سمير عادل

-المصالحة المجتمعية- وسياسة التضليل

المصالحة المجتمعية" مقولة جديدة تدخل الى الادبيات السياسية للسلطة السياسية الحاكمة في العراق اسوة ب"العراق الجديد" و"العودة الى المربع الاول" و"المكونات" و"التسوية التاريخية" و..الخ. بيد ان اكثر المقولات تخفي ورائها اجندة سياسية مشبوهة وسياسة لتضليل العمال بالدرجة الاولى وتضليل الجماهير بشكل عام هي مقولة "المصالحة المجتمعية". هذه المقولة استخدمها العبادي ليرد على مشروع عمار الحكيم وهو التسوية اللاتاريخية لمستقبل سلطة الاسلام السياسي ومعارضيها في العملية السياسية ما بعد الانتهاء من الحرب على داعش. وأنظم الى مشروع "المصالح المجتمعية" مقتدى الصدر الذي ايده في مؤتمر صحفي مشترك بينه وبين العبادي قبل اكثر من شهر. واليوم ينظم اليه سليم الجبوري العضو القيادي في الحزب الاسلامي ورئيس مجلس النواب، ليعزفوا جميعا وفي جوقة واحدة "المصالحة المجتمعية".

لنتفحص ماذا يعنون بالمصالحة المجتمعية وماذا تخفي ورائها، والمصالحة بين من؟ وما هو اختلافها عن التسوية التاريخية لعمار الحكيم؟.

ان العراق ليس اكثر من سوق لمنافسة الحرامية واللصوص وعصابات المافيا. وكل ما يدور من خصخصة المصانع والتعليم والصحة والخدمات، هو بيع هذه القطاعات الى الشركات المرتبطة بأحزاب السلطة السياسية والتي اغتنت طوال هذه السنوات من سرقة اموال بيع النفط والفساد الاداري والمالي. وان نفس هذه الاحزاب مسؤولة عن تسويق الفكر الطائفي والقومي. فكما ان كل شركة تجارية او صناعية لها علامتها التجارية الخاصة ومسجلة في غرفة التجارة وغرفة الصناعة في بغداد، فأن الطائفية والقومية هي العلامات التجارية لهذه الاحزاب. ان الصراع اليوم مع داعش من قبل هذه الاحزاب ليس لان داعش منظمة اجرامية ووحشية ويجب دفنها في عمق التاريخ، بل لان داعش هو منافس جديد يريد ان يقتطع حصة هذه القوى السياسية في العملية السياسية من السلطة والنفوذ والامتيازات. ولذلك ان المصالحة المجتمعية التي يتحدثون عنها ليس مع الجماهير التي اكتوت بنار داعش وبين تلك التي اكتوت بنار حكومة المالكي الطائفية والعصابات الطائفية المنضوية تحت لواء الحشد الشعبي، لان الجماهير في كلا الطرفين هم ضحايا الصراع بين تلك القوى. ان المصالحة المجتمعية هي بين أطراف المافيا التي تحكم العراق، وهي محاولة لسحب البساط من تحت مشروع الحكيم.

ان النخبة السياسية الحاكمة بقيادة العبادي والصدر والجبوري تحاول تمرير المصالحة باسم العمال والجماهير الكادحة وتحميلها لمسؤولية كل الجرائم التي حدثت في العراق. اي بمعنى اخر ان "المصالحة المجتمعية" هي محاولة من قبل النخبة السياسية المذكورة بالافلات من المسؤولية التاريخية عن كل ما حدث ويحدث في العراق، والعمل في نفس الوقت لانقاذ بقية اعضاء النخب الحاكمة من اية محاكمة تاريخية عادلة امام المجتمع. ويبدو ان العبادي يتناسى بشكل متعمد عن كل خطابات رئيسه في حزب الدعوة نوري المالكي عندما ظل يردد اثناء قمعه للتظاهرات المنطقة الغربية بأن المعركة بين الحسين واليزيد، وكذلك يتناسى الصدر ماذا ارتكبت عصابات جيش المهدي من جرائم طائفية، ويتناسى الجبوري ايضا ما فعلت المليشيات الطائفية المدعومة والمرتبطة بالحزب الاسلامي، من اهوال وكوارث طائفية في بغداد والاعظمية والانبار وديالى وصلاح الدين. او هل ننسى كم عدد الشباب الذين علقت رؤوسهم على الاعمدة او دحرجت في وسط بغداد في منطقتي "الشيخ معروف والفضل"، او ادخلت ماكنة "الدريل" في عيونهم او عمليات القتل لأسرى سبايكر وما يدور من مسلسل الذبح الذي لم يتوقف الى الان.

ان النخبة السياسية تريد ان تسوق لنا بأن المشكلة في صفوفنا نحن العمال ونحن النساء ونحن الشباب ونحن التواقين الى الحرية. وانها تريد ان تصالح فيما بيننا وتعفي نفسها او تحاول الافلات من العقاب والقصاص العادي بتهمة تشوية الانسانية ومحو الهوية الانسانية عن البشر في العراق.

وهنا نريد ان نسجل موقفنا، بأن المصالحة المجتمعية، كما هي التسوية التاريخية للحكيم، والمصالح الوطنية لعلاوي ومعصوم، لا تخصنا ولا تشملنا، لاننا نحن العمال لم نكن جزء من الصفقة بين مافيات النخب السياسية، ولم نسرق السلطة عبر غزو والعراق واحتلاله وتقسيمه على اسس طائفية وقومية، ولم نشارك بأية عملية فساد ولم نكن جزء من عصاباتهم الطائفية، بل كنا ومعنا الملايين من مسحوقي العراق اما هدف للمليشيات الطائفية عبر التفجيرات والعمليات الارهابية والقتل على الهوية او عبر التجويع والافقار، وكان اخرها سياسية التقشف التي فرضها العبادي، صاحب مشروع "المصالحة المجتمعية".

واخيرا ان الحرامية واللصوص والمافيات ليس بإمكانهم جلب الامن والسلام والحرية والرفاه الى المجتمع، وان مشاريعهم مثل المصالحة المجتمعية وغيرها، ليس اكثر من محاولة لابرام صفقات سياسية مشبوهة فيما بينهم وتقديم تنازلات لبعضهم لإدارة الازمة السياسية في العراق وليس لحلها.

ان خلق مجتمع آمن يكون عبر تأسيس دولة على اساس الهوية الانسانية، هوية المواطنة، دولة تفصل الدين عن نفسها، وهي الكفيلة بانتزاع الدين والطائفية كسلاح من داعش والمليشيات والاحزاب الطائفية، دولة تقدم كل المجرمين التي لطخت اياديهم بدماء الجماهير الى محاكمة علنية، فلا تقادم على ارتكاب الجرائم. وكما كتبنا في مناسبات ان مشروعنا هو دولة علمانية وغير قومية، والغاء قانون ٤ الارهاب، وتقدم التعويضات لكل ضحايا الارهاب والمليشيات، وحل كل المليشيات، وإطلاق سراح جميع الموقوفين بذريعة قانون الارهاب وتقديم المدانين الى محاكم علنية. انها مقدمات لبناء مجتمع آمن ويعمه السلام والحرية.

مقالات