عبدالله صالح

عندما تتضارب الحقيقة مع المصالح! حول التصريحات الاخيرة لوزير خارجية بريطانيا

وبّخت رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي وزير خارجيتها وعمدة لندن السابق ومهندس حملة خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي، بوريس جونسن، على خلفية تصريحات كان قد ادلى بها في مؤتمر عُقد في روما في الفترة الاخيرة، عندما أدان بقوة المملكة العربية السعودية وايران قائلا: بأنهما تخوضان حربا بالوكالة في الشرق الاوسط حيث تشتعل المنطقة، وانهما يستخدمان الدين بهدف الوصول الى مآربهما السياسية ويقومان بتحريك الدمى في المنطقة في إشارة الى سورية واليمن.

هذه التصريحات جاءت في وقت كانت تيريزا ماي تحضر مؤتمر القمة الخليجي المنعقد في البحرين باعتبارها ضيفة شرف وأول رئيسة وزراء بريطانية تحضر هكذا قمة، حيث أكدت في كلمتها امام المؤتمرين بأن أمن الخليج هو من أمن بريطانيا، وتوعدت ايران بأي تحرك ضد الخليجيين، ذلك الخطاب الذي ظلت وسائل اعلام دول الخليج تردده وتكّل له المديح. ارادت ماي بهذا الخطاب أن تسبق دونالد ترامب في وضع موطأ قدم اكثر ثباتا وذلك بطمأنة الشركاء التأريخيين! خصوصا بعد شبه الجفاء الحاصل مع أمريكا في عهد اوباما.

رئيسة الوزراء الجديدة التي يعتبر الكثيرون بان سياساتها امتداد لسياسة تاتشر اليمينية، حضرت هذه القمة لعدة أسباب، اولها تأمين اسواق جديدة للصادرات البريطانية خصوصا بعد خروج الاخيرة من الاتحاد الاوروبي، وبغية توطيد الشراكة التجارية مع تلك الدول وبالاخص في مجال مبيعات الاسلحة على غرارصفقة أسلحة اليمامة، التي وقعتها تاتشر في حينيها مع فهد بن عبدالعزيز ملك السعودية آنذاك وبلغت قيمتها 72 مليار دولار، سيما وان الخطر الايراني اليوم ماثل أمامهم، الا ان وزير خارجيتها أفسد عليها هذا المنهاج بتصريحاته الاخيرة، فسارعت الى توبيخه واعلنت بان تصريحات جونسن لا تمثل رأي الحكومة!

الكلام، بالاخص عندما يصدرعن وزير خارجية احدى اكبر الدول الاوروبية يحسب له الف حساب في عالم السياسة، ربما يكون جونسن قد اسقط نصف القناع وعبر عن نصف الحقيقة في تصريحاته، ولكن السؤال هنا هو التالي: ألم يكن من الاجدر به السعي لايقاف صفقة أسلحة وقعت أخيرا بين حكومته والمملكة العربية السعودية، والتي تقدر بحوالى أربعة مليارات من الجنيهات الاسترلينية لاستخدمها في تلك الحروب التي يصفها جونسن "بحروب بالوكالة" تشن على الابرياء في اليمن وسورية؟ فحرب اليمن، على سبيل المثال، والتي للسعودية فيها اليد الطولى، أسفرت حتى الآن عن مقتل حوالي عشرة آلاف شخص ونزوح الملايين وشح في الاغذية والادوية بشكل يوشك ان تؤدي الى مجاعة، ناهيك عن تدمير معظم البنية التحتية في ذلك البلد الذي يصنف عالميا كبلد فقير! هذا بالأضافة الى الدور الأساسي للمملكة وقطر في دعم المنظمات الارهابية في سورية والعراق مثال داعش وجبهة النصرة ومن لف لفهما.

أما بالنسبة لإيران، فان حكومة وزير الخارجية البريطاني كانت سباقة الى فتح سفارتها في طهران بعد التوقيع على الاتفاق النووي لانتزاع الاسبقية في الشراكة التجارية مع سوق ايران التي تسيل لعاب تلك الحكومات، وهي، أي بريطانيا، تدرك بأن الجمهورية الاسلامية هي احدى أهم أعمدة الارهاب الرئيسية في المنطقة، على صعيد سياساتها الخارجية المتمثلة في الدعم اللوجستي والبشري لنظام بشار الاسد في حرب ابادته لشعبه ودعم وحزب الله اللبناني. أما على الصعيد الداخلي، فان منظمة العفو الدولية، والتي مقرها في لندن، تصدر تقارير باستمرار عن الانتهاكات الفضيعة التي تقوم بها ايران ضد معارضيها والمتمثلة بحملة الاعدامات اليومية في الساحات العامة، وامتلاء السجون بكل من لا يمتثل لما يصدر عن المرشد الاعلى من سياسات وتوجيهات.

انه نفاق ودجل وكذب وضحك على الذقون من قبل هؤلاء المسؤولين حتى ولو صرحوا بنصف الحقيقة على غرار جونسن في تصريحاته الاخيرة، غالبية البريطانيين يدركون أكذوبة هذه المواقف ويدركون بأن مصالح الرأسمال في هذا البلد هي فوق كل اعتبار، لذا فان جوهر سياسات حكوماتهم تكمن في تجنب البوح بالحقائق خصوصا اذا كانت تؤثر سلبا على المصالح، وهو ما لم يلتزم به بوريس جونسن عن قصد أومن دونه!

مقالات