عادل احمد

في انتخاب ترامب، من هو الخاسر؟

لاشك ان صعود ترامب الى قمة السلطة في الولايات المتحدة الامريكية، أثار موجة من الاعتراضات في اوساط البرجوازية الامريكية والعالمية على حد سوا، وكذلك بين الطبقة العاملة الامريكية والعالمية ايضا. فصعود ترامب جاء متزامنا مع ازمة الشرق الاوسط وتخبط الاوضاع السياسية والاقتصادية وانعدام الافاق الواضحة لرسم ملامح عالم اليوم، بعد افول الزعامة المنفردة لامريكا كقوة عالمية بلا منازع وفشل سياساتها في ميادين عديدة وخاصة في الشرق الاوسط. ان صعود ترامب الى السلطة لا يأتي من قوة برنامجه السياسي امام منافسيه، بقدر ما يكون تعبيرا عن السياسة الواجب اتخاذها من قبل الطبقة البرجوازية الامريكية بلا غطاء من اجل فرض استبداد الراسمال على العمل.

تعالت اصوات المدافعين عن الديمقراطية في امريكا والعالم بأن انتخاب ترامب كرئيس لدولة العظمى كونها سوف تقوض العملية الديمقراطية التي يفتخر بها الغرب وتعرضها للخطر، ان هذه الاصوات المناهضة لترامب لا تخاف من كون الاستبداد والقمع والعنصرية والفاشية سوف تحلق في سماء امريكا لاربعة سنوات قادمة وتضيق الخناق على الشعب الفقير في امريكا، بل وفي الحقيقة تخاف من كشف جوهر الديمقراطية الحقيقية لعامة الشعب وبطلان اعتبارها مرادفا لحرية. ان ما قام به ترامب وحزبه الجمهوري لترشيحه لمنصب الرئاسة هو حقا اتخذ في نطاق العملية الديمقراطية الاكثر تطورا في العالم ، ونجح ضمن نفس شروط العملية الديمقراطية والدعاية السياسية وليس عن طريق الانقلاب السياسي او العسكري. ان صعود فاشية ترامب عن طريق العملية الديمقراطية هي هذه الصورة التي يخاف منه انصار الديمقراطية الغربية. ويكون هذا عبئا ثقيلا عليها وتحتاج الى جهود عالية كي تفصل اعمال ترامب الفاشية والعنصرية عن الديمقراطية وتجميل وجه الديمقراطية من جديد امام الشعب.

ان عملية وصول ترامب الى السلطة كان في ادق تفاصيل الديمقراطية ولم يخالف اية من شروط العملية الديمقراطية. اعلن ترامب عن برنامجه السياسي بوضوح وشفافية اثناء الحملة الانتخابية وصرف اموالا طائلة للدعاية السياسية وفاز باكثرية اصوات الناخبين، وانتظر استلام السلطة عن طريق نقل السلطة من سلفه بطريقة الديمقراطية. اذن ليس هنالك ادنى شك بأنه جاء عن طريق الديمقراطية الى السلطة. ولكن ما يخافه انصار الديمقراطية هو ان كل الاعمال الغير انسانية التي سيقوم بها ترامب خلال سنواته الاربع في السلطة قد تشوه صورة الديمقراطية البرجوازية امام انظار عامة الشعب. وبدأت حقا الان في اوساط الاعلام لتوصيف ترامب او ما يسميه بـ"الشعبوية" الحكام والاستبداد السياسي، وتحاول ان تظهر ترامب كرجل وشخص وقح ومستبد وفاقد للدبلوماسية السياسية. وتحاول ان تفصل الديمقراطية عن الصفات الشخصية وسلوكه السياسي. ان هذه المحاولات قد بدأت لتجميل صورة الديمقراطية وتقبيح ترامب وسياساته كعمل فردي. ولكن ما من شك بأن ترامب يمثل اتجاه سياسي في اوساط البرجوازية الامريكية وحتى مع بعض الاختلافات في اوساط البرجوازية الغربية ايضا. ان برنامج ترامب السياسي هو تعبير عن جوهر مصالح الرأسمالية الامريكية في ظل الازمة الاقتصادية العالمية ومحاولة الخروج من هذه الازمة بطريقة وطنية. وهذا يتطلب اولا ان يبرز كوطني ومخالف للهجرة وثانيا يحاول جلب كل الاستثمارات والرأسمال الامريكي الى داخل امريكا من اجل التنمية، والتي في الوقت الحاضر تستثمر في بلدان اخرى مثل المكسيك والبرازيل والصين، والتي تساعد التنمية الاقتصادية في تلك الدول مع الربح الخيالي في الارباح للرأسمالي الامريكي عن طريق رخص القوة العاملة في تلك البلدان. ان برنامح ترامب السياسي ما هو الا الدفاع عن الراسمال بشكل صريح وبلا غطاء، لانه شخصيا كرأسمالي علمه السوق عن هذا النمط في العمل وكسياسي لا يحتاج الى الغطاء كي يمرر سياساته ودفاعاته عن فرض الرأسمال على العمل بشكل واضح وصريح. ومن هنا تأتي مخاوف انصار الديمقراطية الغربية من سياسات ترامب. ان الديمقراطية كنظام سياسي ما هي الا ما يعبر عنه ترامب. اي الديمقراطية هي سياسة فرض ديكتاتورية البرجوازية على الجماهير الفقيرة والمحرومة، العمال والكادحين. ان في انتخاب ترامب والذي لا يختلف عن هيلاري كلنتون الا بالشكل، كانت ضربة للديمقراطية الغربية وصورتها والتي حاولت من بعد الثورة الفرنسية وحتى الان ان تعتبرها مرادفا للحرية والمساواة وحاولت ان توصفها بحكم الشعب للشعب. وفي الحقيقية لم يكن الا حكم الطبقة البرجوازية على الطبقة العاملة والجماهير الكادحة.

ومن طرف اخر ان كل هذه الفاشية والعنصرية والهجمة الغير انسانية لترامب هي في الحقيقة موجهة بالضد من للطبقة العاملة والجماهير الكادحة والانسانية. وعن طريق سياسات الفاشية والعنصرية سوف تفرض الاستغلال على الطبقة العاملة الامريكية، وهي طريق لتشديد العمل وساعات العمل الطويلة وتقليل الخدمات الاجتماعية وتوسيع رقعة البطالة. ان السياسة الوطنية التي ينتهجها ترامب وحزبه الجمهوري ما هي الا سياسة غير انسانية بالضد من حقوق العمال والحركة العمالية. ان بث روح التفرقة والعداء بين مكونات الطبقة العاملة الامريكية، وخاصة من الاصول اللاتينية والشرق اوسطية مع بقية العمال وتفتيت صفوفها، هي احدى معالم سياسات ترامب والجمهوريين في الوقت الحاضر.

ان الوقوف في وجه الفاشية والعنصرية والسياسات الغير انسانية لحكومة ترامب تكمن في. اولا، نتقد الديمقراطية البرجوازية واوهامها وتعريفها كسلطة البرجوازية وكديكتاتورية الرأسمالية على الشعب عن طريق الانتخابات. وان الديمقراطية ما هي الا تداول السلطة بين طبقة الاغنياء من اجل استغلال قوة عمل الطبقة العاملة لتراكم الربح الرأسمالي. وثانيا، على الطبقة العاملة الامريكية ان تنتهج التقاليد النضالية لاصنافها القدماء، مثل عمال شيكاغو واضراباتهم وتحدياتهم وبطولاتهم في المنظمات العمالية الثورية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. ان تغير الاوضاع لصالح الطبقة العاملة والجماهير الفقيرة يأتي عن طريق العمل الثوري، وليس انتظار التغيير من الحكومات البرجوازية المتعاقبة سواء من الجمهوريين او الديمقراطيين.

مقالات