توما حميد

انتخاب دونالد ترامب، الامنیات والحقائق! الجزء الاول

لقد تم انتخاب دونالد ترامب كرئیس للولایات المتحدة المقبل رغم كل محاولات المؤسسة الرسمیة والاعلام لمنع حدوث ھذا الامر. لقد فاز بعد حصوله على 25 %من اصوات الناخبین المسجلین في الانتخابات، اذ ان حوالي نصف ممن كان لهم حق التصويت امتنعوا أصلا عن التصويت. یقال الكثیر عن سبب فوز ترامب بالرئاسة الا ان السبب الاساسي ھو استیاء الطبقة العاملة من النظام الاقتصادي. اي بعكس بعض التحلیلات فان انتخاب دولاند ترامب جاء لاسباب اقتصادیة واغلب الاحصاءات اكدت ان الغالبیة العظمى ممن صوتوا لصالح ترامب ذكروا الوضع الاقتصادي كدافع وراء تصویتھم له. نعم، ھناك من صوت لصالح ترامب لاسباب ایدولوجیة بحتة و لتعصبه و لمواقفه الرجعیة والمحافظة بخصوص بعض المسائل الاجتماعیة وتصریحاته العنصریة، والبعض صوت لصالحه كرھا بھیلاري كلینتون ولكن الغالبیة العظمى ممن صوت له یریدون تغیر الوضع الاقتصادي الحالي. انھم یصوتون له كما قال الكثیرون لیس بسبب تعصبه وعنصریته وكررھة للنساء بل بالرغم منھا املا بانه قد یفي بوعده في تغییر الوضع القائم.

الطبقة العاملة الامریكیة تبحث عن اي شیئ یعطیھا ادنى امل بان الوضع الحالي سوف یتغیر للاحسن حتى ولو كان من یدعو الى التغییرھو شخصا مثل ترامب. ھناك غضب كبیر بین اوساط الطبقة العاملة تجاة النظام الاقتصادي الذي یعمل لصالح قلة غنیة ویھمل بقیة المجتمع وخاصة بین اوساط الرجال البیض ذوي مایسمى بالیاقات الزرقاء.فبالنسبة للطبقة العاملة الامور لایمكن ان تستمر بالشكل الحالي. انتخاب ھلاري كلینتون كان یعني الحفاظ على الوضع الحالي وادامة السیاسات النیولیبرالیة.

ان الفكرة السائدة في امریكا كانت ولاتزال ان كل شخص یعمل ویجتھد یجب ان یكون بامكانه من تحسین وضعه وكل جیل یجب ان یكون في وضع اقتصادي افضل من الجیل الذي سبقه-" الحلم الامریكي". لقد كان ھذا صحیحا لحد السبعینیات من القرن الماضي حیث كانت الاجور تزداد بشكل مستمر لمدة مایقارب 150 سنة. ولكن عندما توقفت الاجور عن الزیادة لاسباب ناقشناھا في مكان اخر، قامت الطبقة العاملة بالاقتراض من اجل ادامة نمط حیاتھا ومن اجل ضمان التعلیم لاطفالھا ألخ. ولكن للاقتراض حدود وقد بلغت الطبقة العاملة حد لایمكنھا اقتراض المزید فانفجرت الازمة الاقتصادیة لسنة 2007 والتي لاتزال مستمرة بالنسبة للطبقة العاملة حیث ان الانتعاش الاقتصادي الذي نسمع عنه في الواقع لایشمل الطبقة العاملة بل یقتصر على الاغنیاء فقط.

لقد خلق ضیاع "الحلم الامریكي" جیل مصدوم وغاضب وخاصة بین الرجال البیض ممن لایزال یأمن بان ضمان دخل العائلة ھي وظیفة الرجل. ابناء ھذا الجیل احیانا لیس بامكانھم الزواج او انجاب الاطفال او ضمان معيشة لائقة لعوائلھم والتعلیم لاطفالھم الخ. ھذا الجیل المستاء من الطریقة التي تعالج بھا مشاكل المجتمع الاقتصادیة والسیاسیة والخیارات المتوفرة في الانتخابات وكل المسرحیات السیاسة التي تجري على مستوى المدن والمقاطعات وعلى المستوى الفیدرالي یتطلع الى التغییر. ترامب مثله مثل اوباما اعطي امل في احداث تغیر.

الجماھیر في امریكا تبحث عن اي شیئ مختلف عن المؤسسة الرسمیة الحاكمة وھي صوتت لترامب لانه بدا مختلفا لانه لم یخدم كسیاسي ولایتكلم كسیاسي. لقد سخر من كل شیئ دافع عنه الحزبان الاساسیان مثل العولمة واتفاقیات التجارة الحرة. من جھة اخرى، لقد وعد بخلق وحمایة الوظائف عن طریق جذب الاستثمارات الى امریكا والاستثمار في مشاریع البنیة التحتیة وفرض تعریفة كمركیة على البضائع المصنعة في بعض البلدان التي تعتبر اكبر شركاء امریكا مثل الصین والمكسیك. لقد وعد بخفض الضرائب على الجمیع، كما ھاجم الھجرة متوعدا بان یعطي الوظائف الى الامریكین بدلا من الاجانب، ووعد بانه سوف یقوم بالاطاحة بالمؤسسة الرسمیة التي یمثلھا الحزبان الجمھوري والدیمقراطي وتجفیف "المستنقع في واشنطن". باختصار،ادعى ھذا الملیادیر بانه یفھم مشاكل الجماھیر الفقیرة ووعد بانھ سوف یقوم بالكثیر مما یرید الانسان العادي سماعه. جزء من الطبقة العاملة الامریكیة اقتنعت بوعود ترامب وعلقت الامال على ھذا الملیاردیر وھذا دلیل على الوضع البائس الذي تعیشه ھذه الطبقة.

بغض النظر عن كل ماقیل عن ترامب وبغض النظر عما اذ كان سینجح في تحقیق السیاسات التي طرحھا اثناء الحملة الانتخابیة وكل التناقضات التي تواجه تطبیقھا، وبغض النظر فیما اذا كانت ستحقق الاھداف المعلنة الا انه یجب التاكید على شیئ واحد وھو ان ترامب قد فھم مازق الانسان العادي في امریكا وقد طرح مجموعة من السیاسات الاقتصادیة الواضحة والمختلفة عما كان یطرح من قبل الحزبین الاساسیین. خطة ترامب الاقتصادیة كانت اكثر وضوحا من خطة اي مرشح اخر. رغم معاداة المؤسسة الرسمیة والاعلام له ورغم تعرضه الى الاستھزاء والسخریة ورغم تصریحاته الغریبة التي لفتت الانظار عن حملته، لقد تمكن ترامب من كنس كل المرشحین الجمھوریین ومن ثم الفوز بالانتخابات لانه طرح برنامج مؤلف من مجموعة من السیاسات التي كلھا تصب في اتجاه خلق المزید من الوظائف في امریكا.

رئیس بعد اخر وعد بتغییر الاوضاع دون ان یطرأ على وضع الطبقة العاملة اي تغییر. فھل سیكون بامكان ترامب من انجاز ما اخفق بقیة الرؤساء عن انجازه؟ بنظري ان اختلال الرأسمالیة كنظام اقتصادي وصل الى درجة من الشمولیة والعمق بحیث لایمكن تجاوزھا من خلال ترقیعات بسیطة في دولة واحدة. سوف لن تحسن سیاسات ترامب وضع الطبقة العاملة لسبب بسیط وھو انھا لاتعالج المشاكل الاساسیة للاقتصاد الرأسمالي. في الحقیقیة لم یتم خلال كل الحملة الانتخابیة التي استمرت لاكثر من 18 شھر حتى الاشارة الى تلك المشاكل. كما ان سیاساته ملیئة بالتناقضات التي تجعل فرصة نجاحھا ضئیلة جدا. قبل ان ندخل في تفاصیل السیاسات التي اقترحھا یجب الاشارة الى معضلات النظام الاقتصادي الرأسمالي المعاصر.

المشاكل الاساسیة التي تواجة الاقتصاد الرأسمالي الامریكي والعالمي ھي 1 - ضعف الاستثمار وبالتالي ضعف النمو الاقتصادي بسبب ضعف معدل الربح. 2 -عدم زیادة حصة الطبقة العاملة من الانتاج رغم نمو القوة الانتاجیة مما یؤدي الى نمو الفجوة بین الفقراء والاغنیاء الى مستویات غیر مسبوقة الا في فترة قصیرة قبل الكساد الكبیر الذي بدأ في 1929 وھذا الامر یؤدي الى ضعف الطلب على البضائع والخدمات 3-ومع مرور الوقت تصبح المخاطر البیئیة التي تواجة الكرة الارضیة والبشریة والتي لھا تاثیرات اقتصادیة ھائلة من المشاكل الاساسیة التي تواجه النظام الرأسمالي. من اجل ان یكون النظام الرأسمالي في وضع طبیعي غیر متأزم یجب ان ینمو بمعدل 3 %بالمئة في السنة وھذا یعني بان اكثر من 2.5 ترلیون یجب ان تستثمر بشكل مربح في السنة الواحدة على مستوى العالم و ھذا یتناقض مع المحدودیات التي تفرضھا طبیعة الكرة الارضیة. في مواجھة ھذه المشاكل البنیویة، تعتبر سیاسات ترامب حلول سطحیة ووقتیة ربما ستفاقم المشكلة على المدى الطویل.

یتفق معظم الماركسیون بان بدون رفع معدل الربح وتقلیص الفجوة بین الفقراء والاغنیاء او على الاقل زیادة حصة الطبقة العاملة من الانتاج و تحسین القوة الشرائیة للطبقة العاملة تبقى السیاسات المقترحة ترقیعات وقتیة لاغیر.

ان السبب الاساسي في كل مشاكل الاقتصاد الرأسمالي ھو ضعف الاستثمار على المستوى العالمي نتیجة ضعف معدل الربح. ان الدافع الاساسي الرأسمالي للاستثمار ھو معدل الربح الذي یحققه، اي معدل العائد على الرأسمال المستثمر. كما وضح ماركس، على المدى البعید یمیل معدل الربح في الاقتصاد الرأسمالي الى الانخفاض. ھذا لایعني بان معدل الربح لایمكن ان یكون عالیا في قطاعات معینة او حتى في دول معینة ولكن ھنا نتدحث عن كل الرأسمال الاجتماعي.

لست ھنا بصدد الدخول في كل تفاصیل قانون میل معدل ربح كل الرأسمال الاجتماعي الى الانخفاض فھذا ھو بحث اخر. ولكن بشكل سریع لقد دفع ماركس بفرضیتین الاولى ھي ان مصدر ربح الرأسمالي ھو استغلال العمل الحي-العمال. ان درجة استغلال العامل ھي التي تحدد معدل ربح الرأسمالي. والفرضیة الثانیة التي دفع بھا ماركس ھي ان الرأسمالي لایستثمر في العمل الحي فقط بل ایضا في العمل المیت اي في الرأسمال الثابت- الاجھزة والمكائن والكومبیوترات والمواد الاولیة. الرأسمالي الذي ینتج المكائن والالات والمواد الاولیة یحصل على ربح من بیعھا ولكن الرأسمالي الذي یستثمر فیھا من اجل انتاج بضائع وخدمات اخرى لایحقق ربح او خسارة بل ان قیمتھا ببساطة تنتقل الى البضاعة النھائیة، اي ان الرأسمالي یحاول استرجاع قیمتھا عن طریق اضافتھا الى سعر البضاعة النھائیة التي ینتجھا. یقول ماركس مع مرور الزمن تزداد نسبة الرأسمال المستثمر في العمل المیت اي المكائن والالات والروبوتات الى الرأسمال المستثمر في العمل الحي- الایدي العاملة . و الاستثمار في الرأسمال الثابت بالنسبة للرأسمالي كفرد ھو لیس خیار بل ان المنافسة تجبر الرأسمالي على الاستثمار في الرأسمال الثابت من اجل رفع الانتاجیة وضمان القدرة على المنافسة مع المنتجین الاخرین ولكن نفس ھذه العملیة تقلل معدل الربح على المدى الطویل لان الربح كما قلنا یمكن تحقیقیھ من خلال استغلال العمال فقط.

كان معدل الربح في بدایة فترة مابعد الحرب العالمیة الثانیة 18.5 %ولكن ھذا المعدل انخفض بشكل مستمر لكي یصل الى ادنى

مستوى له في عام 1986 وھو 3.7 %. اي ان معدل الربح انخفض بین 1947 و1986 بمعدل 80%. وكان ھذا الانخفاض حادا في الفترة الممتدة بین اواسط الستینیات واواسط السبعینیات من القرن العشرین وھي الفترة التي شھدت استثمارا كبیرا في الراسمال الثابت اي المكائن والالات والكومبیوتر الخ.بالاضافة الى میل معدل ربح كل الرأسمال الاجتماعي على المستوى العالمي الى الانخفاص فان معدل الربح في الدول الصناعیة بمافیھا الولایات المتحدة انخفض بشكل حاد عندما بدات العولمة الرأسمالیة تاخذ ابعادا كبیرة في نھایة الستینیات وبدایة السبعینیات من القرن العشرین لانه توجب على ھذا الرأسمال منافسة البضائع الرخصیة التي انتجت في الدول التي فیھا الایدي العاملة رخیصة.

و یجدر الاشارة بان اغلب الدول الرأسمالیة المتقدمة دمرت اقتصادیاتھا بسبب الحرب الكونیة الثانیة عدا الولایات المتحدة التي لم تكن اراضیھا مسرحا للحرب. بینما كان ھذا العامل في مصلحة الاقتصاد الامریكي الا انه من جھة اخرى كان سببا في میل معدل الربح في الولایات المتحدة بالذات الى الانخفاض، اذ كان على الرأسمال المستثمر في امریكا منافسة البضائع الرخیصة نسبیا التي انتجت في البلدان الاخرى التي برزت في فترات مختلفة بسبب الایدي العاملة الرخیصة بالمقارنة مع امریكا واحیانا بسبب التقنیات الحدیثة التي تفوقت على التقنیة الامریكیة في مجالات معینة كما في المانیا والیابان واخیرا الصین وبقیة الدول التي ینتقل الیھا الرأسمال بشكل كبیر منذ نھایة الستینیات من القرن الماضي.

انخفاض معدل الربح یعني انخفاض الرأسمال المتوفر للاستثمارو بالتالي ھذا یعني انخفاض الطلب على الكثیر من البضائع التي یحتاج الیھا الرأسمال المستثمر من الات واراضي وبنایات ومواد اولیة ألخ. ولمواجھة تاثیر قانون میل معدل الربح نحو الانخفاض یقوم الرأسمالیون في الدول الصناعیة ومنھا امریكا بمھاجمة حصة الطبقة العاملة من الربح ولھذا فان الاجور الحقیقیة في امریكا مثلا بقت على حالھا منذ نھایة الستینیات من القرن العشرین. عدم نمو الاجور یعني انخفاض الطلب على السلع الاستھلاكیة وان كان ھذا الانخفاض قد تاخر حوالي 20-30 سنة من خلال تشجیع الافراد على الاقتراض. وبما ان الدولة تخدم حاجات الطبقة الرأسمالیة فانھا تقوم بخفض الانفاق على البرامج الاجتماعیة مما یخلق وضع من التقشف المستمر وبالتالي المزید من انخفاض في الطلب على البضائع والخدمات.وانخفاض الطلب على البضائع و الخدمات من قبل الافراد ومن قبل الدولة یؤدي الى المزید من انخفاض في معدل الربح.

 

في الوضع الاعتیادي عندما ینخفض معدل الاستثمار وینخفض الطلب على البضائع الاستھلاكیة وینخفض الطلب الاتي من انفاق الدولة على البرامج الاجتماعیة، اي عندما ینخفض مایسمى بالطلب الكلي یدخل الاقتصاد الرأسمالي في ازمة اقتصادیة. فحسب ماركس ان انخفاض معدل الربح یؤدي الى الازمة والتي تستعید معدل اعلى للربح على الرأسمال المستثمر.

فاستعادة معدل عالي للربح یتطلب تشدید الاستغلال على الطبقة العاملة و تدمیر جزء من الراسمال، اي تنظیف الاقتصاد من المشاریع غیر المربحة. ففي الازمة یتم تسریح الاف او ملایین العمال وقسم كبیر من الرأسمال یتم تدمیره .اذ لاتجد الآلات والمباني من یستعملھا فتتصدأ وتتدھور مع الوقت، وبالتالي یتم تدمیر رأس مال مادي. وفي نفس الوقت المشاریع الاقتصادیة التي تعلن الافلاس اثناء الركود لاتدفع دیونھا، فتھبط أسعار الأصول، لذا فیتم تدمیر قیمة اصول مالیة ایضا. عندما تعلن الكثیر من الشركات والاستثمارات الافلاس تقوم بطرح كمیة كبیرة من الالات ووسائل الانتاج في السوق باسعار لاتمثل الا جزء صغیر من اسعارھا الحیقیة. فھذا الوضع یمكن الرأسمالي الذي ینجو من الازمة من تشدید استغلال العمال حیث تكون الطبقة العاملة قد فقدت الكثیر من مكاسبھا ومستعدة على القبول باجور وشروط عمل اسوا وایضا الاستیلاء على رسامیل ووسائل الانتاج بجزء یسیر من اقیامھا الحقیقیة. ھذه العملیة تؤدي الى زیادة معدل الربح الى ان تبدا الدورة من جدید.

دخل الاقتصاد الرأسمالي في ازمة منذ السبعینیات من القرن العشرین ولكن ماشھادناه ھو عدد من الازمات الاقتصادیة الخفیفة نسبیا ولكن لم نشھد ازمة اقتصادیة على طراز الكساد الكبیر او ازمة 2008 لاكثر من ثلاثة عقود.مما یعني انه تم تدمیر قسم من الراسمال ولكن لیس بدرجة تكفل بتنظیف الاقتصاد من الرسامیل غیر المربحة. تدمیر الرأس المال ھو الآلیة الرئیسیة التي تؤدي الى الازدھار الذي یلي الركود. اذ ان الطبقة الحاكمة المذعورة من احتمال حدوث ازمة بعمق الكساد الكبیرقامت بكل ما بوسعھا لتخفیف من شدة الازمات الاقتصادیة. فمنذ 1982 بقى معدل الربح یتذبذب بشكل بسیط ولكن لم یحدث انخفاض حاد في معدل الربح او استعادة معدل عالي للربح كما حدث بعد الكساد الكبیر. في ھذه الفترة بدات الدولة تتدخل من اجل انقاذ المشاریع والشركات غیر المربحة حیث اصبحت الوحدات الاقتصادیة الرأسمالیة بدرجة من الضخامة بحیث افلاس اي من تلك الشركات العملاقة قد یعرض كل الاقتصاد الرأسمالي الى الخطر لذا فان شبه الافلاس یفزع كل الطبقة الحاكمة وھنا برز مفھوم "اكبر من ان تفشل". ان تدخل الدولة لصالح الرأسمال و في انقاذ الشركات غیر المربحة قد یكون على شكل دعم البضائع او قیام الدولة بشراء البضائع مثل اعتماد الدولة على السیارات التي تنتج من قبل شركة معینة مثلا ولكن الاھم ھو عن طریق خفض نسبة الفائدة الى مستویات غیر مسبوقة مما یمكن الشركات من استخدام الدین من اجل ادامة نشاطھا.

مع الازمة الاقتصادیة التي بدأت في السبعینیات من القرن العشرین كان واضحا للطبقة الحاكمة بان السیاسات الكنزیة التي تتمثل بتشجیع الطلب عن طریق زیادة الانفاق الحكومي لم تعد لوحدھا فعالة حیث ان معدل الربح كان في انخفاض في ظل تلك السیاسات وكانت الطبقة الرأسمالیة قد جربتھا في بلد بعد اخر كما جربت الدعم الحكومي للانتاج المحلي بوجة المنافسة الشرسة على مستوى العالم ولكنھا فشلت في ان تحل مشكلة میل معدل الربح الى الانخفاض وضعف النمو.

لذا دشنت السیاسات النیولیبرالیة التي تمثلت بالھجمة على حصة الطبقة العاملة من الربح المتمثلة بالاجور والخدمات الاجتماعیة والتراكم عن طریق نزع الملكیة التي تمثلت بالخصخصة والاستیلاء على الملكیة العامة وفرض الاسعار الاحتكاریة وغیرھا و التي تحدثنا عنھا بتفصیل اكبر في بحث (الامبریالیة من وجھ نظر الطبقة العاملة). في الولایات المتحدة بالذات تم تعزیز مستوى الربح الذي یمیل الى الانخفاض من خلال خفض الاجور الحقیقیة لمعظم العمال والاجراءات التقشفیة الاخرى اكثر من معظم البلدان الغربیة الاخرى بسبب ضعف الطبقة العاملة وغیاب التنظیم.

ومن جھة اخرى قامت الدولة منذ الثمانینیات من القرن العشرین بخفض الضرائب بشكل ھائل على الاغنیاء وازالة القوانین والضوابط التي تنظم عمل الرأسمال.ان خفض الضریبة على الشركات في الولایات المتحدة قد عزز من معدل الربح بعد خصم الضرئب من الدخل بالمقارنة مع الربح قبل خصم الضرائب ولكن ھذه الزیادة في الربح كانت على حساب زیادة في دیون الحكومة. اكثر من 8.3 %من الزیادة في دیون الخزانة الامریكیة التي بلغت 6.8 ترلیون في الفترة بین 1986 الى 2007 تعزى الى خفض الضرائب على الشركات المتعددة الجنسیات. كل الزیادة الباقیة في دیون الدولة استخدم لتغطیة الدخل الذي تحرم منه الدولة نتیجة خفض الضریبة على الافراد الذي یستفاد منھ الاغنیاء بشك اكبر وھذا الخفض في ضریبة الافراد یستخدم في زیادة الصرف الاستھلاكي وزیادة اسعار الاصول بشكل مصطنع

من جھة ان انخفاض الاجور الحقیقیة قد تم التخفیف من اثاره من خلال توفیر الائتمان بشروط متساھلة وارتفاع أسعار المنازل والأسھم، الناجمة عن سیاسات الاحتیاطي الفیدرالي. اذ انتھج الاحتیاطي الفیدرالي استراتیجیة " المال الرخیص، الائتمان السھل" من أجل دعم الاقتصاد في أعقاب انھیار الدوت كوم، 09/11 ،والركود في عام 2001.

وقد سمح ھذا الامر للمستھلكین وأصحاب المنازل من اقتراض الكثیر وادخار القلیل. بینما قام الامریكیون بادخار 10 %من دخلھم بعد الضرائب في منتصف الثمانینیات فان معدل الادخار ھبط بشكل مستمر لیصل القاع بمعدل 6.0 %في الفترة بین 2005 -2007 .لقد ازداد الاقتراض على شكل رھون عقاریة على البیوت كنسبة مئویة من الدخل بعد خصم الضرائب اكثر من ضعفین في الفترة بین 2000-2005 ،وھي مستویات لم نشاھدھا من قبل. وقد ادى ھذا الى ارتفاع جنوني في اسعار البیوت. فاسعار البیوت ھي الاخرى تضاعفت في الفترة بین بدایة 2000 ونھایة 2005 .ولكن الزیادة في اسعار البیوت كان اكبر بكثیر من النمو في القمیة الجدیدة التي تخلق من خلال عملیة الانتاج والتي ھي في المطاف الاخیر مصدر كل انواع الدخل بما فیه اجور ورواتب اصحاب البیوت و من خلالھا فقط یمكن ضمان اعادة دفع القروض بما فیھا القروض العقاریة في الامد الطویل. وهذا هو السبب وراء كون الزيادة الجنونية في اسعار العقارات فقاعة اقتصادية..

من جھة اخرى ان بقاء معدل الربح في القطاع الانتاجي واطئا وانخاض مستوى الفائدة على القروض قد شجع الرأسمالیین على القیام باستثمارات خطرة جدا والمضاربات عادة في القطاع المالي والتي تعطي ثمارا على المدى القصیر وادت الى زیادة في حجم القطاع المالي الى مدیات ھائلة غیر مسبوقة و الى زیادة في اسعار الاصول دون ان یكون ھذه الزیادة مدعومة بالدخل فیؤدي الى فقاعات اقتصادیة تنفجر بعد فترة مثل فقاعة دوت كوم والفقاعات في قطاع العقارات في بلد بعد اخر وفي اسعار المواد الخامة مثل المعادن وغیرھا. ان ھذه الفقاعات استندت على نمو كبیر في حجم المدیونیة

كما ان انخفاض مردود الدولة نتیجة خفض الضرائب اجبر الحكومة على الاقتراض من اجل تقدیم الخدمات الاجتماعیة وبناء المشاریع التحتیة. . لذا فان الفتور الاقتصادي قد تم تغطیته من خلال تلال من الدیون على مستوى الافراد والشركات والحكومة. فمنذ الازمة التي حلت في منتصف السبعینیات كانت ھناك فترات متعددة من النمو الاقتصادي التي كانت كلھا مستندة على توسع الدین ولھذا فانھا كانت قصیرة الامد وغیر قابلة للاستدامة. ان الزیادة في الدیون قد ادت الى ازمات متكررة، مثل ازمة دیون العالم الثالث في بدایة الثمانینیات، ازمة المدخرات والقروض في بدایة التسعینیات، ازمة شرق اسیا التي امتدت الى روسیا وأمریكا اللاتینیة في نھایة التسعینیات من القرن العشرین، وانھیار الدوت كوم لسوق الأسھم بعد ذلك بوقت قصیر، و ازمة القروض العقاریة في الولایات المتحدة التي أدت إلى الأزمة الاقتصادیة الأكثر حدة منذ الكساد العظیم.

على المدى الطویل لایمكن استخدام الدین لتحقیق نمو اقتصادي بشكل اسرع من النمو في مقدار القیمة الجدیدة التي تولد في عملیة الانتاج. ان الجھود للقیام بخلق نمو من خلال الدین تؤدي الى فقاعات وھذه الفقاعات في النھایة تنفجر.

ھذا یعني بان البرجوازیة حاولت منع حدوث ازمات عمیقة و تدمیر الرأسمال على شكل واسع وھذا قد ساعد على احتواء الازمة الى حد ما ولكن في نفس الوقت قد اطال من امدھا. وكنتیجة لھذا فان الاقتصاد لم یتعافى ابدا بشكل تام من الركود الذي بدا في السبعینیات من القرن العشرین بالشكل الذي حدث بعد الكساد الكبیر.

بحلول 2007-2008 لم تعد كل الجھود التي بذلت من اجل منع الازمة كافیة و فرضت مشكلة انخفاض معدل الربح نفسھا على الوضع الاقتصادي وحلت الازمة الاقتصادیة التي ھي ثاني اكبر ازمة اقتصادیة في اخر قرن. لقد قامت الطبقة الحاكمة بعدة اجراءات من اجل مواجھة الازمة منھا قیام الدولة بانقاذ القطاع المالي مما ادى الى نمو ھائل في الدین العام وخفض نسبة الفائدة اكثر فاكثر وتشدید التقشف اي شن ھجمة على الطبقة العاملة بما فیھ الاجور والخدمات الاجتماعیة . ولكن حتى ازمة 2007-2008 لم تؤدي الى التخلص من الرأسمال غیر المربح اضافة الى انھا ادت الى نمو ھائل في حجم الدین الذي یشد الاقتصاد الى الخلف. الامر الوحید التي تمكنت الطبقة الحاكمة من تحقیقه الذي یخدم معدل الربح ھو تقلیص حصة الطبقة العاملة من الربح ولكن ھذا لیس كافیا لاستعادة معدل عالي من الربح. في الحقیقة ان قدرة البرجوازیة على منع ارتفاع الاجورلعدة عقود ھو عامل اخر یشد الاقتصاد الى الخلف بسبب ضعف القوة الشرائیة وضعف الطلب على البضائع والخدمات. ان تقلیص حصة الطبقة العاملة من الربح یساھم في تحقیق معدل عالي من الربح عندما یكون على شكل فترات قصیرة بعد كل ازمة اقتصادیة التي عادة ماتحدث كل 3 -7 سنوات ولكن عندما یحدث بعد عقود من ركود الاجور يصبح عاملا یشد الاقتصاد الى الخلف ویمنع الانتعاش. ان الوفرة في الایدي العاملة بمایفوق حاجة الرأسمال في الولایات المتحدة الناتجة عن العولمة ومكننة الاقتصاد قد ساعدت البرجوازیة على منع الاجور من النمو في اخر اربعة عقود.

ان 30 سنة من السیاسات النیولیبرالیة ادت الى ان تصبح الفجوة في توزیع الدخل بین الاغنیاء والفقراء ھي في الوقت الحاضر كما قلنا الاعلى في تاریخ الرأسمالیة عدا فترة قصیرة قبل الكساد الكبیر الذي ضرب الاقتصاد الرأسمالي والذي امتد بین 1929 الى 1941 .فمنذ الثمانینیات من القرن العشرین كان ھناك اعادة توزیع الدخل والثروة لصالح الطبقة الغنیة وغرق المواطن العادي تحت القروض. ان اعادة توزیع الدخل تؤدي الى ان یتراكم الدخل عند قلة صغیرة لایمكنھا صرفه في حین ان الغالبیة العظمى من السكان لیس لھا دخل تصرفه على الحاجات الاساسیة. ھذا الامر یؤدي الى ضعف القوة الشرائیة للمجتمع مما یؤدي الى ضعف دینامیكیة الاقتصاد.

ان بروز التیار النیولیبرالي في الغرب وخاصة مع صعود رونالد ریغان وماركریت تاتشر مثل تطور سیاسي یعكس حاجات النظام الاقتصادي الرأسمالي. لمدة اربعین سنة ترد الطبقة الحاكمة على الازمة بالمزید من نفس الاجراءات التي تمثلت في البدایة في السیاسات الكنزیة ومن ثم السیاسات النیولیبرالیة ولكن ھذه الاجراءات لم تتمكن من حل الازمة بل كل ماقامت به ھو دفع الازمة من قطاع اقتصادي الى قطاع اقتصادي اخر ومن منطقة جغرافیة الى منطقة اخرى. والجھود التي تعمل على انقاذ النظام الاقتصادي تؤدي الى ابقاء معدل الربح واطئا وبالتالي الى اطالة الركود وتعمیق ازمة الدیون بدلا من ازدھار اقتصادي قابل للادامة.

لایوجد اي دلیل على ان ھذا الواقع سوف یتغیر، فوقائع اخر 30-40 سنة تدل على ان ما من سیاسة ضمن اطار النظام الاقتصادي الرأسمالي التي تستند على منطق الربح تنجح في حل المعضلات الاساسیة التي تحدثنا عنھا على نحو یمكن ادامتھا واھمھا ھي مشكلة میل معدل الربح الى الانخفاض واتساع الفجوة بین الفقراء والاغنیاء وبالتالي ضعف الطلب على البضائع والخدمات والتغیر المناخي. النظام الرأسمالي كاي نظام اقتصادي -اجتماعي اخر مثل النظام العبودي والنظام الاقطاعي برز وانتعش ووصل الى مرحلة البلوغ ومن ثم تفسخ واندثر. ان احداث وشواھد اخر 40 سنة ودرجة التفسخ التي وصل الیھا النظام الرأسمالي تدل على انه یعیش مراحله النھائیة ولكن لیس بامكان احد التنبؤ بمستقبل ھذا النظام ومستقبل البشریة في ظله.

لیس بامكان ترامب تغییر الطریقة التي یعمل بھا النظام. دونالد ترامب لم یوعد باي شیئ من شانه رفع الاجور الحقیقیة و تقلیص الفجوة بین الاغنیاء والفقراء وحل المشاكل البیئیة. في الحیقیة كل ماوعد به سوف یفاقم تلك المعضلات و سوف يقوم بادارة نفس القوى الاقتصادية التي تتطلب مهاجمة الاجور وشروط العمل لرفع معدل الربح

مقالات