذه السياسي وقوانينه واعرافه وتقاليده. وكشف سقوط الموصل وانهيار اكبر قوة امنية من شرطة اتحادية وجيش وصل عديد قواتها الى ٣٠ الف عنصرامام حفنة من الوحوش المنقرضة لا يتجاوز عددها ٢٠٠ شخص، بأن لا بقاء لسلطة وحكم التحالف الشيعي دون مليشيا عسكرية لها عقيدة طائفية مترسخة في صفوفها تدافع حد النخاع عن حكم التحالف الشيعي وسطوته في العراق. وقد كشف عن هذا السر بصريح العبارة نوري المالكي في مقابلة له مع موقع "ايلاف" قبل ايام.

ان رفض التحالف الشيعي شروط القوى العروبية والسنية في البرلمان للتصويت على مشروع "الحشد الشعبي" في البرلمان، وهي ان تكون لها في "الحشد" حصة ٤٠٪ من عناصر العشائر السنية مع محاكمة المتورطين من "الحشد الشعبي" في الجرائم الطائفية، وان تكون حماية المناطق المحررة من داعش بأمرة عناصر العشائر الحشد المنتمية لتلك المناطق. والسبب وراء الرفض، فأن التحالف الشيعي يريد مليشيا ذات دم طائفي نقي لا تلوثه دماء "سنية"، ولا تريد ان يعرض قادتها وعناصرها للمساءلة القانونية. اي بعبارة اخرى تأسيس مليشيا تستند على عقيدة طائفية، وتقبض اموالها من ميزانية الحكومة بينما تتحرك وفق اهداف خاصة. ومنذ تشكيل "الحشد الشعبي" نفذت مهام غير المهام التي قامت على اساسها وهي التصدي لداعش، وهي فرض الاجواء الاسلامية، والتدخل في حياة الطلبة الجامعية، والتورط في قتل بائعي الخمور في البصرة وبغداد. وان تمادي وزير التربية ووزير التعليم العالي في اقامة المناسبات الطائفية في الجامعات او في فرض انواع اللبس على الطلبة او في تمرير مشروع البطاقة الوطنية العنصرية او قانون منع المشروبات الكحولية، يستمد قوته على سيطرة مليشيا الحشد الشعبي على مفاصل الحياة الامنية والسياسية والاجتماعية في المجتمع.

لم يمض وقت طويل حتى انكشفت الاهداف التي تقف وراء تشكيل ميليشيا "الحشد الشعبي"، وقد زالت اعمدة الدخان، وقبل الانتهاء من المعركة مع داعش، وتعالي الاصوات التي تطالب بحل المليشيات بعد داعش، سدد التحالف الشيعي ضربته بتمرير القانون رغم على انف العروبيين المتسننين في تحالف القوى والكتلة العربية ولجنة العشائر ومن لف لهم. وكل انتهازية عمار الحكيم بادعائه بأنه لم يكن موجود اثناء عملية التصويت على قانون "الحشد الشعبي" لا تسعف مشروع تسويته المتهرئة، والتي قلنا عليها ليس اكثر من توسيع نظام المحاصصة، ولا فذلكات العبادي التي عتب على تمرير القانون دون اخذ بنظر الاعتبار اقتراحاته في اضافة تعديلات عليه، من تغيير صورته التي اراد ان يسوقها بأنها بريئة من الطائفية.

واخيرا وليس اخرا، فأن "الحشد الشعبي" هي مليشيا سواء الحق بقانون بوزارة الدفاع او لم يلحق، وسواء رفض شروط العروبيين المتسننين او ادخلت على القانون، فأنها اداة قمعية يجب حلها وان يقدم جميع المتورطين في صفوفها بجرائم قتل طائفية ان يقدموا الى محاكمة العلنية اسوة بعناصر عصابات داعش...

مقالات