سمير عادل

الزيف والتعمية الاعلامية في حلب والموصل

نعود من جديد لنتحدث عما يحدث في حلب وما يحدث في الموصل، ولكن هذه المرة من زاوية وسائل الاعلام والمسؤولين الغربيين. ان وسائل الاعلام ليست السلطة الرابعة كما يصفونها، في عالم يحتدم فيه صراع بين الدول الامبريالية العالمية والاقليمية لإعادة اقتسام العالم، في عالم يمر بمرحلة انتقالية وبمخاض عسير أكثر ايلاما من العالم الذي نتج بعد الحربين العالميتين، بل هي السلطة الاولى بامتياز.

وهكذا ان تزييف الحقائق ونشر التعمية الاعلامية باحترافية كبيرة هي من شأنها اخفاء الاجندات السياسية، والسياسات الجهنمية التي تحاك من وراء ظهر الشعوب لتضليلها وتحميقها وسوقها كالأغنام الى محرقة حرب المصالح الاقليمية والدولية، وتحت عناوين كما ذكرناه سابقا، الرعب على "ارواح المدنيين" و"حقوق الانسان" و"الديمقراطية" و"الحرب على الارهاب" و"الدفاع عن الشرعية".

في حربي حلب والموصل، تلعب وسائل الاعلام الدول المتورطة في نفخ الروح بالجماعات الاسلامية المنقرضة، كي تتحول الى ديناصورات ارهابية تهدد مصير البشرية لا على صعيد المنطقة فحسب، بل على صعيد العالم اجمعه، دورا منافقا وديماغوجيا في اخفاء الحقائق ومسؤوليتها عن دورها فيما ألت اليه اوضاع المدنيين التي تذرف دموع التماسيح عليها. في مدينة حلب استبدلت وسائل الاعلام على سبيل المثال لا الحصر مثل "بي بي سي" و"سي ان ن" و"فرانس 24" و"الغارديان" و"التايمز" و"سكاي نيوز"، مصير العصابات الاسلامية الارهابية المحاصرة بمصير المدنيين. وجرت التعمية بشكل كامل عن عصابات "النصرة، واستقم كما امرت والجبهة الشامية، وحركة نور الدين الزنكي، واحرار الشام، وجيش فتح...الخ، وعرابهم الارهابي عبد الله المحسيني" وابراز محلهم ارواح المدنيين، لإنقاذ تلك العصابات التي مولت خليجيا ودعمت لوجستيا من قبل تركيا وعسكريا واستخباراتيا من قبل الغرب بقيادة المثلث الامريكي -الفرنسي - البريطاني. وتبلغ السخرية اوسع مدياتها عندما تتباكى الصحف العبرية على المدنيين في حلب في الوقت الذي تسحق الاله العسكرية لدولة اسرائيل الفاشية عشرات المنازل اليومية للفلسطينيين، وتقتل بدم بارد بين الحين والاخر الاطفال والنساء والرجال وكلهم من المدنيين. لقد حولوا المدنيين في لبنان وغزة في ٢٠٠٦ و٢٠٠٨ و٢٠١٢ الى رماد تحت الركام دون ان تحرك لها جفن، واليوم تتباكى على سكان حلب.

وعليه ان منحني دق الطبول بالحرب على الارهاب بدء ينزل في حين بدء يتصاعد منحني العويل والبكاء على المدنيين. بينما تقوم نفس وسائل الاعلام المذكورة بالتعمية عن ما يجري بحق المدنيين في الموصل، لان العدو في الموصل بات لا يحتاجونه، وان هزيمته تستحق التضحيات وان كان على حساب ارواح اكثر من ٥ اضعاف من سكان حلب الشرقية، حسب الامم المتحدة بالتنسيق والتعاون مع تلك الوسائل الاعلام، ولا يأتي اي المدنيين في الموصل على ذكرهم الا كتحصيل حاصل او حدث يحدث في كل يوم، مثل الفيضانات وحوادث القطارات وسقوط الطائرات..الخ.

لقد ملئت صفحات وسائل الاعلام وخط مانشيتاتها على شاشات الفضائيات بجملة اوباما في خطابه الوداع حول سوريا وارضاء لضميره المعدوم، بأن "روسيا وايران وسوريا اياديهم ملطخة بدماء السوريين". ولم يأت اوباما بشيء جديد والكل يعرف ما قاله الذي هو اقرب الى البديهية من الحقيقة. ولكن ما لم يذكر لنا هل ان ايادي المسؤولين في السعودية وقطر وتركيا وبريطانيا وفرنسا نظيفة، وقد اغتسلت بالصابون الحلبي وبوركت بمياه زمزم، عندما حولوا المدنيين في حلب الى رهائن بيد العصابات الاسلامية. او بلغت تلك الايادي من النظافة الى حد تفوقت على ايادي بوتين وخامنئي والاسد ومدت تحت الطاولة لتقديم تركيا والخليج الدعم المالي واللوجستي لداعش. او ان ايادي ادارة اوباما نفسها اكثر طهارة ونظافة وهي تغض الطرف عن تمدد دولة الخلافة الاسلامية لاكثر من عام، عبر الصحراء في سوريا والعراق وتهرب النفط عبر حقول القيارة وحقول تدمر ودير الزور الى تركيا، والطائرات التي تقودها امريكا تحلق وترصد دون ان تحرك ساكنا، حتى دخول روسيا على الخط.

يبدو اننا محظوظين لاننا عاصرنا التطور التكنلوجي والثورة المعلوماتية والا كنا نصف ما يحدث في سوريا "بثورة"، والعصابات الاسلامية بالثوار، في الوقت الذي ريموت كونترول هؤلاء الثوار في الدوحة والرياض وانقرة التي اقل ما يقال عنها، عواصم الاستبداد والرجعية وتحقير الانسان بأمتياز. فالجماعات الاسلامية وعلى طول التاريخ لم ولن تصنع الثورات ولا تشارك فيها بل تنتظر الفرصة لتركبها ولتفريغها من محتواها ولجم جماحها ولوي عنقها الى حد كسرها. انها لا تصنع الثورات بل تعودت ان تغتصبها ووسائل الاعلام الغربية تروج لها وتغض الطرف عنها طالما يتم تزويجها من الثورات، كما بدأت تروج بعض البرلمانات المعادية للنساء في العالم لمشروع قانون بعدم محاسبة المغتصبين طالما يتم تزويجهم من الضحية. الم يحدث هذا في الثورة الايرانية ١٩٧٩ والثورتين المصرية والتونسية في ٢٠١١.

في الموصل يذبح سكانها بصمت وهدوء ودون اي ضجة من وسائل الاعلام الغربية، لان امريكا هي التي تقود حملة الذبح، لان في الموصل لا يوجد ثوار الكونترا مثلما ما موجود في حلب. في الموصل تتحجج القوات العراقية بفشلها بهزيمة داعش بوجود المدنيين، لكن الحقيقة ان القتلى الذين يسقطون هم فقط من المدنيين وبعزيمة طائرات التحالف الدولي.

وبالتناغم والتنسيق بين اوباما وهولاند فها هو الاخير يقلب الدنيا مرتين في مجلس الامن خلال اسبوعين، وتحت عنوان الخوف على المدنيين والمطالبة بنشر المراقبين الدوليين في حلب وتحت عنوان الاشراف على اجلاء المدنيين. ولكن فرنسا لم تدعو الى جلسة طارئة لإنقاذ المدنيين في الموصل، لان ليس في صفوفهم قادة الجماعات الارهابية الاسلامية الموالية لفرنسا وحلفائها كي تخاف على سلامتهم. وتطبل وسائل الاعلام الفرنسية والغربية على مساعي هولاند الانسانية، وهو الذي فتح حدود فرنسا للمتطوعين الشباب لالتحاق بداعش حتى دفع الابرياء في باريس ونيس ثمن حماقات سياسة حكومة هولاند.

لم تصل مصداقية وسائل الاعلام الغربية الى هذا المنحدر ملثما نشاهده اليوم في حلب والموصل، ولكن التي اوصلتها الى هذا الدرك السفلي هو نفس الثورة المعلوماتية التي قامت بها البرجوازية لحاجتها لها. ومهمتنا نحن الشيوعيين ان نستفيد من هذه الوسائل بشكل ناجع للتشديد دعايتنا وتحريضنا، لفضح ماهية السياسيات الجهنمية للغرب عبر وسائل اعلامها المأجورة. ان انقاذ المدنيين في الموصل هو من خلال فضح ما يجري في ساحة المعركة والتعمية الاعلامية التي تقوم بها وسائل الاعلام الغربية بالدرجة الاولى

مقالات