عبدالله صالح

بعيدا عن السياسة / 2... الطائفية والعبودية في كرة القدم!

يمكن أن ألخص مقالي السابق حول نفس الموضوع بالتالي:

الرياضة فن، ذوق وأخلاق، ولكن دخول الجشع الرأسمالي في هذا المجال باعتباره مرتعا خصبا للربح أفسد علينا نحن عشاق هذا الفن المتعة التي كنا نتوخاها من الرياضة.

اليوم، وفي مايسمى بـ "المجتمعات الاسلامية" هناك دخيل آخر، آفة أخرى، على هذا الفن، وهي الطائفية المقيتة التي لم تترك مفردة واحدة من حياة الفرد في هذه المجتمعات الا ودخلتها، ومنها الرياضة، وبالتحديد اللعبة الشعبية الاولى، كرة القدم، فاللاعب، هاويا كان أم محترف، نراه بعد تسجيله للهدف يبدأ بممارسة تقليد يبعث على الاشمئزاز وهو أما "اللطم" أو "السجود" مع باقي أقرانه كدلالة على انتمائهم الطائفي، وكأن الملاعب تحولت الى حسينيات ومساجد! وهنا لا بد من الاشارة الى ان رسم الصليب على الصدر من قبل بعض اللاعبين الاوروبين عادة متبعة منذ القدم، الا ان هذه الممارسة دخلت في مجتمعاتنا بعد ظهور تيار الاسلام السياسي على الساحة، انها حقا تُفسد على المشاهد متعة وفرحة تسجيل الهدف وما يحمله من معاني في خلق احساس بانتماء معين، كما حصل معي حين تابعت مباراة منتخب العراق للناشئين فتركت شاشة التلفاز لما لهذا المشهد من تأثير كارثي ليس علي كمشاهد فحسب، بل وحتى على المجتمع بأسره، ممارسة لم نعتد عليها حين كان الجيل الذهبي لهذه اللعبة يبعثون في النفوس الفرحة والبهجة والسرور وقت تسجيل الاهداف من أمثال هشام عطا عجاج وكوركيس يوسف وقاسم زوية وشدراك يوسف وعدنان درجال وغيرهم.

البلاء الآخر الذي ابتلت به هذه اللعبة هي العبودية! فبعد أن فازت دولة قطر بحق تنظيم كأس العالم عام 2022، رغم صغر حجمها كدولة، ورغم منافسة قوية من الدول الاوربية، ورغم كل الشكوك التي راودت عملية الفوز! إلا أنها أصبحت أول دولة تنظم هذا الحدث الكروي في الشرق الأوسط.

بدأت قطر ببناء الملاعب والمؤسسات الواجب توفرها لاحتضان هذا الحدث الكروي الكبير، وبدأت الموجات البشرية من العمالة الاجنبية تتوافد على هذه الدولة وخصوصا من الدول الفقيرة كالنيبال وبنغلادش ودول جنوب شرقي آسيا. هناك قوانين في معظم دول الخليج، ومنها قطر، للعمالة الاجنبية تفرض على العامل نظام الكفيل حيث يدفع العامل الاجنبي نسبة غير قليلة من اجوره للكفيل ويحتفظ هذا الاخير بجواز سفر العامل، أي لا يسمح للعامل بمغادرة البلد الا بموافقة الكفيل وهنا تبدأ اللعبة الخبيثة حيث يُعامل هؤلاء الاجانب كالعبيد، فتُفرض عليهم ساعات عمل طويلة وسط ظروف قاسية وخصوصا في فصل الصيف، لاتصرف لهم الاجور بانتظام او حسب الاتفاق المبرم بين الطرفين، المأوى المخصص لهم يفتقر الى أبسط الشروط الصحية، المأكل لايسد رمقهم كون اجورهم لا تصرف بانتظام وحتى وصل الامرالى حد اطعام هؤلاء من قبل بعض "المنظمات الخيرية"، وأما الاصابات والموت جراء العمل الشاق فحدث ولا حرج، هناك قصص مروعة عن ظروف عمل وعيش هؤلاء العمال تقشعر لها الابدان، انهم يبنون صرح مجمعاتهم الرياضية وقصورهم الفخمة على حساب مأساة الملايين من العمال، هذه الحالة دفعت بالمنظمات الدولية للدخول على الخط حيث أصدرت منظمة العفو الدولية في آذار مارس من هذا العام تقريرا أفاد بأن قطر غير مؤهلة لاستضافة كأس العالم عام 2022. وجاء في التقرير أن العمال القادمين من الخارج، الذين يعملون حاليا في إعادة بناء مجمع خليفة الرياضي استعدادا للحدث، يتعرضون لسوء المعاملة وانتهاكات لحقوق الإنسان وأوصت المنظمة الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا" باتخاذ إجراءات "قبل فوات الآوان". كما ورفع أحد الناجين من قساوة هذه الظروف، وهوعامل بنغالي، في اواسط شهر اكتوبرمن هذا العام، شكوى ضد "الاتحاد الدولي لكرة القدم" (الفيفا) بسبب "فشل الاتحاد في استخدام نفوذه لضمان حقوق العاملين في منشآت كأس العالم عام 2022 في قطر ويطالب العامل بتعويض قدره 11 ألف دولار عن فترة عمله التي قال إنه دفع مقابلها 4 آلاف دولار لكفيله الذي جلبه للعمل.

أخيرا لنسأل أنفسنا أليست الحياة أجمل من دون هذا النظام الطبقي الظالم ،النظام الرأسمالي، الذي جاءت من رحمه العبودية والطائفية و....؟ والى اللقاء في مناسبة جديدة وتهنئة من القلب بمناسبة حلول العام الجديد.

مقالات