سمير عادل

المدنيون في حلب والمدنيون في الموصل

الجانب الانساني والمأساة الانسانية والاهوال الانسانية هي واحدة في مدينتي حلب والموصل. ولا يمكن القبول بأية مزايدة سياسية على حجم الكارثة الانسانية في المدينتين. الا ان علو الاصوات وارتفاع طنين الابواق وكمية الحبر المسال على الاوراق الدعائية في الاعلام الغربي، واروقة المؤسسات السياسية وصناعة القرار في البيت الابيض الامريكي وقصر الاليزيه الفرنسي وبناية ١٠ داوننغ ستريت البريطاني هي الاجش والاعلى والاكبر على المدنيين في حلب. بينما يتحدث نفس الاعلام الغربي ونفس تلك المؤسسات عن مأساة المدنيين في الموصل، كحدث لابد منه وملازم للحرب على داعش وبصوت خافت الى الحد في بعض الاحيان، يمكن إطلاق او استخدام التعتيم الاعلامي على ما يدور من الويلات التي يعانيها سكان الموصل.

 

*****

"الحرب على الارهاب" و"حقوق الانسان" و"التباكي على المدنيين"، هي العناوين البارزة والمبررات الكافية لكسر انف مخالفي الغرب بقيادة الولايات المتحدة الامريكية في اي مكان من العالم. اليوم يتصدر "التباكي على المدنيين" عيون السياسيين والاقلام المأجورة في الغرب على المدنيين في الحلب. والسبب لان المنظمات الاسلامية الارهابية مثل "فتح الشام - جبهة النصرة سابقا" واحرار الشام والجبهة الشامية وحركة نور الدين الزنكي التي تذبح الاطفال، هي ادوات مطاوعة ومطايا امريكا فرنسا - بريطانيا والمثلث الاقليمي المسعور تركيا السعودية - قطر، وان الحرب المستعرة في حلب ستقلم اظافر تلك الوحوش. وعندما كان داعش يبسط نفوذه على الموصل وبقية المدن الغربية في العراق بعد ١٠ حزيران ٢٠١٤ رد داود احمد اوغلو رئيس الوزراء التركي الاسبق صاحب نظرية صفر مشاكل على، الصحفيين في سؤالهم حول الموقف من داعش، قال ان السنة يتعرضون الى ظلم طائفي. اي بلغة اخرى عندما تكون المنظمات الاسلامية الارهابية صديقة للغرب واداة لتمرير سياسته، يصبح البكاء حرقة على المدنيين "صدقة" و"عبادة"، اذا ما اصبحت تلك الاداة معرضة للسحق من قبل اعداء امريكا وحلفائها، وعندما تكون نفس تلك المنظمات عدوة للغرب، والاخير بنفسه يريد ان يقلعها لحسابات سياسية ومصلحية، فالبكاء على المدنيين بدعة، لان قتل المدنيين او تجويعهم او ارعابهم حدث عابر وعادي في كل الحروب.

*****

المعطيات والوقائع في الموصل وبعد اكثر من خمسة اسابيع من المعارك، تبين بالرغم من فقر وشحة توافر المعلومات حول سكان الموصل المحاصرين بين كماشة داعش والجيش العراقي، بان الحكومة العراقية والامم المتحدة والتحالف الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة الامريكية، لم تعد العدة ولم توفر الامكانات والمستلزمات على الصعيد العسكري من حيث فتح الممرات الامنة وتجنب الخسائر في صفوف المدنيين، وكذلك الدعم الطبي والخدمي سواء للمحاصرين من المدنيين في الموصل او من النازحين الهاربين من جحيم داعش وجحيم الحرب. وليس هذا فحسب بل ان حكومة العبادي ومنذ الساعات الاولى لأنطلاق معركة الموصل، دعت المدنيين بملازمة بيوتهم. ولكن الحقيقة توضحت الان بأن تلك الدعوة هي كانت تعبير عن فشل الحكومة باستقبال الهاربين من جحيم "قادمون يا نينوى"، وهو عنوان حرب التحالف الدولي على داعش في الموصل.

ان حكومة العبادي والتحالف الدولي غير ابهة بأمن وسلامة المدنيين ولا بالوقائع اليومية الحياتية للالاف من المدنيين. وان الارباك الذي يعم صفوف القوات العسكرية وعدم قدرتها على احراز نصر سريع على داعش، جعل من حياة المدنيين المحاصرين في الموصل والنازحين في قاع اولويات حكومة العبادي والتحالف الدولي.

ولا يمكن لرفع زعيق صوت المعركة وزعيق طبولها ان يحجب الوقائع المأساوية التي يعيشها سكان الموصل، من قطع المياه النظيفة وشحة الوقود والمواد الغذائية منذ اكثر من خمسة اسابيع، وانقطاع سبل الهروب الى مناطق امنة، وعلى صعيد النازحين فلا خيام كافية ولا وقود متوفر ولا امكنة تأويهم.

*****

المقارنة بين الاداء الروسي في حلب والاداء الامريكي في الموصل من الجانب الانساني اتجاه النازحين، فقد قررت القيادة الروسية ارسال مستشفيات متنقلة ومستلزمات طبية ومواد غذائية الى حلب، في حين ان الجانب الامريكي في الموصل، يفشل حتى اعلاميا بتسويق نفسه لتنظيف ساحته على الاقل من التواطؤ مع العصابات الاسلامية من التمدد في سوريا كي تصل الى العراق وتعلن دولة الخلافة الاسلامية. ان الوجه الانساني الامريكي "الطبقة السياسية الامريكية الحاكمة " كشف عن قباحته في معركة الموصل، ولا يشغل بال تلك المؤسسة سوى احراز نصر عسكري باي ثمن، كي تحوله الى نصر سياسي في المرحلة الانتقالية التي تمر بها المنطقة والعالم. اما على الصعيد الحكومي، فتجربة الحكومة السورية هي أكثر دينامية وحتى عمليه من حكومة العبادي، حيث تشكل في كل حي تحرره فورا الحكم المحلي الذي يتضمن الخدمات والنفوس والصحة للحيلولة دون ارتفاع نسبة النازحين واللاجئين، في حين ان حكومة العبادي تتفنن في عقد المؤتمرات الصحفية والزيارات الميدانية للتسويق الاعلامي وليس اكثر من ذلك.

*****

ان البعد الانساني لقضية المدنيين وخاصة النازحين او الهاربين من جحيم الموت، هي قضية لا تشمل الحكومة العراقية التي اثبتت الى الان فشلها كما بيناه، كما فشلت ايضا المنظمات التابعة للأمم المتحدة بالإيفاء بمسؤوليتها، بل تشكل الضمير الانساني لنا جميعا. ان التحرك الفوري تجاه توفير المستلزمات من الغذاء والدواء والملابس والخيام هي مسؤولية الجميع في المجتمع. ان اولى مخاطبينا هم المنظمات والاتحادات العمالية داخل العراق بتنظيم حملة لتوفير تلك المستلزمات وايصالها الى النازحين. ويجب علينا تشكيل الفرق واللجان في الاحياء والمناطق ايضا لتوفير تلك المستلزمات. ان الشعور بالمسؤولية تجاه النازحين يجب ان يتحول الى الوعي الاجتماعي داخل المجتمع، وهذه هي مهمة الشيوعيين بالدرجة الاولى واليساريين وكل القوى التحررية في المجتمع العراقي.

مقالات