سمير عادل

المافيا تحكم العراق

مع انتهاء عام ٢٠١٦، كنا نعد لكتابة مقال عن الامنيات والتمنيات ونحن على عتبة استقبال العام الجديد، وكنا نحاول ان نرسم مستقبل مشرق عن "العراق الجديد" الذي يتهمنا البعض من اننا لا نرى سوى نصف الكأس الفارغ في "العراق الجديد". ولكن خبر اختطاف الكاتبة "افراح شوقي" يثبت صحة ما نذهب اليه، وهو اننا كنا ننظر دائما الى النصف المليء بالكأس وبعكس ما يتهمونا نقادنا فلم نجد فيه غير القاذورات والبكتريا والديدان.

كتب الكثير عن اختطاف "افراح شوقي"، الا اننا سنتناول الموضوع من زاوية اخرى لان اختطافها بالطريقة التي تناولتها وسائل الاعلام هي اكبر واعمق من محاولة لقمع حرية التعبير. لا يجد المرء في مقال الكاتبة "افراح شوقي" "استهتار السلاح في الحرم المدرسي" سوى انه مقال نقدي عادي ونشر على الانترنيت في الوقت الذي تسطر يوميا عشرات المقالات اشد نقدا من المقال المذكور وتنشر عدد منها في صحف ذات طبعات ورقية وتوزع في انحاء العراق، واصحابها معروفين واماكن عيشهم وسكنهم معروف ايضا للمليشيات والعصابات المرتبطة بها، ولم يحدث لكتابها مثلما حدث لافراح شوقي.

ان اختطاف "افراح شوقي" عبر قدوم قوة عسكرية كبيرة، لشخص لا يحمل سلاح ولا ينتمي الى داعش قد يجدونه مفخخا ويفجر نفسه، او ينتمي الى مليشيا الصدر او بدر او عصائب اهل الحق او ابو الفضل العباس او حركة النجباء، قد حول بيته الى ترسانة عسكرية ويقاوم اي قوة تريد اعتقاله او مداهمة بيته، هو قبل كل شيء استعراض عسكري وامني لترهيب المعارضين والمخالفين لحكومة وسلطة الميليشيا الحاكمة في بغداد.

لقد اختطفت شوقي لأنها امرأة ولأنها لا تنتمي الى جهة سياسية. فكونها امرأة، فأكثر ما يعذب القوى الاسلامية بسنييها وشيعييها هو ارتفاع صوت المرأة، فما بالك إذا كان صوت احتجاجي. والقوى الاسلامية وخاصة الحاكمة اليوم في بغداد تعتبر قمع المرأة ودفعها الى البيت جزء من هويتها السياسية والاجتماعية. وهي تدرك اي القوى الاسلامية ان المرأة هي اكثر الاطراف في المجتمع عداء لها وان اية ثورة قادمة ضدها تكون المرأة احدى القوى الرئيسية الثورية المشاركة فيها. اما انها لا تنتمي الى جهة سياسية فكي يسدل الستار عن اختطافها بشكل سريع وليس هناك طرف يطالب بحقها في الحياة. ان مقالها ليس اكثر من ذريعة لاختطافها. فهي لم تكشف عن ملفات جرائم الفساد الكبرى، ولم تمس الذات الالهية. اي بلغة اخرى انها لم تتطرق او تتهجم على المقدسين في المرجعية، او تشتم احد المباركين والمنزهين من قادة ميليشيا الحشد الشعبي مثل العامري والمهندس والخزعلي والفياض. ان اختطاف شوقي يعني ان هناك دولة مافيا تحكم العراق وتتكون من عصابات الفساد والمليشيات التي تديرها احزاب الاسلام السياسي الشيعي. وعندما تحكم المافيا يعني لا اكتراث الى رسائل الادانات الدولية، لانها لا تراع القواعد والاصول السياسية. وهي لا تكترث لكل انواع الشجب ولن تتورع في ارتكاب المزيد. انها تعمل خارج السياقات الاخلاقية والسياسية.

وعندما تغييب اجهزة الدولة القمعية في بث الهيبة والاعتبار لكبار الموظفين البيروقراطيين مثل رئيس الجمهورية والرئاسات الثلاثة، وعندما يلاحق نائب رئيس الجمهورية والرئيس السابق للوزراء نوري المالكي، وتفض اجتماعاته وندواته الجماهيرية بالعصي والشعارات والهتافات المعادية والكلمات النابية، وعندما تهاجم بناية البرلمان والعبث بأثاثها ويحاصر اعضائه، وعندما يقتحم مكتب رئيس الوزراء من قبل متظاهرين اضناهم الفساد والسرقة والجوع، فلا بد لتحريك عصابات المافيا لإعادة الهيبة الى السلطة وافرادها. ان افراح شوقي لم تكن اكثرمن عاثرة الحظ، ووقع الاختيار عليها للانتقام لرموز سلطة الاسلام السياسي الشيعي.

ان اختطاف شوقي أكبر وأعمق من قمع حرية التعبير مثلما اشرنا، انها محاولة من قبل مافيا سلطة الاسلام السياسي الشيعي لإعادة الهيبة والاعتبار لرموز وشخصيات الاسلام الشيعي، بنفس القدر هوجس نبض الجماهير والمجتمع ورد فعلهما.

العبادي وعبر مؤتمر صحفي قبل ايام، قال، في العراق هناك حرية التعبير ولا يجد اي عذر للمعارضة السياسية ان تبقى في الخارج، ولكن كما هو معروف وواضح ان العبادي هو عضو قيادي في اكبر حزب فاسد، وحزب ميلشياتي، وما زالت حكومته تعمل وفق المادة ٤ ارهاب وتزج بالمئات ان لم نقل آلاف الابرياء في المعتقلات، وما زالت تمارس التعذيب، وما زالت تغض النظر عن كل جرائم التطهير الطائفي لميليشيات الحشد الشعبي في الصقلاوية والفلوجة وتكريت وديالى. الخ. اي ما نريد ان نقوله ان العبادي وحكومته المسؤول الاول عن اختطاف افراح شوقي، وان الحكومة التي لا تستطيع ان تحمي مواطنيها عليها ان ترحل فورا.

وعليه، يجب ان تتحمل حكومة العبادي المسؤولية الكاملة عن اختطاف افراح شوقي، ويجب ان لا يقبل اي تبرير بأنها اي حكومة العبادي بريئة وهناك محاولات لاحراجها او افشالها من قبل عصابات المالكي وغيره، يجب الضغط على المنظمات والاطراف الدولية للضغط على حكومة العبادي للإيعازالى عصابات المافيا التي تعرفها جيدا بأطلاق سراح افراح شوقي فورا، واعلان اسماء الجهات التي تقف وراء اختطاف شوقي من قبل الحكومة، وتقديمها الى المحاكمة العلنية. ويجب ان لا نقف عند هذا الحدود بل تعبئة المجتمع برمته للمطالبة بحل كل اشكال المليشيات، والغاء المادة ٤ ارهاب التي بموجبها وتحت يافطتها يختطف عشرات المواطنين. ان حراب الاحتجاجات العظيمة في ساحة التحرير وكل ساحات الحرية في مدن العراق يجب ان توجه نصال نضالها ضد حكومة العبادي وليس ضد ميليشيات ومافيا مجهولة الهوية، والعبادي يقف في شرفة مكتبه ليمن علينا ويتحفنا بأقواله بأنه متعاطف مع افراح شوقي ويحترم التظاهرات وحرية التعبير وسيشكل لجنة تحقيقية للكشف عن ملابسات الحادث. ومن يعتقد ان حكومة العبادي غير مسؤولة او لا تعرف شيئا عن اختطاف افراح شوقي، فهو قرر بمحض ارادته مع سبق الاصرار والترصد ان يحكم التاريخ عليه بالحماقة المزمنة.

مقالات