توما حميد

انتخاب دونالد ترامب، الامنیات والحقائق! الجزء الثاني

لنعود الى اهم السياسات التي طرحها ترامب

تثاراسئلة كثيرة عما اذا كان ترامب جدي في تطبيق برنامجه الانتخابي او فيما اذا كان الحزب الجمهوري الذي يسيطر على مجلس النواب والشيوخ سيمرر برنامجه الذي هو بالضد من ايديولوجية هذا الحزب اليميني. حيث وقف الحزب الجمهوري لعقود ضد تدخل الدولة في الاقتصاد وضد عجز الميزانية والدين الحكومي وهو الذي منع اوباما من الانفاق على مشاريع البنية التحتية لهذا السبب. ودعى الى تقليص حجم الدولة ودورها في الاقتصاد والى عدم التدخل في شوون رأسمالية السوق الحر او تقيد حرية الرأسمال، لذا فانه سيكون غريبا بان يقوم بتغير موقفه من هذا الموضوع بشكل مفاجئ وربما سيجد مشكلة في اقناع قاعدته الجماهيرية بضرورة تغيير الموقف في هذا الوقت بالذات حيث ان مستوى الدين العام وصل الى مدى غير مسبوق. كما تثار اسئلة حول فيما اذا كان سيضطرالى عقد صفقات مع الرأسماليين الذين يعادون اي تغير جدي.

شخصيا اعتقد ان ترامب جاد في تطبيق برنامجه الانتخابي. وقد يقبل الحزب الجمهوري بتمرير هذا البرنامج لان الاعتقاد السائد هو ان هذا البرنامج سيضمن السلطة لهذا الحزب. ان قبول الحزب الجمهوري بسياسات تناقض ايديولوجيته هو بالضبط ماحدث في عهد رونالد ريغان الذي خاض حملته الانتخابية على اساس معاداة تدخل الدولة في الاقتصاد وزيادة في الدين العام وعجز الميزانية ولكن بعد الفوز قام بزيادة الانفاق الحكومي على مشاريع البنية التحتية والدفاع ولكن مع شن هجمة على البرامج الاجتماعية بحجة ان الدين العام كان سيئا للاقتصاد.

من حيث الجوهر مامن سياسة من السياسات التي اقترحها ترامب هي جديدة واغلبها قد تم تطبيقها في فترات معينة في السابق سواءا كانت السياسات الحمائية منها او السياسات الكنزية التي تدعو الى تدخل الدولة في الاقتصاد. معظم البلدان قد طبقت سياسات حمائية في مرحلة معينة وفي قطاعات معينة ومحدودة. ولكن ما هو جديد هو حجم السياسات التي يقترحها ترامب والتي هي بالضد من العولمة بالشكل السائد في اخر 40 سنة وهي تاتي في وقت بلغ الاقتصاد العالمي درجة من العولمة غير مسبوقة. فالاقتصاد الرأسمالي العالمي اصبح بدرجة من التداخل بحيث اي هزة في اقتصاد اي بلد من البلدان الكبيرة تودي الى ارتجاجات عنيفة وانية في الاقتصاد العالمي.

من جهة اخرى ان الصراع بين مناصري سياسات التقشف وبين مناصري السياسات الكنزية هو صراع قديم. دعاة التقشف يجادلون بانه يجب خفض الاجور وتقليص الانفاق الحكومي وبالتالي تقليل عجز الميزانية والدين العام لتشجيع الاستثمار في البلد وبالتالي تحفيز الاقتصاد على النمو في حين ان دعاة السياسات الكنزية يجادلون بان عندما يكون نمو الاقتصاد ضعيفا والقطاع الخاص غير راغب في الاستثمار لسبب او لاخر يجب على الدولة ان تتدخل عن طريق زيادة الانفاق وخاصة في مشاريع البنية التحتية وخلق الوظائف وتحفيز الاقتصاد. من حيث المبدأ السايسات الكنزية هي افضل للطبقة العاملة من التقشف و جزء من سياسات دونالد ترامب هي سياسات كنزية. لكن الغريب ان تاتي الدعوة الى السياسات الكنزية وتدخل الدولة في الاقتصاد من اليمين.

ان تبني ترامب المحسوب على الحزب الجمهوري و التيار اليميني لبرنامج يستند على تدخل الدولة في الاقتصاد وتقييد حرية الرأسمال الذي هو بالضد من ايدولوجية اليمين التي تستند على تعاليم ادم سميث هو دليل على عمق ازمة النظام الرأسمالي ككل ومحدودية الخيارات امام قادة هذا النظام.

اذا يقول ادم سميث ما معناه : اذا قام كل فرد بتعقب مصلحته الشخصية سوف تكون النتيجة في مصلحة الجميع لان المصلحة الشخصية لكل الافراد هي كما لو كانت موجهة من قبل يد الله الخفية. وهذا يعني قم باي شيئ تريد القيام به من اجل مصلحتك ولاتهتم بالاخرين او بالعواقب لان هذا في النهاية سيخدم مصلحة الجميع . اي اذا قام كل رأسمالي وكل شركة وكل عامل بما يريده بعيدا عن تدخل الدولة سوف تكون النتيجة في مصلحة الجميع. فيما يخص امريكا اليوم هذا يعني اذا كانت في مصلحة الرأسمالي ان ينقل الانتاج من الولايات المتحدة الى الصين او المكسيك فهذا سيكون في مصلحة الجميع.

يدعي ترامب بانه بصدد منع الرأسمال من الانتقال الى البلدان الاخرى والذي سوف يكون اما عن طريق القانون او عن طريق فضح الشركات التي بنيتها الانتقال. وقد قام لحد الان بالفعل بفضح عدة شركات كانت بصدد خلق الانتاج في امريكا والانتقال الى بلدان اخرى مثل ماحدث مع شركة كارير لانتاج مكيفات الهواء وتهديده لشركة فورد وتيوتا. وهذا يعني ان برنامجه الاقتصادي يستند على تدخل الحكومة في الاقتصاد وتقييد حرية الرأسمال وهذا كما قلنا هو بالضد من تعاليم ادم سميث وايدولوجية الحزب الجمهوري الذي ظل يبلغ لها لعقود.

ماهي النتائج المحتملة لسياسات ترامب اذا كان موفقا في تطبيقيها؟

الخطة الاقتصادية لترامب يمكن تقسيمها الى ثلاثة اجزاء: خفض الضرائب وتخفيف الرقابة والضوابط التنظيمية و التحفيز المالي .

يعتقد ترامب ومستشاريه الاقتصاديين وخاصة مصمم السياسات الضريبية التي يقترحها ترامب، السيد بيتر نافارو بان خفض الضرائب وزيادة الانفاق الحكومي سوف تؤدي الى نمو اقتصادي قوي بمعدل 3.5%-4% في السنة وبالتالي الى تحسن في المالية العامة للولايات المتحدة والى خلق 25 مليون وظيفة خاصة في قطاع التصنيع على مدار عقد والى نمو في الاجور وزيادة دخل الطبقة العاملة. وسوف تكون بمجموعها محايدة من ناحية الايرادات حيث لن تخفض او تزيد من مقدار الدين الحكومي اذ سيتم جمع الايرادات المطلوبة من خلال نمو اقتصادي اعلى واغلاق الثغرات والخصومات للمصالح الخاصة.

يعتقد ترامب بان خفض الضرائب وفرض التعريفة الكمركية بالذات سوف تؤدي الى جذب الاستثمارات و تحفيز الاقتصاد على النمو وبالتالي زيادة دخل الدولة بدرجة تكون كافية لتغطية ماتفقده الدولة من خلال خفض الضرائب والانفاق على الخطة التحفيزية تقليدا لما حدث في عهد رونالد ريغان.

ولكن هذا يعتبر نوع من المخاطرة حيث لايوجد اي ضمان بان هذه السياسات ستؤدي الى زيادة مردودات الدولة لان الوضع الاقتصادي يختلف تماما عن الوضع الاقتصادي في عهد ريغان اذ ان وضع الطبقة العاملة من السوء بحيث يصعب تضيق الخناق عليها بشكل كبير كما ان حجم الدين والعجز في الميزانية هو اكبر باضعاف. وحتى طبيعة شركات الاعمار هي مختلفة حيث تقوم بنفس العمل بعدد اقل من العمال. يجدر الاشارة ان النمو في عهد ريغان كان مؤقتا وكان على حساب زيادة الدين العام وعلى حساب تقويض حقوق الطبقة العاملة وادى بالتالي الى زيادة الفجوة بين الفقراء والاغنياء والتي هي احدى المشاكل الاساسية التي تواجه الاقتصاد الرأسمالي.

ان اي تحسن في الوضع الاقتصادي نتيجة السياسة المالية الانفاق الحكومي قد يلغى تاثيره بسبب السياسة النقدية، حيث ان خفض الضرائب وزيادة الانفاق الحكومي سوف تؤدي الى التضخم وهذا بدوره قد يؤدي الى ارتفاع سعر الفائدة مما يزيد من كلفة الاقتراض من قبل القطاع الخاص مماقد يؤثر على مقدار الاستثمار. لذا فان الاموال التي تصرفها الحكومة لن تكون لها تاثير على الناتج المحلي الاجمالي. من جهة اخرى ان ارتفاع سعر الفائدة يعني عملة اقوى وبالتالي زيادة في العجز التجاري.

ليس لدي شك بان سياسات ترامب سوف تحقق بعض الاهداف التي صممت من اجلها فمثلا بعض الشركات التي بنيتها نقل الانتاج الى الخارج قد تؤجل او تتفادى القيام بذلك ولكن مشكلة هذه السياسات هي انها ليس بامكانها من معالجة العواقب غير المرجوة منها مثلا ان هذه السياسات سوف تؤدي الى غلاء الاسعار في امريكا وزيادة العجز التجاري الخارجي حيث لن يكون بمقدور المنتجات الامريكية من منافسة المنتجات الصينية في الاسواق العالمية.

عندما تفشل سياسات ترامب من تحقيق نمو اقتصادي بنسبة 3.5% - 4% اللازم لتغطية ماتفقده الدولة نتيجة خفض الضرائب و الانفاق على البنية التحتية والدفاع فان الدين العام سوف يزداد بشكل كبير. استنتج بحث قام به مركز السياسة الضريبية الامريكي بان سياسات ترامب الضريبية سوف تقلل مردود الدولة باكثر من 9 ترليون على مدى العقد القادم حتى اذا نمى الاقتصاد بوتيرة اعلى. اذ ستضيف هذه الخطة حوالي 800 مليار الى العجز السنوي عندما تدخل الخدمة وهذا المقدار سوف يزداد مع الوقت. من الممكن ان يتسارع النمو الاقتصادي لبضع سنوات ولكن سيكون على حساب زيادة حجم المديونية الامر الذي سيفاقم المشكلة في المطاف الاخير. يجدر الاشارة بان ترامب كان من نقاد حجم الدين الامريكي وكان في وقت سابق قد دعى الى خفض سقف الدين بدلا من تجميده.

خطة ترامب الاقتصادية سوف لن تحقق ما وعد به للانسان العادي في الولايات المتحدة لانها مجموعة متناقضة وغريبة من السياسات تدل على عدم فهمه للاقتصاد الرأسمالي المعاصر. وقد يتحتم عليه بالنهاية التخلي عن بعضها او تطبيق ماهو رمزي منها.لقد بدأ ترامب منذ الان بالتراجع عن الكثير من السياسات التي اقترحها.

في مجال تخفيف الرقابة والضوابط التنظيمية، لقد تعهد ترامب بالغاء قانون دود-فرانك 2010 لإصلاح وول ستريت و حماية المستهلك. قدم هذا القانون عام 2010 من قبل الرئيس أوباما للتعامل مع نتائج الأزمة المالية لعام 2008 وهو يهدف الى حماية المستهلك من الممارسات المالية الخطرة والإستغلالية، وجعل النظام المالي أكثر شفافية و مسؤولية ومنع الحكومة من التدخل ودعم الشركات و البنوك على حساب المستهلك. كما وعد بالغاء مكتب الحماية المالي للمستهلك الذي فرض غرامة 100 مليون على بنك ويلز فارغو لاستخدام مستخدمي البنك في خلق مليوني حساب بنكي غير مرخص من اجل تحقيق كوتا المبيعات.

ومن خلال هذا الاجراء يبرهن ترامب بانه ملتزم بحرية الرأسمال وازالة اي قانون تقيد قدرة وول ستريت في تحقيق ارباح اكبر. وهنا يتبين التناقض الذي يعتري برنامجه فهو يتدخل في حرية الرأسمال ويمنعه من نقل الانتاج الى بلدان اخرى ولكن يزيل القوانين التي تنظم عمل اخطر قطاع وهو القطاع المالي الذي برهن بشكل عملي خطورة تصرفاته على كل الاقتصاد. ان ازالة القوانين والضوابط امام القطاع المالي سوف تضمن بان تكون الازمة القادمة في وقت قريب. يلوم دونالد ترامب البنك الاحتياطي الفدرالي في خلق فقاعة اصول ضخمة في وقت يقوم فيه بازالة القوانين والضوابط التي تعرقل خلق فقاعة.

لقد وعد بفرض ضريبة مقدارها 45% على البضائع المستوردة من الصين و35% على البضائع المستوردة من المكسيك حتى يثني الشركات الامريكية عن تسريح الايدي العاملة والانتقال الى البلدان الاخرى ومن ثم شحن البضاعة المنتجة الى امريكا ولكي يعيد التوازن الى العجز التجاري الامريكي مع البلدين حيث بلغ العجز التجاري في 2015 مع الصين 343 مليار ومع المكسيك 54 مليار. يعتقد ترامب بان فرض الضريبة الكمركية مع خفض الضريبة على الشركات من 35% الى 15% سوف يشجع الرأسمال خاصة الرأسمال الامريكي الى الانتقال الى امريكا.

من جهة تلك الدول التي وعد دونالد ترامب بفرض ضريبة كمركية على صادراتها الى امريكا لن تقف مكتوفة الايدي. فالصين هددت بمجابهة كل خطوة تتخذها امريكا في هذا المجال بخطوة مماثلة. وفي السابق عندما قامت امريكا بشيئ من هذا القبيل ردت الصين فعلا بخطوات مماثلة. الصين هددت بغلق السوق الصيني امام البضائع الامريكية التي بلغت في 2015 حوالي 116 مليار دولار بما فيه البضائع الزراعية وصناعة الطائرات والاكترونيات وحتى الخدمات مثل التعليم والصحة. كما وعدت الصين بغلق السوق الصيني امام الاستثمارات التي تقوم بها الشركات الامريكية بما فيها قطاع السيارات. فبعد فوز ترامب قامت الصين بعقد صفقة مع شركة فولكسفواكن لتصنيع السيارات للسوق الصيني الذي هو اكبر سوق سيارات في العالم. لذا فان التعريفة الكمركية سوف تؤدي الى فقدان الوظائف في امريكا لان الدول الاخرى ببساطة سوف تقوم باعمال انتقامية مماثلة.

تمكنت القيادة الصينية منذ الثمانينيات من القرن العشرين من بناء وتطوير الاقتصاد وضمان نمو اقتصادي بوتيرة عالية على اساس التصدير و تحويل الصين الى مركز لتصنيع البضائع لكل العالم مما ادى الى هجرة اكثر من 400 مليون انسان من الريف الى المدن الصناعية . ان سياسات ترامب سوف توجه ضربة قاسية لهذا الاقتصاد، لذا فان الصين سوف تقوم بكل ما في وسعها لافشال سياساته.

ومن جهة اخرى ان 50% من البضائع التي تصدر من الصين الى الولايات المتحدة تنتجها فروع لشركات امريكية. هذه الشركات انفقت المليارات من الدولارات في اخر 3-4 عقود للاستثمار في الصين على امل ان البضائع المنتجة سوف تشحن الى الولايات المتحدة التي لاتزال اكبر سوق للبضائع على مستوى العالم . تلك الشركات ستفقد المليارات في حال فرض ضريبة كمركية بمقدار 45% على البضائع التي تنتجها للسوق الامريكي لذلك فانها ستعلن الحرب على ترامب وحكومته ومن الجنون ان يقوم ترامب الذي وصل الى البيت الابيض من خلال فوز ضعيف جدا بمعاداة تلك الاحتكارات.

ان اي ضريبة كمركية تفرضها حكومة دونالد ترامب سوف تكون لمصلحة قطاع رأسمالي معين في امريكا ولكن في نفس الوقت سوف تضر بمصالح قطاعات اخرى. منذ الان المزارعون الذي يصدرون الذرة الى الصين هم بصدد العمل على ثني ترامب عن القيام باي خطوة من هذا القبيل. ترامب وحكومته سوف لن تمثل كل الرأسمال الامريكي في اي مفاوضات تدخلها امريكا سواءا مع الصين او مع المكسيك او اي دولة اخرى.

ليس هناك اي ضمان بان لاتقوم الشركات التي تجبر على ترك الصين بالانتقال الى دول اخرى مثل فيتنام واندونيسيا وغيرها من الدول التي ربما لن تفرض امريكا ضريبة كمركية عليها وليس الى الولايات المتحدة حيث الايدي العاملة والطاقة رخيصة والضريبة اقل من الضريبة في امريكا حتى بعد ان تخفض الى 15%.

من جهة اخرى ان هذه الضرائب سوف تؤدي الى زيادة حادة في اسعار البضائع . فالتعريفة الكمركية هي ضريبة على المستهلك الامريكي. يجب ان نتذكر ان اكثر من نصف واردات امريكا هي من المواد الاولية لذا فان رفع اسعار هذه المواد سوف تضر بالشركات الامريكية التي توظف العمال الامريكيين وسوف تؤدي الى رفع اسعار السلع. ان ارتفاع الاسعار سوف يحدث حال تطبيق الضريبة الكمركية ولكن الوظائف التي تخلق في حال انتقال الرأسمال الى امريكا سوف تاتي بشكل تدريجي. كما ان مع غياب نقابات ومنظمات عمالية تناضل من اجل حقوق العمال فان انتقال الرأسمال الى امريكا لايعني زيادة في الاجور وخاصة ودونالد ترامب هو بالضد من وضع حد ادنى للاجور. لذا فمن المرجح بان تؤدي هذه السياسة الى تردي المستوى المعاشي للطبقة العاملة اذ سترتفع الاسعار اكثر من ارتفاع الاجور.

تتباهى احزاب السلطة في الدول الغربية بالسياسات التي تخلق او التي يؤمل منها ان تخلق وظائف ولكن لايعار اي اهتمام بان الوظيفة في الكثير من الاحيان لم تعد ضمان لتحقيق مستوى معاشي لائق. ففي امريكا اليوم الكثير من العمال الذين لهم وظائف يعيشون في فقر. لذا فخلق المزيد من الوظائف لايعني بان الوضع المعيشي للطبقة العاملة سوف يتحسن. من جهة اخرى ان التعريفة الكمركية سوف لن تؤدي الى زيادة اسعار البضائع التي تدخل الى امريكا فقط بل الكثير من الاسعار الاخرى ايضا مما قد تؤدي الى زيادة التضخم وفقدان الوظائف والتاثير سلبا على الاقتصاد.

وسوف يكون على الصادرات الامريكية الى الدول الاخرى بما فيها اوربا واسيا وامريكا اللاتنية وافريقيا المنافسة مع الصادارات الصينية وحيث ان الرأسمال الامريكي المستثمر في امريكا عليه دفع اجور اعلى للعمال فهذا يعني بان البضائع الامريكية ستكون اغلى ومن المرجح في الاوضاع الاقتصادية العالمية الحالية سوف تخسر المنافسة امام البضائع الصينية الرخيصة. فالبضائع الصينية التي لايمكنها الوصول الى السوق الامريكي سوف تغمر الاسواق الاخرى وباسعار منخفضة جدا. لذا فان التعريفة الكمركية في النهاية سوف توسع العجز التجاري الامريكي. ليس بامكان امريكا عمل اي شيئ بصدد رخص الايدي العاملة في دولة مثل الصين.

هناك تداخل كبير في الاقتصاد العالمي بما فيه بين الاقتصاد الامريكي والصيني. اذ بلغ حجم التبادل التجاري بين امريكا والصين في 2015 حوالي 598 مليار دولار وللصين اكثر من ترليون دولار مستثمر في الاقتصاد الامريكي بشكل خاص في السندات الامريكية. ان اندلاع حرب تجارية بين البليدن قد تدمر اقتصاد البلدين والاقتصاد العالمي في ان واحد. ويجب ان نتذكر بان الحروب التجارية احيانا ينتهي الامر بها الى حروب عسكرية. فاذا نفذت سياسات ترامب الحمائية سوف تهدد التجارة العالمية وقد تعمق ركود الاقتصاد العالمي الكسيح لسنوات.

ان قيام ترامب بترشيح حاكم ولاية أيوا تيري برانستاد الذي تربطه علاقة حميمية مع الرئيس الصيني سفيرا للولايات المتحدة لدى الصين لاتدل على ان دونالد ترامب جدي في القيام بما وعد به او على الاقل سوف يكون اي عمل في هذا المجال محدودا. في الحقيقة، لقد تراجع ترامب في مقابلة مع مجلة ذي تايمز عن تهديداته ضد الصين. رغم هذا يبقى الشيئ الوحيد الواضح من برنامج ترامب هو ان العولمة بالشكل التي سادت في اخر اربعة عقود سوف يوجه لها صفعة قوية. ربما دونالد ترامب سوف لن يقوم الا ببعض الخطوات الرمزية ولكن من الواضح ان العولمة بشكلها السائد في اخر 40 سنة لا تخدم اقتصاد الدول المتقدمة ولاتخدم الطبقة العاملة في تلك البلدان وعاجلا ام اجلا سوف يضطر السياسيون تحت ضغط الجماهير الى اتخاذ خطوات جدية لتقويض العولمة. ان مسالة البريكست كانت الى حد ما تصويت ضد العولمة كما كان انتخاب دونالد ترامب.

وعد ترامب بخفض الضرائب على الشركات من 35% الى 15% لكي يجعل مستوى الضرائب يتماشى مع مستوى الضرائب في الدول المتقدمة الاخرى. كما وعد بخفض أعلى معدل الضرائب للأفراد من 39.6% إلى 33%، والغاء الضريبة العقارية.

في الحقيقية ان الضريبة الاسمية او القانوينة على الشركات في امريكا هي 35% ولكن الضريبة الفعلية هي 20-25% وهي الان قريبة من الضريبة في الدول المتقدمة الاخرى. اذ هناك الكثير من الاستثناءات و التخفيضات واهمها ان الشركات لاتدفع ضرائب اذا تم بيع البضائع في الخارج وتحقق الارباح خارج حدود امريكا. لايوجد شركة واحدة تدفع ضريبة بنسبة 35%. كشف تقرير صدر في أبريل من هذا العام من قبل مكتب المحاسبة الحكومة الأمريكية غير الحزبي أن 70٪ من جميع الشركات النشطة كانت لاتدفع اي ضريبة على الإطلاق بعد أن يتم أخذ الإعفاءات الضريبية بنظر الاعتبار، والاعفاءات الضريبة تتصمن الخسائر القديمة للسنوات الماضية وهذا ماقام به دونالد ترامب نفسه حيث من المتوقع بانه لن يدفع اي ضريبة لمدة عشرين سنة.

وقد وجد نفس التقرير بان الشركات العملاقة التي تحقق ربح عالي تدفع حاليا ضريبة قيمتها 14% اي اقل من الضريبة التي يقترحها ترامب. لو كانت تلك الشركات تقوم بالاستثمار وخلق الوظائف في الولايات المتحدة فانها كانت ستقوم بذلك حاليا.

كما اقترح ترامب فرض ضريبة مقدارها 10% فقط لمرة واحدة على الاموال التي تعاد الى امريكا لتشجيع الشركات الامريكية لجلب مايقدر ب 2.4 ترليون دولار تحتفظ به حاليا في الخارج للتهرب من الضرائب.

اولا هذا النوع من التفكير يعتقد بان المال المهرب يقبع في حساب بنكي خارج امريكا لايستخدم حاليا لخلق الارباح وهو حاضر للعودة الى امريكا وهو افتراض خاطئ. ان معظم الرأسمال الذي يهرب بطرق قانونية لتفادي الضرائب هو مستثمر وجزء كبير منه مستثمر في اسهم الشركات الامريكية من خلال البروصات والبنوك الاجنبية.

ان خفض الضريبة على الشركات سيساعد الشركات على تحقيق ارباح اعلى ولكن ليس هناك اي ضمان بان يؤدي خفض الضرائب الى زيادة الاستثمار، في الحقيقة ان حفنة من اعضاء مجلس ادارة اي شركة وبالضغط من حفنة من اصحاب الاسهم سوف تقرر ماذا يحدث للاموال التي تحصل عليها نتيجة خفض الضريبة. بالامكان ان تقرر بان تستثمر هذه الاموال في امريكا او في الصين او اي دولة اخرى، او ان تدفعها كارباح الى اصحاب الاسهم او تدفع اجور اعلى للمدراء. وحتى لو قامت الشركات بالاستفادة من تخفيض الضرائب لنقل الانتاج الى امريكا فان تاثير هذه العملية سوف لن يتم الاحساس به فورا ولن يكون بمقدار كبير.

مرة اخرى ان الدول الاخرى سوف لن تقف مكتوفة الايدي بل سوف تقوم بخفض الضرائب ايضا. فرئيسة وزراء بريطانيا اقترحت خفض الضرائب في بريطانيا في السنوات القليلة القادمة الى 17% لتطابق الضربية التي يقترحها ترامب. وهناك مشروع قانون بصدد ان يمرره الكنيست الاسرائلي قبل اداء ترامب لليمن الدستوري يدعو الى خفض الضرائب على الشركات في اسرائيل الى 6% وبالتاكيد سوف تقوم دول اخرى بخطوات مماثلة. من الواضح بان هذه السياسة سوف تؤدي الى سباق نحو القاع في مجال خفض الضرائب على الشركات مما سيحرم الحكومات من اموال مهمة ضرورية للكثير من المشاريع والبرامج العامة مما ستفاقم المشكلة على المدى البعيد.

من جهة اخرى ان خفض الضرائب على الافراد سوف تنفع اصحاب الملايين اكثر من ابناء الطبقة العاملة الذين اعطوا ترامب الفوز. لقد وجد بحث من قبل مركز السياسة الضريبية الامريكي ان اغنى 0.1% من السكان ، هؤلاء الذين يبلغ دخلهم اكثر من 3.7 مليون في السنة سوف يحصلون على تخفيض ضريبي حوالي 1.1 مليون في المتوسط ( اي 14% من دخلهم بعد خصم الضرائب)، بينما سيحصل الخمس الافقر من الامريكيين على تخفيضات ضريبية مقدارها 110 دولار في السنة او 0.8% من دخلهم، وسوف يوفر دافعي الضرائب الذين يتراوح دخلهم بين 48000 و830000 في السنة مامقداره 1000 دولار. اكثر من نصف التخفيضات الضريبية التي يقوم بها ترامب سوف تذهب الى اغنى 1% من السكان وهذا مايتماشى مع سياسة الحزب الجمهوري بشان الضرائب وسياسة اقتصاد التساقط. ان الاعتقاد السائد هو ان خفض الضرائب على الاغنياء والشركات سوف يشجع الاستثمار و نمو الاقتصاد وخلق الوظائف مما سيخدم العمال ايضا. ولكن الواقع سوف يكون كما حدث تحت رونالد ريغان و جورج دبليو بوش اذ ان خفض الضرائب على الاغنياء سوف يستفاد منه الاغنياء في المقام الاول. ان الدين الوطني والعجز سوف يرتفعا مثلما حدث في الدورتين السابقتين لتطبيق هذه السياسة .

لقد برهن طراز اقتصاد التساقط على فشله في تحسين وضع الطبقات الفقيرة وحتى خلق انتعاش اقتصادي مستدام في بلد بعد اخر. ان خفض الضرائب على الاغنياء لايؤدي الى تحفيز الاقتصاد في حين ان خفض الضرائب على الفقراء له تاثير اكبر على تحريك ونمو الاقتصاد لسبب بسيط وهو ان الفقراء يصرفون المال الزائد الذي يحصلون عليه في حين ان الاغنياء يدخرونه.

قدم ترامب اعفاء ضريبي اخر لاغنى الاغنياء ولنفسه هو الغاء ماتسمى بضريبة ايستيت تاكس والتي هي ضريبة على الورثة التي يتركها الاغنياء لاطفالهم او اي شخص اخر عند الموت و قيمتها 40% على كل دولار فوق 5.45 مليون. اي ان اكثر من 5 ملايين يمكن تركها للاطفال اثناء الموت دون دفع اي ضريبة ولكن دونالد ترامب يود الغاء هذه الضريبة نهائيا.

لقد وعد ترامب بصرف نصف ترليون دولار على اعادة بناء البنية التحتية الى جانب زيادة الانفاق على الدفاع بما فيه زيادة في عدد القوات العسكرية بنسبة 10% ورعاية المحاربين القدامى. ان الطريقة الوحيدة التي يمكن بواسطتها صرف اكثر من نصف ترليون دولار وخفض الضرائب سيكون عن طريق زيادة الدين او استقطاعات كبيرة في البرامج الاجتماعية بما فيها المدارس والصحة والنقل او زيادة عجز الميزانية او الاثنان معا مثل ماحدث في عهد رونالد ريغان. بعكس ترامب وفريقه ان الكثير من الاقتصاديين يتوقعون بان بقاء البرامج الاجتماعية الحالية مع زيادة الانفاق على البنى التحتية والدفاع وخفض الضريبة يعني ان عجز الميزانية سوف يتضاعف من 3% من اجمالي الدخل القومي لتبلغ 6% وبالتالي زيادة في الدين الوطني الذي هو حاليا اكثر من 100% من الناتج القومي. كما قلنا ان زيادة الانفاق سوف يؤدي الى نمو في التصخم وبالتالي سوف يرفع معدل الفائدة وسعر صرف الدولار الامر الذي سوف يؤدي الى زيادة العجز التجاري. لذا فان العدد القليل من الوظائف التي سيخلق من خلال برنامج البنية التحتية سوف يكون على حساب تدمير الخدمات الاجتماعية الي تحتاج اليها الطبقة العاملة اكثر من اي وقت اخر وفقدان وظائف في هذا القطاع الى جانب فقدان الوظائف نتيجة فقدان اسواق خارجية. يجب ان نتذكر بان دونالد ترامب يدعو الى تجميد التوظيف من قبل الحكومة الفدرالية في كل المجالات عدا الجيش، والسلامة العامة، والصحة. اذا ماطبق هذا الوعد فانه سيؤدي الى فقدان المزيد من الوظائف حيث ان عدد موظفي الحكومة الفدرالية يجب ان يزداد مع زيادة السكان.

هناك حاجة ملحة في امريكا لتعمير الطرق السريعة والجسور وانفاق الميترو وتحديث المدارس و شبكة تنظيم الملاحة ولكن الكثير من هذه المشاريع غير مشمولة بخطة ترامب لان هذه المشاريع لاتدر ارباح تجارية كافية. المشاريع التي يشملها هذا البرنامج هي ليست بالضرورة البرامج التي تخدم الجماهير بل المشاريع التي بامكانها تحقيق الارباح في المستقبل. ومن المعلوم ان تطبيق منطق الربح على مشاريع البنية التحتية سوف يجعل تاثير هذا البرنامج على الاقتصاد محدودا .

خطة التحفيز بالشكل التقليدي تعني ان تقوم الدولة بتوظيف عمال باجور وشروط عمل جديدة لبناء الجسور والطرق والمدارس والمطارات الخ. لكن خطة ترامب لا تمول الطرق الجديدة والجسور وشبكات المياه والمطارات بشكل مباشر بل يقترح منح الاموال على شكل اعفاءات ضريبية الى المستثمرين من القطاع الخاص في قطاع البناء والخدمات مثل الاثاث والكهرباء الذين يرغبون في تمويل المشاريع المربحة مثل الطرقات والجسور والانفاق التي يمكن ان تدر الارباح عن طريق فرض رسوم على مستخدميها . هذا يعني مشاريع مثل المدارس العامة، و شبكات المياة و الطرقات في المناطق غير المزدحمة وفي المناطق الفقيرة والريفية لايشملها هذا البرنامج. فخطة ترامب لتحفيز الاقتصاد تطبق مبدأ اقتصاد التساقط ( اهتم بالرأسماليين والشركات العملاقة والفوائد الاقتصادية سوف تنتقل الى الطبقة المتوسطة والفقيرة عن طريق الاستثمار وخلق الوظائف). التحفيز الذي طبق منذ ازمة 2008 والذي بدا في عهد جورج بوش واستمر في عهد اوباما كان على نفس المبدا وقد فشل في تحسين وضع الطبقة العاملة. يتباهى باراك اوباما بان حكومته خلقت 10 مليون وظيفة على مدى 8 سنوات ولكن ما ان تتعمق في الموضوع حتى تجد ان 94% من هذه الوظائف كانت وظائف جزئية او وظائف وقتية بمعنى انها اما كانت مهمات عمل موقتة او على شكل عقد فردي مؤقت ولذلك فهي وظائف غير امنة يمكن لصاحبها ان يصبح عاطلا في اي لحظة وهي بضمانات قليلة او بدون اي ضمانات. وهذه هي ارخص طريقة لتشغيل الايدي العاملة. كما ان هناك اليوم اي في نهاية رئاسة اوباما مليون وظيفة اقل بالمقارنة مع بداية فترة رئاسته الاولى هذا علما ان السكان وعدد العمال ازداد خلال تلك الفترة.

من جهة اخرى سيتم تنفيذ مشاريع البنية التحتية من خلال الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص. الشراكة بين القطاع العام والخاص يعني ان الارباح سوف تذهب الى القطاع الخاص و سوف تقوم الدولة بتحمل مخاطر الاستثمار.

وهذا يعني بان البرنامج المقترح هو ليس برنامج حكومي لتشغيل العمال باجور وامتيازات جيدة وانما سيكون على شكل عقود-هبات للشركات العملاقة التي ستقوم بمعظم العمل من خلال المكائن والالات لذا سيكون تاثيره على الاقتصاد اقل بكثير من المتوقع. في حين ان مهمة خطة التحفير الى جانب بناء البنية التحتية وتحسين الانتاجية هي ايصال المال الى ايدي الناس الذين سينفقونه مما يزيد الطلب ويعزز النمو. وليس في هذه الخطة اي شيئ عن حماية اجور العمال ودور النقابات. يجب ان نتذكر ان العضوية النقابية في القطاع الخاص هي اقل من 7%.

فيما يخص الانفاق على الدفاع يجب ان نتذكر ان امريكا هي الاولى عالميا حيث صرفت 620 مليار دولار على الجيش في 2016 وهذا المبلغ هو اكثر من مجموع ماتصرفه الدولة التسع الاخرى في قائمة عشر دول الاكثر انفاقا على المسائل العسكرية عالميا.

 

لقد وعد باعادة الوظائف وخاصة في القطاع الصناعي الى امريكا

مامن سياسة او حزمة من السياسات يمكنها اعادة الوظائف بما فيها الوظائف في القطاع التصنيع الى امريكا. هذه الوظائف تفقد بسبب عوامل لايمكن لدونالد ترامب عكسها. لقد تحدثنا على المشاكل التي ستواجه الحكومة الامريكية اذا ماقررت اللجوء الى مايسمى بالسياسات " الاقتصادية الوطنية" والتي تعتبر الاجراءات الحمائية جزءا كبيرا منها. من جهة اخرى، ان الوظائف في القطاع الصناعي لم تختفي بسبب انتقال الرأسمال الى الدول الاخرى فحسب بل ايضا اختفت بسبب ادخال التكنولوجيا بشكل مستمر لخفض التكاليف وزيادة الانتاجية والنوعية. الكثير من الوظائف فقدت لصالح وحدات اقتصادية اكثر انتاجية داخل البلدان نفسها. ان الاقتصاد المستند على بنك محلي وبقال ومقهى في نهاية كل شارع وجريدة محلية ومكتبة لبيع الكتب محلية الخ لن تعود الى امريكا لانها استبدلت بايبي، وامازون وفيسبوك وكوكل وولمارت وستارباكس الخ.حتى ولو قرر القطاع الصناعي اعادة الانتاج الى امريكا فان المعامل ومواقع الانتاج سوف تكون مختلفة جدا عن المعامل التي سادت قبل ان تترك امريكا لصالح دول اخرى. عملية الانتاج هي مختلفة جدا حتى بالمقارنة بالانتاج قبل عشر او عشرين سنة . الكثير من المعامل والمصانع تؤدي نفس العمل بايدي عاملة اقل بمعدل 30% بسبب التقنيات الجديدة.

 

لذا تجد ان حتى الدول التي ينتقل اليها الرأسمال هناك ازمات اقتصادية. فالمكسيك هي دولة شبة فاشلة، فيها معدل البطالة عالي ويعيش اكثر من ثلثي السكان على اقل من ثلاثة دولارات في اليوم. البرازيل من جهة اخرى تواجه ازمة مصيرية عميقة. وحتى الصين رغم كونها حاليا مركز لتصنيع البضائع لكل العالم الا ان الحكومة تجد نفسها مضطرة لبناء مدن اشباه لايسكنها احد من اجل خلق الطلب.

لذا فان ا ادعاء ترامب بانه سيعيد الصناعات الى امريكا وستصبح" امريكا عظيمة مرة اخرى" هو خطاب شعاراتي بعيد عن الواقع. في الحقيقة ان ازمة النظام هي اعمق من ان تحل من خلال مجموعة من السياسات الحمائية وخطة تحفيز مصممة على مبدا اقتصاد التساقط.

ومرة اخرى يبين ترامب ولائه للاغنياء من خلال سياساته في مجال رعاية الاطفال. حيث وعد باستثناء نفقات رعاية الاطفال من الضريبة. ان تكاليف الحضانة ورعاية الاطفال عالية في امريكا لذا فان الكثير من الاسر العاملة ليس بامكانها توفير الاموال المطلوبة لذلك فانها لاترسل اطفالها الى دور الحضانة بانواعها بما فيها حضانة ماقبل المدرسة. لذا ان هذه السياسة لاتحل المشكلة الاساسية للكثير من الاسر العاملة الفقيرة في امريكا واكثرها حاجة للمساعدة في تكفل رعاية الاطفال وهي عدم قدرتها على توفير الاموال المطلوبة في المقام الاول. وعادة ليس لهذه العوائل اي ضريبة فيدرالية على الدخل يكون بامكانهم خصم التكاليف منها. لذا فان خصم الضرائب على نفقات رعاية الاطفال لاتعنيها باي شكل من الاشكال.

فيما يخص باجازة الامومة، خطة ترامب تقدم 6 اسابيع فقط من ضمان البطالة وليس اجازة امومة مدفوعة الاجر. واجازة الامومة هي للنساء المتزوجات اللواتي ينجبن اطفال فقط حيث لاتشمل الامهات العازبات والامهات اللواتي يستخدمن الرحم البديل والذين يتبنون الاطفال وطبعا لاتشمل الرجال. فهذه السياسة هي تمييزية ومهينة وسيئة من الناحية الاقتصادية. اذا اظهرت الدراسات ان توفير اجازة مدفوعة للامهات الجديدات وليس للاباء هو ليس لصالح النساء لان هذا الامر قد يمنع اصحاب العمل من توظيف او ترقية النساء ويمكن ان يزيد الفجوة في الاجور بين الجنسين.

 

سيعمل دونالد ترامب أيضًا على إلغاء قانون التأمين الصحي المعروف باسم "أوباما كير" في أسرع وقت ممكن.

تشير بعض التوقعات بان 24 مليون شخص سوف يحرم من التامين الصحي بحلول عام 2021 في حال القدوم على هذا العمل وسوف تزيد تكاليف الرعاية الصحية. يجب ان نتذكر بان الولايات المتحدة تنفق 18% من اجمالي الدخل القومي على الصحة حيث بلغ في 2015 3.2 ترليون بمعدل 9990 دولار في السنة لكل فرد امريكي وهو ضعف ماتصرفه دول مثل بريطانيا واستراليا التي لها نتائج افضل في مجال الصحة لعموم المجتمع. السبب هو ان الرعاية الصحية بشكل اساسي يتحكم بها القطاع الخاص. سياسة ترامب هو تعزيز هذا التوجه وخدمة الاحتكارات في مجال الصحة التي تتالف من شركات التامين الصحي ،شركات انتاج الاجهزة الطبية والادوية ، المستشفيات ، والاطباء.

 

ووعد ترامب بخفض نسبة الجريمة والمخدرات والعنف عن طريق انشاء قوة خاصة للتعامل من الجريمة العنيفة وزيادة التمويل للبرامج التي تدرب وتساعد الشرطة المحلية؛ و زيادة الموارد لمؤسسات فرض القانون والنيابة العامة الاتحادية لتفكيك العصابات الإجرامية ووضع المعتدين وراء القضبان. هذا هو ماقاله كل الرؤساء في مجال الجريمة وهو ما نتوقعه من مرشح يميني.

حل الجريمة عند ترامب يعتمد على الموارد التي تصرف على فرض القانون وحجم جهاز الشرطة وغيره. اغلب الخبراء في هذا المجال متفقون بان للجريمة اسباب اقتصادية اجتماعية يتطلب مكافحتها في المقام الاول حلول اقتصادية واجتماعية. الطبقة العاملة الامريكية تؤدي ساعات عمل اكثر من الطبقة العاملة في اي بلد اخر حول العالم. وكان هناك 43 مليون امريكي يعيش في فقر في 2015 ومستوى الفقر هو اعلى بين الأمريكيين من أصول أفريقية ولاتينية وهم يعانون من ارتفاع معدلات البطالة وانخفاض معدلات التعليم وهذه المسائل الاجتماعية تحتاج الى حلول اجتماعية واستثمار اعلى في الانسان بدلا من تركها لميكانيزم السوق ومن ثم حلها من خلال القوة المفرطة والتي تزيد الطين بلة.

لقد وعد بترحيل المهاجرين " غير الشرعيين". هناك اكثر من احد عشر مليون مهاجر غير رسمي في الولايات المتحدة. لقد وعد في البداية بترحيل جميعهم ، وبعدها تحدث عن ترحيل 2-3 مليون. كما وعد بعدم منح تأشيرات الدخول إلى الدول الأجنبية التي لاتقبل باستقبال مواطينها من المهاجرين غير الشرعيين. حيث يقول ان ترحيل 2-3 مليون مهاجر سوف يوفر مثل هذا العدد من الوظائف للامريكيين.

اولا لانعلم اذا كان الامريكيون سيقبلون بتلك الوظائف. يجب ان نعلم ان المهاجرين " غير الشرعيين " يعملون في وظائف معينة هي شاقة ورتيبة ولاتتوافق مع نمط حياة مدني وصحي مثل البناء والمؤسسات الخدمية مثل الفنادق والمطاعم والمحال التجارية وغسل السيارات ومحلات الاكلات السريعة و التنظيف والبناء والزراعة. وهم يقبلون باجور وشروط عمل لايقبل بها المواطن الامريكي الذي ليس له مشكلة في شرعية بقائه في البلد. ترحيل المهاجرين سوف يجعل الكثير من الوظائف شاغرة وخاصة في القطاع الزراعي. الشركات التي تعتمد على عملهم سوف تكون محرومة من عمال يقبل بكل شيئ لسبب بسيط لانه لايمكنهم اللجوء الى الشرطة او النقابة اذا اغتصب حقه. في حال ترحيل هولاء المهاجرين على ارباب العمل العودة الى العمال المحليين الذين لن يقبلوا بنفس الاجور والشروط لان بامكانهم الاستفادة من القانون والنقابات. هذا سيؤدي الى رفع الاجور وهذا يعني زيادة اسعار البضائع والخدمات التي ينتجوها التي سوف تضر بالمواطن العادي وتقضي على اي زيادة في الاجور.

قسم من هذه النشاطات التجارية و الشركات سوف تعلن الافلاس والكثير منها سوف تقلص عدد العمال لتقليص النفقات وفي النهاية فان جميع هذه المحال والشركات والنشاطات التجارية سوف تعاني من نقص في الارباح وهذا سيحدد موقفها من ترامب وحكومته.

كما ان ترحيل 2- 3 مليون مهاجر يعني فقدان 2-3 مليون زبون في وقت قصير وهذا سوف يؤدي الى صدمة فورية للكثير من الشركات مما يعني انكماش الاقتصاد بمعدل 0.36 %-0.5%. ان ثلاث ملايين من المهاجرين هم جزء من السوق الامريكية حيث يأجرون مسكن و يشترون الغذاء والملبس وكل حاجات الحياة العصرية من ادوات منزلية وسيارات ووسائل الاتصالات كالتلفون النقال الخ. هذا يعني ان الالاف من النشاطات التجارية سوف تفقد زبائن ولايمكنها تعويضهم في فترة قصيرة جدا و هي الاخرى سوف تفلس او تقلص نشاطها الاقتصادي الى حد كبير. والتاثير سوف يمتدد الى عدد اكبر من الشركات التي تقوم بتوريد البضائع والخدمات الى هذه المشاريع .

من جهة اخرى ان ترحيل 2-3 مليون شخص الى المكسيك حيث ليس لهذه الدولة وظائف او ماؤى او رعاية من اي نوع لهم سوف يدفع عدد كبير منهم الى الجريمة وتجارة المخدرات وهذا يعني وجود دولة فاشلة على حدود امريكا وهذا ليس في صالح امريكا وسيكون له تكاليف باهظة على المدى الطويل.

هذا هو اسلوب النظام الرأسمالي وخاصة تحت حكم اليمين، فعندما يكون في ازمة يقوم بمعاقبة اكثر قطاعات المجتمع ضعفا. فالمهاجرون غير الشرعيون هم اكثر القطاعات التي تتعرض الى الاضطهاد والتميز.

لقد وعد ترامب ببناء جدار على حدود المكسيك. مثل هذا الجدار سوف يغطي اكثر من 2000 ميل وحوالي نصف هذه المسافة سوف تمر في اراضي خاصة سيتوجب على الدولة شرائها. وسيتعين بناء اجزاء منه في مناطق صعبة للغاية. والتقديرات تشير الى ان بناء مثل هذا الجدار سوف يكلف بحدود 25 مليار دولار.

قال ترامب سوف اعلن عن نيتي على اعادة التفاوض على النافتا أو الانسحاب من الصفقة بموجب المادة 2205. وقال سأعلن انسحابنا من الشراكة عبر المحيط الهادئ. ان المشكلة ليست في كون نافتا مثلا تخدم مصالح المكسيك او كندا اكثر من مصالح امريكا بل هي ان مثل هذه الاتفاقيات تخدم مصالح الرأسمال وخاصة في الدول الاقوى وفي هذه الحالة الولايات المتحدة وهي تضر بمصالح الطبقة العاملة في الدول المشمولة وخاصة الدول الضعيفة وهنا المكسيك. لاادري على ماذا ستتفاوض المكسيك مثلا. كما قلنا عندما يقوم ترامب بالتفاوض فانه لن يمثل معظم الشركات الامريكة فالشركات سوف تقوم بما هو في مصلحتها بغض النظر عن التاثير على البلد.

تعهد ترامب بأنه سينسحب من اتفاقية باريس حول المناخ وسيتم تحييد وكالة حماية البيئة. كما اعرب عن نيته عدم دفع مليارات الدولارات إلى الأمم المتحدة لبرامج مكافحة تغير المناخ. ويقترح ترامب رفع القيود على الاستثمار في كل احتياطات الامريكية لمصادر انتاج الطاقة بما فيه الفحم الحجري والنفط والغاز الطبيعي والفحم النظيف حيث يقول ان هذه الاستثمارات سوف ترفع اجمالي الناتج المحلي باكثر من 100 مليار في السنة و يجلب عائدات ضريبية بقيمة 14 مليار في السنة ويخلق اكثر من 500 الف وظيفة.

يكلف التغير المناخي الاقتصاد العالمي 1.2 ترليون دولار في السنة اي 1.6% من اجمال الدخل العالمي وهو يتسبب في وفاة مايقارب 400 الف انسان. ويؤدي تلوث الهواء نتيجة استخدام الوقود الاحفوري الى وفاة 4.5 مليون انسان في السنة. طبعا التاثير هو اكبر على الدول الفقيرة حيث يؤدي تدمير المحصول الزراعي بسبب المناخ المفرط الى الوفياة بسبب سوء التغذية والفقر والامراض التي ترافقها.

بدون مشاركة وتعاون امريكا فان الجهود العالمية لمنع ارتفاع حرارة الكرة الارضية اكثر من درجتين مئويتين سوف تفشل. ان خطة ترامب سوف تحكم على الكرة الارضية بتغير مناخي هائل بسبب تشجيع الاستثمار في الوقود الاحفوري والتحفيز الاقتصادي ومايعنيه من صرف كميات هائلة من الطاقة ليس في امريكا لوحدها بل في الدول الاخرى التي قد تجد نفسها مجبرة على القيام بالمثل.سيلحق ارتفاع الحرارة وماسيرافقه من ارتفاع منسوب المياة و الاحوال الجوية الافراطية مثل (الجفاف، والفيضانات، والعواصف الضخمة) اضرارا بالغة بالاقتصاد العالمي الهش اصلا، وسوف تثير المزيد من الاضطرابات السياسية والحروب.

من جهة اخرى ان الاستثمار في الوقود الاحفوري لم يعد بدون مشاكل. يعاني سوق الطاقة العالمي من زيادة معروض النفط والغاز. ادخال تكنلوجيا التكسير والطرق الحديثة لاستخراج الوقود الاحفوري قد ادت الى طفرة كبيرة في انتاج النفط والغاز الطبيعي من مصادر اعتبرت مسبقا غير ممكنة. ومع بروز تكنلوجيا التكسير قد تم استثمار مقادير هائلة من الاموال المقترضة في النفط والغاز الطبيعي والان تواجه الكثير من الشركات مشاكل نتيجة انخفاض سعر النفط والغاز. ففي ولاية نورث داكوتا بلغ انتاج الغاز الطبيعي في 2014 درجة بحيث اكثر من 36% من الغاز كان يحرق في الهواء للتخلص منه حيث لم يكن هناك سوق له. وحيث ان المعروض فاق الطلب لقد انخفضت الاسعار بشكل هائل ومعها انخفضت عائدات مقاطعة نورث داكوتا من القمة بمقدار 330 مليون في 2014 الى 80 مليون في بداية 2016 وبالنتيجة الكثير من القصبات التي شهدت ازدهارا هي الان في وضع اقتصادي سيئ..

تتوقع وكالة الطاقة الدولية ان تعود اسواق النفط الى وضع التوازن في عام 217 ولكن تتوقع ان يستمر فائض الانتاج في سوق الغاز حتى نهاية هذا العقد.

والطلب على الفحم الحجري قد انخفض بشكل كبير. ويعتبر تكسير الغاز الطبيعي اكبر عامل ساهم في انخفاض استخدام الفحم. كما ان ضعف الطلب الخارجي من دول مثل الصين وزيادة الطلب على مصادر الطاقة البديلة وزيادة الكفاءة في استخدام الطاقة تؤدي الى افلاس الكثير من شركات الفحم الحجري. لذا فان ازالة الضوابط التنظيمية والقوانين سوف لن تغير من اي من الظروف التي يفرضها السوق ولكنها سوف تدمر البيئة.

اذا اخذ بنظر الاعتبار كل هذا، من الصعب ان يكون بامكان ترامب خلق الملايين من الوظائف وسوف يكون لسياساته عواقب اقتصادية اكبر على هؤلاء الذين ايدوه اكثر من غيرهم. سوف يشاهدون معدل فائدة اعلى وخفض حاد في الخدمات الحكومية حيث ان فوائد القروض الالزامية على الدين الذي ينمو بسرعة سوف تضع ضغط على تمويل كل البرامج الحكومية الاخرى. يتوقع الكثير من خبراء الاقتصاد بان بحلول عام 2025 فان مردودات الدولة ستكون كافية لتغطية فوائد القروض والضمان الاجتماعي والرعاية الصحية بينما التعليم ، البنية التحتية، الامن الوطني، رعاية المحاربين القدامى وامن الداخل سيتوجب تمويلها عن طريق المزيد من الديون او عن طريق رفع الضرائب.

ضمن حدود النظام الرأسمالي، تاريخ امريكا اثبت ماكان فعالا في تحفيز الاقتصاد. ففي عمق الكساد الكبير قام الرئيس الامريكي روزفيلت تحت ضغط نقابات قوية والاحزاب الاشتراكية والحزب الشيوعي الامريكي لاول مرة بتوفير ضمان بطالة لكل عاطل عن عمل و راتب تقاعدي لكل من بلغ سن التقاعد وتوفير الرعاية الصحية والتعليم المجاني. وقام بتدشين برنامج توظيف حكومي اسفر في ايجاد بين 12-15 مليون وظيفة. والكثير من المرافق العامة والباركات والمساحات والمرافق العامة قد بنيت في عهد روزفيلت الذي تمكن من تحقيق كل هذا ليس من خلال خفض الضرائب بل رفعها الى معدلات تعتبر بمقاييس اليوم ضرب من الجنون. حيث ان لكل دولار كان الامريكي يكسبه فوق 25000 دولار في ذلك الوقت وهو مايعادل 380000 دولار في وقتنا الحاضر كان الرأسمالي يحتفظ ب 7 سنتات بينما كانت الدولة تستحوذ على 93 سنتأ.

منطقيا تحفيز الاقتصاد الرأسمالي يكون بزيادة دخل الطبقات الفقيرة لان اي زيادة محدودة في دخل الطبقة الفقيرة يعني ضخ المال في الاقتصاد فورا وتعزيز النمو. زيادة دخل الطبقة الفقيرة قد يكون على شكل ضمان اجتماعي او تمويل طوابع الغذاء اواعادة توظيف العاطلين عن العمل او زيادة الخدمات الاجتماعية الخ. ويمكن تمويل هذه الامور عن طريق زيادة الضرائب على الاغنياء. ولكن الطبقة الرأسمالية غير راغبة في القيام بشئ من هذا القبيل. وهي ربما غير قادرة لان معدل الربح هو منخفض بسبب المنافسة على المستوى العالمي وزيادة الضرائب سوف تجعل الرأسمال الامريكي اقل قدرة على المنافسة. العولمة تحدد قدرة البلدان على تحفيز الاقتصاد بالشكل الذي قام به روزفيلت. كما ان فرض مثل هذه الضرائب على البرجوازية لن ياتي بدون ضغط من نقابات ومنظمات عمالية قوية. لذا فنتيجة نجاح البرجوازية في اضعاف الطبقة العاملة وممثليها السياسيين قد خلقت شروط الازمة الحالية التي يتعذر حلها.

في وضع مثل هذا ستكون وظيفة ترامب الاولى تطبيق السياسات التي تديم وربما تعجل انتقال الثروة من الطبقة العاملة الى الطبقة الرأسمالية وهذا يعني المزيد من السياسات المعادية للطبقة العاملة ونمو مستوى اللامساواة وركود الاجور او حتى انخفاض الاجور الحقيقية.

فالمشكلة تكمن في الرأسمالية نفسها والحل هو تغيرهذا النظام. ان التطور الطبيعى للمجتمع الرأسمالي قد وصل الى مرحلة يصعب فيها حل معضلاته الاساسية. كما قلنا الانظمة الاقتصادية-الاجتماعية مثل النظام العبودي والنظام الاقطاعي تبرز وتزدهر وتتفسخ تم تندثر. يبدو ان النظام الرأسمالي هو في اخر مراحل تفسخه وليس بامكانه حل المعضلات الاساسية التي تواجهه. ترامب يود حل المعضلات التي تواجه النظام دون حتى نقد النظام وهو لذلك محكوم بالفشل.

مقالات