عادل احمد

مصائب وهم اليسار اللاعمالي!

عندما فاز الحزب اليساري في اليونان قبل سنتين تقريبا، توهم قسم كبير من اليسار العالمي وفعالي الحركة العمالية بهذا الانتصار واعتبروها قدوة وطريقة مهمة لبناء عالم الاشتراكية بدون الثورة الاجتماعية. وتوهم قسم اخر من اليسار ببطولات السلطة الذاتية لقوات حماية الشعب في سورية واعتبروها مجد اليسار والاشتراكية في عالم اليوم. ان توهم اليسار وقسم من الاشتراكيين بهذه النماذج من النضال من اجل بناء الاشتراكية وعالم المساواة، هو دلالة على عدم ارتباط هذا اليسار من الاساس بأشتراكية ماركس وليس شيئا اخر.

عندما حضرت الطبقة العاملة اليونانية الى ميدان التظاهرات والاحتجاجات ضد الفقر والغلاء والبطالة نهضت معها جماهير غفيرة من الكادحين والفقراء، تضامنا مع الطبقة العاملة بالضد من الفقر والجوع والغلاء في عموم البلاد. ولكن مع توسيع هذه الاحتجاجات والتظاهرات سارعت الطبقة البرجوازية بكل تلاوينها يمينها ويسارها، وأتفقت على ان تقف بوجه خطر تعميق راديكالية هذه التظاهرات من أجل احتواءها. وان سيريزا حزب اليسار البرجوازي استطاع ان يسرق الاضواء المتازمة لصالحه ووعد الطبقة العاملة والجماهير الغفيرة بالوقوف بالضد من سياسة التقشف، والتي فرضها صندوق النقد الدولي والبنوك الالمانية عليهم. واذا نظرنا الى هذه الوعود والى كل هذه الاوهام في اوساط اليسار سنرى حجم الخسارة والضربة التي لحقت بموجة التظاهرات والاحتجاجات العمالية ومطاليبها. الغلاء والبطالة والجوع باقي وسياسة التقشف ونهب البنوك الالمانية وصندوق النقد الدولي باقي، والشيء الوحيد الذي أنتهى هو التظاهرات والاحتجاجات الراديكالية والشاملة في عموم البلاد. السبب يكمن في وهم الطبقة العاملة والاشتراكيين بهذا النوع من اليسار اللاعمالي وفي الحقيقة هو اليسار البرجوازي.

اما فيما يخص وهم اليسار والاشتراكيين بقوات حماية الشعب ولحزب صالح مسلم وكانتوناته الذاتية واعتبارها سياسة اشتراكية، فهي مصيبة اخرى لنشر الوهم وتضليل لشيوعية ماركس ونضالها الطبقي لخدمة الاصلاحات الطفيفة في المجتمع البرجوازي. ويعتبر البعض ان خطوات وسياسات هذه القوة هي الخطوة العملية لبناء الاشتراكية. وناسيا بأن هذه القوة لم تكن شيئا الا الجناح اليساري في الحركة الكردية في سورية. وان سياسات قوة حماية الشعب على الرغم من ايجابيات قسم منها في ظل الاوضاع الدموية السورية وتستحق الدفاع عنها، ولكن ليس بمستوى ان نوهم المجتمع وخاصة الطبقة العاملة بأشتراكيتها العمالية او الماركسية، بل يجب اعطاء تسميتها الحقيقية والشعبوية وعدم ربطها بأشتراكية ماركس. ونرى الان قوة حماية الشعب هي اداة بيد امريكا لتمرير سياساتها في سورية، وتقاتل ضمن افاق ورؤية السياسة الامريكية في المنطقة وتسير وفق مصالحها. وان هذا التوهم ايضا جاء من اليسار الغير عمالي ليوهم الطبقة العاملة في المنطقة بسياسات البرجوازية.

ان خلق كل هذه الأوهام في اوساط الطبقة العاملة وحركتها واوساط الجماهير الفقيرة والكادحة تأتي من اليسار اللاعمالي والتي لا ربط لها بحياة العمال ومحرومي المجتمع. وان خلق كل هذه الاوهام يأتي نتيجة ضعف الشيوعية العمالية كحركة اجتماعية في جميع البلدان، ووقوفها بالضد من هذه الاوهام وكذلك بروز اليسار البرجوازي تحت تسمية الدفاع عن العمال ومحرومي المجتمع من جديد. لقد اثبتت التجارب العملية حتى الان ببطلان الاصلاحات وتغيير الاوضاع لصالح الفقراء من قبل الاحزاب البرجوازية سواء كانت يسارية ام يمينية. واصبح هذا اليسار اللاعمالي خادم الطبقة البرجوازية في محنتها ويحمي سلطتها وقيمها عن طريق زرع الأوهام بين اوساط العمال والكادحيين.

ان رجوع الماركسية ورايتها الى ميدان الصراع من جديد بأمكانها ان تتبدد كل هذه الاوهام داخل الاشتراكيين والحركة العمالية، كما فعل ماركس بأنتقاده كل اشتراكيات عصره من الاشتراكية الطوباوية والاشتراكية الاقطاعية والاشتراكية البرجوازية الصغيرة، وبين المحتوى الطبقي لكل هذه الاشتراكيات وعدم ربطها بالطبقة العاملة ومصالحها، وبرهن على عداوتها مع حركة الشيوعية العمالية في ذلك الزمن. ان راية الماركسية هي عبارة عن التغير الاساسي في النظام الاجتماعي الرأسمالي وعن طريق الثورة الاجتماعية الاشتراكية. وان الثورة الاجتماعية هي قلب كل النظام الرأسمالي وعلاقاته الاجتماعية واستلام السلطة من قبل الطبقة العاملة وتغير نمط الانتاج وعلاقات الانتاج. وحتى الان اثبتت جميع الاوضاع وجميع محاولات الطبقات السفلى بأستحالة وجود الاصلاحات في ظل الافاق البرجوازية وحركتها. وان اليسار البرجوازي مثله مثل اليمين البرجوازي يخدم الطبقة البرجوازية ويحمي مصالحها ولكل واحد منهم حسب اوضاع الصراع الطبقي في المجتمع. وان اي حركة اصلاحية في المجتمع مرتبطة بأفق الطبقة العاملة ونضالها المستقل طبقيا.

ان مهمة الاشتراكيين العماليين هي رفع الراية الماركسية والحضور الميداني تحت افاق شيوعية ماركس ونقده الجذري لمجمل علاقات النظام الرأسمالي. وان حضور الماركسية في جميع المياديين هي عامل الخلاص من الاوهام البرجوازية وعملائها الماجورين لبقاء الرأسمالية. ان احضار النقد الماركسي وافاقه هي مهمة الشيوعيين العماليين. وان النقد الماركسي للمجتمع البرجوازي وتقويته هو نقطة شروع تبدديد امال وافاق البرجوازية داخل الطبقة العاملة ونضالها.

مقالات