عادل احمد

عالم ما بعد حلب!

استطاع الجيش السوري والقوة المتحالفة معه بمساندة روسيا السيطرة الكاملة على مدينة حلب السورية، وحصر القوة القليلة المتبقية من الفصائل الاسلامية الموالية للغرب والسعودية وقطر وامريكا في زاوية صغيرة من المدينة وسيتم اجلائها قريبا الى خارج المدينة، او سيتم القضاء عليها اذا لم يسسلموا انفسهم الى القوات السورية. وبهذا تنتهي عمليات ما تسمى بالمعارضة تقريبا قوتها الميدانية الفعالة في سوريا واقرت كل من امريكا وبريطانيا وفرنسا فشلهما في سورية وانتصار روسيا في هذا الميدان.

ان هذا الانتصار لروسيا في سوريا يعني انتهاء وافول عالم احادي القطب برئاسة امريكا والذي بدأ اثناء انهيار القطب السوفيتي في بداية التسعينات من القرن الماضي وحرب الكويت سيئة الصيت، وانتهت بفشل امريكا في العراق وسورية وليبيا ومصر واليمن. ان انتصار روسيا وتفوقها العسكري في سوريا اثبتت للعالم بأنها قطبا سياسيا وعسكريا مهما وموازيا لامريكا لزعامة العالم، وهذا بدوره سيغير جميع الموازين والمعادلات السياسية في العالم وخاصة في الشرق الاوسط. ان بروز هذا القطب الامبريالي الروسي في القارة الاوروبية يعني طلب الحصول على حصتها في اعادة رسم خارطة العالم من جديد، وتشكيل تحالفات جديدة حسب التغيرات في القوة ومصالح الدول الكبرى، وهذا بدوره يجعل المنطقة برمتها تكتسب طبيعة هذا الصراع الرجعي. وهذا ما رأيناها في الحرب في الموصل وحلب بشكل واضح.

ان تأثير الازمة الا قتصادية العالمية والتي بدأت بوادرها عام 2008 وانتشرت الى جميع بقاء العالم، خلفت ازمة سياسية واجتماعية ايضا من ورائها. ان اصطفاف الدول ومصالحها قبل هذه الازمة الاقتصادية وبعدها تختلف كليا. ان محاولة جميع الدول الصناعية الكبرى ما يسمى بـ (مجموعة الثامنة G8) او (مجموعة العشرين G20)، لتفادي الضرر الناتج عن هذه الازمة الاقتصادية سويا وبخطط مشتركة بائت بالفشل، ولم يتوصلوا الى اي نتيجة مشتركة تخدم كل الاطراف بغير اشتداد الازمة اكثر واكثر، وتحميل اعباء هذه الازمة على كاهل الطبقة العاملة العالمية، وكان النصيب الكبير لهذه الاعباء وقعت على رأس الطبقة العاملة في الشرق الاوسط ودفعت ثمنها بالدم. وان هذا بدوره عمق الهوة بين اطراف مجموعة الثامنة وكذلك مجموعة العشرين من اجل الخروج من عاصفة الازمة، والبحث عن حل فردي بين هذه الدول، والنتيجة صوتت بريطانيا بالخروج من السوق الاوروبي المشترك وتفكك تحالفات عديدة في القارة الاوروبية، وتعاطف قسم من الدول الغربية مثل المانيا واسبانيا واليونان والى حد ما فرنسا مع القوة العسكرية الجبارة لروسيا، والتي تتمتع بأسناد ثاني اكبر دولة اقتصاديا وهي الصين الشعبية من اجل تقليل من تاثير هذه الازمة عليهم، وبهذا اكمل القطب الجديد الروسي لمواجهة القطب القديم برئاسة امريكا.

ان التنازع والصراع بين الدول الامبريالية الكبرى هو الصراع بين اللصوص الكبار من اجل اقتسام الغنائم من الثروة والمال فيما بينهم. ان هذا الاقتسام يأتي مرات عن طريق تحالفات ومعاهدات سياسية بين اللصوص، او يأتي عن طريق القوة والصراع العسكري لحسم الامور وفق القوة المنتصرة. وفي كلا الحالات يخسر أصاحب هذه الثروة الحقيقيين اي الطبقة العاملة العالمية.

ان عالم بعد انتصار روسيا في حلب يخطوا نحو مرحلة جديدة في الصراع العالمي. ان هذا الانتصار يعني النظر من جديد حول جميع التحالفات والاصطفافات السياسية والعسكرية والاقتصادية في العالم، بعد تفوق عسكري وسياسي لرجوع قطب قديم من جديد تحت اسم جديد وفي ظروف جديدة وهي القطب الروسي. ان عالم بعد حلب سوف يختلف كليا عن عالم قبل حلب، ولهذا السبب سوف تتجه حركة الطبقة العاملة اتجاها مختلفا ويتطلب مستلزمات المواجهة والصراع بعدا اخر. اذا كانت من قبل توجه ندائها الوحيدة بالضد من امريكا كقطب امبريالي ومتهور ومسبب لكل ما يحدث في العالم، سوف يظهر امام أعينيها القطب الجديد لا يختلف وحشية عن امريكا في صراعاتها ودمارها، وبهذا يتطلب تكتيكا واستراتيجية جديدة للطبقة العاملة بالضد من الرأسمال. والجدير بالذكر هنا ان نشير الى أن هذه المرحلة الانتقالية من عالم احادي القطب الى متعدد الاقطاب، سوف تسحب معها الدمار والخراب والمأساة اكثر لفقراء العالم نتيجة محاولات القطب القديم الحفاظ على مكانته بأي ثمن، وكذلك محاولة القطب الجديد وهجومه اكثر على بقايا قوة القطب القديم وتحطيمها واكتساب النجاح اكثر في سياساته وترسيخ مكانته اكثر.

ان الاستنتاجات العملية لهذه التغيرات في القوة وفي الموازنة والمعادلات السياسية والعسكرية، تتطلب دراسة الوضع بدقة وتحليل البيانات لكل القوة الداخلة في هذا الصراع، واستنتاج سياسة واضحة عمالية وماركسية حيالها وخاصة في الشرق الاوسط والعراق والتي هي في بؤرة صراع الاقطاب العالمية، وان فضح ماهية صراع الاقطاب الرجعية العالمية الحالية في الموصل وحلب، هي مهمة الاشتراكيين والوقوف بوجه الحرب والحرب بالوكالة بين هذه الاقطاب وتقوية الحركة المناهضة للحرب عالميا، وتشكيل جبهة عالمية ضد الاسلام السياسي وانقاذ المدنية وابعاد الحرب عن المدن، وتقديم مساعدات انسانية اليهم هي الخطوة المهمة والعملية لتقليل الخسائر الناجمة من هذا الصراع الرجعي.

مقالات