نادية محمود

العنف في دويلات العراق

ان يعيش المرء في دولة يحكمها الاسلام السياسي، سيرى معدل القتل وسحق حقوق الانسان هو القاعدة، وغيره استثناء. ان يعيش المرء في دولة يطلق فيه العنان للقوانين العشائرية، سيرى اعمال الانتقام والقتل للناس فقط لان العشائر تعتقد ان لديهم الحق في الثأر والانتقام. ان يعيش المرء في دولة تحكمها لوردات الحروب، وميلشيات تتصارع من اجل النهب والسلب من اجل حصة اكبر في السلطة والثروة، سيرى كمية الدماء التي تسال دون حسيب او رقيب. وان يعيش المرء في دولة يحكمها قانون الغاب وتفرض فيها ارادة القوي على الضعيف، ليعرف ان سمة الدولة والمجتمع كله هي استباحة حياة الانسان ووأد ارادته. اما ان يعيش المرء في مجتمع يحتضن كل هذه الاطياف مرة واحدة، ويعيش كل هذه الاوضاع مجتمعة، ويرزح تحت حكم هذه القوى في ان واحد، فان نواقيس الخطر يجب ان تدق في كل زاوية وباب وشارع ومدرسة ومعمل ومستشفى بان هنالك دويلات تعيش وتعمل في اطار ما يفترض ان يكون دولة واحدة. ان هذا يشكل تهديدا حقيقيا لحياة الانسان ولحقوقه ولامنه البدني والنفسي والعقلي.
في هذا الاسبوع، وعلى سبيل المثال لا الحصر، تواردت الاخبار عن قتل عامل في احد المقاهي في محافظة الانبار على ايدي ابناء احد المسؤولين في تلك المدينة لانه تأخر في خدمته، فارداه قتيلا في الحال باطلاق اربعة رصاصات على جهة قلب العامل. في بغداد، قتل الشاب العشريني المثلي الميول انمار والمكنى بـ"انمار صالحية" على ايدي الميلشيات، عقابا له على تكوينه البايولوجي الطبيعي ولانه كان يبيع جسده. قال مقربون من انمار ان اعضاء من تلك الميلشيات مارسوا الجنس معه ليلا، واردوه قتيلا في النهار. عشيرتان في البصرة تقاتلتا وسقط منهما ثلاثة ضحايا.
ان اعمال القتل والافلات من العقاب هذه متأتية من غياب دولة بالمعنى الذي يحمي الحياة اليومية والروتينية للناس، بشكل يؤمن لهم الذهاب الى عملهم صباحا والعودة مساء بأمان. ان هذا هو نمط الحياة الذي تؤسس له تلك الميلشيات ومن احزاب السلطة ومن العشائر. نمط حياة شبيهة بحالة حرب، حياة يعيش المرء فيها تحت هيمنة سلطات متعددة وليست سلطة واحدة.
ولكن هل هذا الوضع حدث اتفاقا وبالصدفة؟ ان هذا النمط من ترتيب الوضع السياسي يعود الى حقيقة مؤداها بان الاحزاب الحاكمة في العراق قد "طورت" نموذجا للحكم، يتكون من بناء "شكل" دولة ودويلات الى جانبها. دويلات العشيرة والميلشيات والمرجعيات الدينية، كلها تعمل بعضها بجوار بعض. فاذا كانت الدولة لها دورا كأداة قمع بايدي الطبقة الحاكمة، لفرض ارادتها، ولقدرتها على استخدام العنف، كما يشرح ماركس وبدقة. فان ايجاد دويلات اخرى سيساعد تلك الاحزاب على ادامة وجودها على قيد الحياة. ان هذا ليس نموذجا جديدا وليس اكتشافا عراقيا محضا، بل نموذجا جرى "تطويره" من تجربة ايران. الا انه جرى تضبيطه بما يتناسب والصراع الديني والطائفي والقومي في العراق.
فالقوى الاسلامية في ايران بعد انتصار ثورة 1978، مضت الى تاسيس مؤسسات بجانب مؤسسات الدولة، لانها لم تكن واثقة من ادامة حكمها في السنين الاولى لما بعد الثورة. فقد جرى تأسيس الحرس الثوري الايراني الى جانب الجيش الرسمي، وجرى بناء مؤسسات اقتصادية بالغة الضخامة تحت اشراف حكم المرشد الاعلى مباشرة سميت بـ "المؤسسات"، جنبا الى جنب مؤسسات الدولة الصناعية. وفلسفة هذا النمط في الحكم السياسي هو لتأمين فرض الهيمنة وهو يعمل بالشكل التالي: ان جرى اسقاط الدولة رقم 1، او الدولة الرسمية، فان بامكان الدولة التي جرى تأسيسها الى جانب الدولة - الام، او لنقل الدولة او الدويلة رقم 2 بالسيطرة على الوضع واعادة مسك زمام الامور. انها تقتدي بفلسفة الرأسماليين الذين لا يضعون رساميلهم على مشروع واحد، بل في استثمارات مختلفة، فان فشل الاستثمار في مشروع الف، فان المشروع باء، قد يسعف الموقف...وهكذا.
هذه الاحزاب الميلشياتية والعشائرية في العراق تحتاج الدولة من جهة، باعتبارها اداة قمع، ولكنها تحتاج ايضا الى ان تكون حرة ومنفلتة العقال وغير مقيدة بالدولة التي اسستها. لذلك لا تشعر بالخطر من التهاون وتهميش دور الاخيرة بشكل عملي وفي ذات الوقت.
انه نمط ونوع جديد من الحكم.
في ظل هكذا اوضاع، من سيحاكم قاتل الشاب عامل المقهى في مدينة الانبار؟ انه ابن مسؤول، وتسانده العشيرة، ولديه موقعا في السلطة، وهو رجل مسلح مع جماعة مسلحة؟ من سيحاكم قتلة الشاب انمار، ان كان قتلته هم الميلشيات ذاتها التي هي جزء لا يتجزء من الدولة. لا احد! ان الشاب العامل والشاب انمار راحت حياتهما سدى! لان بامكان المجرمين الهروب من عقاب الدولة الاولى الى احضان وحماية الدولة الثانية، المجاورة، غير الرسمية. هنا يضيع القانون، وتعم الفوضى، ويصبح الخطر يهدد حياة كل انسان.
ان هذا يضع امام الطبقة العاملة والجماهير ونضالها تحديات جديدة لم تشهدها الطبقة العاملة في العراق من قبل. ففي احايين كثيرة تبدو الدولة غير الرسمية اكثر عنفا، ومباشرة بالعنف، واكثر انفلاتا من الدولة الرسمية، التي قد تجد انها يجب ان تتقيد، ولو بالشكل، بقانون او بدستور.
لذلك يجب الوعي، كل الوعي لخطورة هاتين "الدولتين" اللتين تشتغلان، لذات الهدف، وهي حماية مصالح الطبقة الحاكمة. من هنا، ان كان التصدي لسياسات ومطالبة الدولة بالاصلاحات، امرا لا بد منه، يجب الوعي كل الوعي بـ" سياسات" الدولة الثانية، او الدويلات، من ميلشيات واحزاب وعصابات، والعمل والتصدي للاخيرة بشكل لا يقل اهمية عن الصراع مع الدولة الرسمية.

مقالات