سمير عادل

الدين في العراق ونموذج الفاتيكان

في المقال الافتتاحي السابق "العمال والاسلام الحاكم" أشرنا الى معاداة الايديلوجية الاسلامية بشكل سافر للعمال، وتحدثنا عن قمع الطبقة العاملة الساعية من اجل الحصول على حقوقها الاساسية في ظل الاسلام السني في السعودية والاسلام الشيعي في الجمهورية الاسلامية في إيران.

في هذا المقال نشير الى ان الدين لم يبق مثلما قال ماركس قبل اكثر من قرن ونصف هو افيون الشعوب بل أمسى قاتل الشعوب كما اشار أحد القادة الشيوعيين. لا نتحدث اليوم عن الدين وما فعل حملة رايته من جرائم في العالم، بل دعونا نتحدث عما يجري اليوم في ظل حملة رسالة الدين في العراق. فقتل العمال والبسطاء من الناس في المناطق التي ترزح تحت نير الفقر عبر التفجيرات الارهابية بزعامة داعش وتواطئ القوات الامنية، له دلالات سياسية عميقة. وعندما تقمع الحكومة اناس محتجين في ساحة التحرير قتل ذويهم عبر التفجيرات الانتحارية التي تقوم بها داعش وخرجوا للمطالبة بالحماية من الحكومة، تكشف دون اية مواربة عن قباحة الوجه الشيعي والوجه السني للدين. وكأن هناك تنسيق وتفاهم غير رسمي وهو كذلك بين داعش السنية وحكومة العبادي الشيعية.

بعبارة اخرى فقد امسى امن وسلامة الجماهير ورقة بيد حملة راية الدين لتحقيق مصالحها الحزبية والسياسية. ومن يجادل بأن الدين براء من هذا الارهاب سواء ارهاب الاسلام السني المعارض او ارهاب الاسلام الشيعي الحاكم، فعليه ان يصل الى نتيجة بأنه يجب اقصاء الدين عن حياة الدولة والمجتمع اذا اراد ان ينفذ بجلد عقيدته الدينية.

لنتخيل ماذا لو أقصى الدين عن الدولة والمجتمع في العراق؟ ماذا لو نقلنا كل القادة والشيوخ والملالي والائمة الاسلامين الى حدود جغرافية معينة بقدر مساحة دولة الفاتيكان، وهناك نعطي حرية لكل هؤلاء بأن يدلوا بدلوهم، وليس هذا فحسب بل سنعطي الحرية لهم بفتح فضائية خاصة بهم يسطروا كل تفاهاتهم واكاذيبهم ونفاقهم ودجلهم، فقهم وفلسفتهم؟.

لا يحتاج الرد على هذه الاسئلة، الكثير من العناء، فيستتب الامن والسلام، ومقدمة لسيادة تعريف البشر على اسس هويتها الانسانية. اذ ان الذريعة الطائفية، الهوية الطائفية التي تثبت حقانية الاطراف المتقاتلة تتفرغ من محتواها وتبطل مفعولها، وتتحول الى مادة للسخرية يتداولها المجتمع.

العمال بالدرجة الاولى، لهم المصلحة بالتخلص من الدين وايكال مسؤوليته الى شأن خاص بالافراد. لان دولاب القتل لم يسحق الى الان الا العمال، سواء عبر الابادة العشوائية لهم في التفجيرات الارهابية او سواء عبر تزييف وعيهم الذي زرعته العصابات الطائفية من داعش وتجنيد المئات من الشباب للموت في حرب غير مقدسة، حرب ليس سوى الدفاع عن الاوهام والاكاذيب والعدالة المفقودة. حرب من اجل ان يتحول ابو بكر البغدادي والقرضاوي واردوغان والجولاني والملك سلمان الى امراء وملوك وخلفاء، بينما لا يأكل العمال والكادحين الا الحصى والرمل مثلما يحدث للعمال في ظل الجمهورية الاسلامية في ايران.

ان الدين اصبح اكثر الأيديولوجيات الخطيرة في التفريق بين العمال بالدرجة الاولى ومن ثم بين البشر بشكل عام في العراق. وان ديمومته واستمراره مرتبط بدعم كل القوى المتحاربة فيما بينهم له. فاذا كانت القومية هي الترياق المفضل للبرجوازية في صراعها لتزييف وعي العمال وزجهم في اتون حربها القذرة في القرن العشرين، فأن الدين احل محل القومية ليلعب دورا اكثر وحشية واجرامية من كل تاريخ القومية منذ بزوغ فجرها قبل اكثر من قرنين من الزمان. واذا اخذنا العراق نموذجا، ففي ظل النظام البعثي كان يعرف العراق بجزء من الامة العربية، لان العرب هم الاكثرية السكانية حسب تصنيف القوميين العروبيين، وهكذا ابيد الناطقين بغير اللغة العربية، وسميت نسف ٣٠٠٠ قرية كردية واخفاء ١٨٠ الف شخص بعمليات الانفال تيمنا بسورة الانفال القرآنية. وبعد غزو واحتلال العراق تبادل الادوار بين القومية والدين، ليعرف العراق بأنه دولة شيعية جعفرية حسب ديباجة الدستور العراقي لان الشيعة يمثلون الاكثرية السكانية حسب الجماعة الجديدة التي استولت على السلطة. وتحت عنوان "يالثارات الحسين" شكلت العصابات الطائفية لتبيد عاثري الحظ من الذين ولدتهم امهاتهم بهويات سنية.

ان حرب داعش لا تنتهي بل تأخذ اشكال واسماء طائفية جديدة تكيف نفسها كما تكيف البكتريا اوضاعها مع المضادات الحيوية، كما ان سعي التحالف الشيعي في فرض اجندته السياسية الطائفية لا تنتهي ايضا. وكذلك سعي تحويل العراق الى دولة الخلافة الاسلامية، او الى الجمهورية الاسلامية لن يتوقف ابدا. وان ثمن تلك المساعي البربرية هو حياة العمال واسرهم، حياة النساء، حياة التحرريين، حياة الطلبة الذين انتفضوا في الديوانية ضد اسلمة الجامعات وتدخل عرابي الدين.

لا يمكن ايقاف تلك المساعي الا عبر النضال من اجل اقصاء الدين عن حياة المجتمع، وبغير ذلك فكل الاحاديث حول مؤتمر بغداد او التسوية السياسية او المصالحة الوطنية او المصالحة المجتمعية، هي مماطلة للتضليل من اجل اعادة انتاج سلطة نفس القوى الاسلامية. وان محتواها الحقيقي هو عقد صفقة سياسية مشبوهة تقوم بها القوى الاسلامية الحاكمة على تقديم تنازلات للاطراف القومية، من اجل خلق ظروف لترسيخ سلطتها وادامتها في النهب والسرقة.

ان الطبقة العاملة في العراق هي اكثر اقسام المجتمع بحاجة الى فصل الدين عن الدولة والتربية والتعليم، لأنه الوسيلة الوحيدة في ابطال مفعول هذه العبوة الناسفة لوحدتها وايقاف دولاب القتل في صفوفها. ان اولى الخطوات نحو الامن والسلام والحرية هو في اقصاء الدين بشكل قانوني وسياسي عن حياة المجتمع مثلما اقصي في اوربا

مقالات