قاسم علي فنجان

تفجيرات بغداد.. ((متفقً عليه))

 

في الادبيات الإسلامية إذا أتفق مجموعة من الرواة على حديث أو حادثة ما يقال "متفق عليه", والتفجيرات الاجرامية الاخيرة التي حدثت في بغداد وتحديدا في اماكن تواجد العمال (منطقة السنك التجارية, ومنطقة جميلة الصناعية, وتجمع العمال في ساحة 55)، وما خرج من تصريحات اعلامية لرئيس لجنة الامن في البرلمان ورئيس الوزراء واخرون, يؤكد وبلا ادنى شك ان هذه التفجيرات متفقاً عليها.

انه صراع يشتد بين فترة وأخرى داخل أطراف العملية السياسية الموبوءة, وعندما يشتد هذا الصراع, فالكل يعرف أنه سينزل إلى الشارع ليحصد ارواح الكثير الكثير من الابرياء, ودائما ما نسمعهم يستنكرون الاعمال الارهابية وينددون بها كعمل مسرحي يجب عليهم ان يؤدوه, مع أنهم الفاعلين أو المساهمين أو المشاركين به. لكن هذه المرة يحدث العكس, فالصراحة كانت هي السمة الغالبة على تصريحاتهم, وبدأوا يشيرون إلى الفاعلين, بل حددوهم, بل كادوا تسميتهم.

لقد اتفقوا على قتل المزيد من الابرياء, ليثبتوا ويتثبتوا في مراكزهم ومناصبهم, وهذا لا يحصل ولن يكون الا بإراقة المزيد من دماء العاطلين عن العمل والحمالين وعمال الأجور اليومية, وسيراق المزيد, الجميع يعلم ذلك, فالناس تقول دائما وبلهجة عامية مريرة بعد كل انفجار(عمي هاي انتخاباتهم اجت).

انها هزات نفسية قاسية ومؤلمة ومفجعة ورهيبة تلك التي نشاهدها, من تطاير لإشلاء الجثث وانهار من الدم تسيل من عمال بلغ بهم الفقر والعوز ان تركوا مدنهم بحثا عن عمل, ليأتوا ويبيتوا في شقق وفنادق لا توجد بها ادنى متطلبات الحياة, عمال يحاصرهم الموت من كل جهة, فأما أن يكونوا مسلحين ويموتوا في المعارك الطائفية الطويلة, أو يموتوا وهم ينتظرون عمل ما, وموتهم وأبادتهم هي حياة وتجديد حياة لهذه القوى السياسية القذرة, هو ذا جوهر قوة هذه العصابات السياسية ومحتواها, فنائكم بقائنا, موتكم وجودنا, قهركم فرحنا, ظلمكم سعادتنا, بؤسكم متعتنا, مأساتكم سخريتنا, حزنكم ودموعكم ضحكتنا.

أنه العذاب الذي ينتج المتعة, الموت الذي يولد السعادة, هو ذا منطقهم البائس عن عذابات الناس وآلامهم. فسيطرة السيف والعمامة لا يرتجى منها غير الموت والعذاب, ومهازل البلاط ومكائد المنطقة الخضراء التي اجربت وتصحرت من وجودهم, لا يخرج منها سوى الدمار والخراب, فحكمهم قد افسد اخلاق المجتمع. لقد جلب لنا التغيير الامريكي حكومةً وبرلماناً غاية في السفالة, حثالة, شلة من الاوباش, من الذين كانوا متشردين وقتله, جمع ممن لا شرف لهم لا بالمعنى الشرقي أو الغربي, خريجي سجون وحاقدين وهاربين من قضايا السرقة والارهاب, مجموعة من المشعوذين والدجالين والمتسكعين, فئة من قوادين واصحاب مواخير, والذين كانوا متسولين في اوروبا وامريكا, لن يكونوا نظيفين بملابسهم الجديدة والانيقة, فأوساخهم وقذارتهم قد ملئت الدنيا, أنهم نماذج سيئة وبائسة ومقرفة ونتنة, مجموعة مغتصبون وداعرون, خسيسون وانذال.

اربعة عشر عاما ونحن نئن من قذارتهم وفسادهم ودمويتهم.

اربعة عشر عاما وهم ينعمون بالسعادة والفرح والمتعة.

اربعة عشر عاما ونحن نتفكك ونتشرذم ونتشتت.

اربعة عشر عاما وهم يملئون جيوبهم بأموال نهبوها وسرقوها.

اربعة عشر عاما ونحن نتحطم ونهان وتداس كرامتنا.

اربعة عشر عاما ونحن نشاهدهم ونسمعهم كيف يفتون ويشرعون للقتل والسرقة.

اربعة عشر عاما ونحن في خوف من المجهول من القادم الذي صار بوجودهم سيئاً.

اربعة عشر عاما وهم يثرثرون لا لشيء الا ليستفزونا أكثر فأكثر.

اربعة عشر عاما ونحن نفكر بكل الطرق للهرب من هؤلاء الثرثارون التافهون.

أنه لبؤس كبير واحباط أن يأتي التغيير بأسوأ من السيء, أن لا يكون هناك أمل.

لكن سيبقى عمال السنك والثورة, وكل عمال العراق الشمعة التي ستنير هذا الظلام, سيظلون إلى الابد موضع التبجيل والتقدير والاحترام, وضحاياهم مثواهم في قلب الطبقة العاملة, ((أما جلادوهم, قتلتهم, فسيسمرهم التاريخ على منصة العار, ولن تجدي في تخليصهم منها جميع الصلوات التي يرددها كهنتهم)). ماركس

مقالات