عادل احمد

الرأسمال.. وعملياته القذرة

يقول كارل ماركس في مقدمة كتاب "رأس المال" بأن دراسة البدن، ككل عضوي اسهل من دراسة خلية ذلك البدن. اي ان دراسة الخلية كتركيب عضوي اولي على الرغم من اعتبارها الجزء الاصغر من تركيب البدن ولكن معقد جدا وتكشف سر العمليات والوظائف في جميع انحاء الجسم واجهزته.

وهذا صحيح كل الصحة في مجال الاقتصاد السياسي وخاصة الاقتصاد الرأسمالي. ان كشف ظواهر الفقر والجوع والبطالة، الحروب والدمار، انعدام المساواة والعدالة الاجتماعية بين اجناس البشر، في النظام الرأسمالي ليس من الصعب تشخيصها وتعين اسباب اندلاعها. ولكن كشف الاسس والبنية التحتية والعوامل الاساسية لحدوث كل هذه الظواهر في النظام الراسمالي هي مفتاح السر لكشف كل ما يحدث حولنا. ان هذا الاساس في النظام الرأسمالي هو دراسة اصغر جزء والاكثر تداولا وهو الشكل الخلوي الاقتصادي "السلعة" وتحديد قيمتها الفعلية او ما يسمى بشكل القيمة التي تظهر به السلعة. ان عملية تجريد السلعة وكشف محتواها وتحديد قيمتها الفعلية يتم عن طريق كشف كل ملابستها ودراسة دقائق جزئياتها.

ان دراسة السلعة وتبان جزئياتها ودقائقها يعطيك سر الرأسمال وتراكمه. وان علاقاتها الاجتماعية وعملية انتاجها يعطيك المفهوم لشرح كل الظواهر في النظام الرأسمالي. هذا ما قام به كارل ماركس في كتابه "رأس المال". لنرى الصورة المبسطة لهذه السلعة وقيمتها الفعلية وجني الارباح من ورائها. من المعروف ان السلعة هي تحويل الاشياء الى القيم الاستعمالية لصالح الاستخدامات البشرية كالملبس والمأكل والمأوى والراحة الفكرية والبدنية. وان تحويل الاشياء في الطبيعة الى شيء قابل للاستعمال يتم عن طريق استخدام القوة العضلية والبدنية للانسان، اي مقدار العمل الضروري لتحويل الخام الى الاستعمال البشري. ان كل الخامات في الطبيعة لا تحمل قيمة ولا يمكن تعين قيمتها في باطن الارض طبقا لضرورتها، وانما يتم تحديد قيمتها عن طريق كمية العمل الضروري لاستخراجها وجعلها في متداول الانسان، ومن ثم تحويلها الى اشياء اخرى ضروري لعملية الاستهلاك البشري. وان هذا العمل الضروري اجتماعيا لانتاج السلعة لتكون في متداول الانسان يحدد القيمة لتلك السلعة. ولان في نظام الرأسمالي وسائل الانتاج تكون ملكا للرأسمالي والتي جاءت عن طريق تحويل الملكية الاقطاعية الى الملكية البرجوازية، فأن انتاج السلع يتم عن طريق الملكية البرجوازية لوسائل الانتاج.

بما ان الراسمالي مهمته هي انتاج السلع وبيعها في الاسواق، فيتم تنظيم كل العملية الانتاجية تحت امرته ووفق ضرورياته. لنرجع الى هذه السلعة التي يتم انتاجها عن طريق عمل الانسان وبيعها في الاسواق. قلنا بأن تحديد القيمة يقدر بمقدار كمية العمل الضروري لانتاجها، وهذه القيمة هي مقدار الطاقة لكل شخص مساهم في انتاج سلع ما، وان هذه القيمة هي التي تحدد سعرها في السوق. ولكن الاجور مقابل هذه الطاقة هي بمقدار الاكل والشرب والحفاظ على الجسم من البرد والحر، اي بكلمة اخرى جعل صاحب الطاقة ان تجدد نفسها ليوم اخر للعمل، وان يكون بمقدورها البقاء والتي يحددها الرأسمالي طبقا لظروف عملية الانتاج. اي ان القيمة التي يحددها الرأسمالي لتجديد طاقة العامل هي اقل بكثير من القيمة التي تحددها الاسواق. وفي بعض الاحيان تقريبا تكون القيمة اقل من نصف القيمة الفعلية المتواجدة اجتماعيا في الاسواق. فأن هذا المقدار الذي لا يدفع للعامل الخالق للسلعة بالكامل هو ما يسمى بـ"فائض القيمة" اي القيمة الزائدة التي يسرقها الرأسمالي من العمال فقط لكون وسائل الانتاج تابع لملكيته. علما ان وسائل الانتاج بحد ذاتها شانها شأن المواد الاخرى لا تخلق القيمة في تحويل الاشياء وانما العمل هي الذي يخلق القيمة، وحتى انتاج هذه الوسائل يحدد قيمتها العمل الانساني. ان القيمة الزائدة التي تسرق من عمل العمال اي مقدار العمل الغير مدفوع الأجر هي التي تخلق الارباح للرأسمالي. ان العامل يجد محصلة انتاجه في الاسواق بسعر مختلف كليا عن الذي يتقضاه في مصنعه او في مكان عمله.

لنوضح بأمثلة دقيقة، فأن عامل ما في شركة النفط لا يحصل على اجرته اليومية طبقا لانتاج كمية النفط المحدد قيمتها في السوق العالمية، وانما يحصل على ما يكفي لسد حاجاتها اليومية لبقائه حيا وان يكون قادرا على الاستمرار في انتاج هذه السلعة. لنقول ان سعر برميل من النفط في الاسواق العالمية هو 50 دولارا وان الكلفة الانتاجية الفعلية هي الكلفة المقسمة لكل عامل مساهم في هذا الانتاج. ولكن على ماذا يحصل العامل من هذه القيمة الفعلية في الاسواق؟ ان العامل في شركة النفط لا تتجاوز اجوره 500 دولار في الشهر اي ما مقدار قيمة عمله لعشرة ايام من القيمة الفعلية لانتاجه. وان محصلة قيمة العشرين يوما الباقية والتي تقدر بـ 1000 دولار لكل عامل من عمال النفط تذهب الى الرأسمالي سواء كانت الدولة او اشخاص. واذا كان عدد عمال شركة النفط يقدر بمئة الف شخص فأن مئة مليون دولار من انتاج النفط سوف تذهب للرأسمالي. هذا اذا تكون حصة كل عامل من انتاج النفط برميل واحد فقط في اليوم، ويتضاعف هذا الفائض في القيمة كلما ازدادت حصة كل عامل من عدد البراميل المنتجة يوميا. وان كل هذه الارباح هي من قيمة عمل عمال النفط الغير مدفوع الأجر. وان البرجوازية تحاول بكل الوسائل ان تحافظ على هذه العلاقة في سرقة عمل العمال.

ان السلطة البرجوازية سواء كانت برلمانية او استبدادية، قومية او دينية، او ليبرالية، فهي اداة لتنظيم هذه السرقة من قوة العمال اي جمع فائض القيمة من انتاج العمال اجتماعيا. وان الحروب والفقر والجوع كلها يمكن بحثها في علاقتها بأنتاج هذه الفائض من القيمة من قوة العامل. ان كل الحروب في النظام الرأسمالي هي من اجل توزيع واقتسام هذه السرقة، سواء بأحتلال الاسواق او بأحتكارها. وان تحويل هذه الملكية البرجوازية الى الملكية المشتركة اي اشتراكية وسائل الانتاج سوف تقضي على سرقة هذا العمل، وتقضي على سرقة فائض القيمة عن طريق انهاء العمل المأجور.

مقالات