نادية محمود

ملاحظات على مؤتمر الاتحاد العام لنقابات العاملين في العراق الاخير في بغداد

عقد الاتحاد العام لنقابات العاملين في العراق مؤتمره الثاني يوم 20 / 1 / 2017 في العاصمة بغداد تحت شعار "يد تعمل ويد تحارب الارهاب". ان انعقاد مؤتمرات عمالية بالنسبة لنا كشيوعيين، امر يبعث على الفرح، ويجعل المرء يتطلع الى مناقشاته، قراراته، اهدافه، وخططه المستقبلية، حيث ان الطبقة العاملة وقواها الاشتراكية هي التي ستحطم النظام الرأسمالي وستبني نظاما اقتصاديا قائما على انهاء الاستغلال والمساواة.

الا ان شعار المؤتمر "يد تعمل ويد تحارب الارهاب" يدفع المرء الى ان يتساءل، الى اي حد تمكنت الاتحادات العمالية من صياغة برامجها وخطط عملها وشعاراتها بشكل مستقل عن الطبقة الرأسمالية الحاكمة؟ بتفحص جزئي الشعار الذي رفعه المؤتمر "يد تعمل" و"يد تحارب الارهاب"، يمكن للمرء ان يستنتج بسهولة بان هذا التجمع العمالي المؤتمر هو فصيل ملحق بالطبقة الرأسمالية، يفتخر بما هو ليس عائد له. ولم نسمع منه ما يريده العمال انفسهم لانفسه.

يقول الجزء الاول من شعار المؤتمر "يد تعمل".. السؤال هو لمن تعمل هذه الـ"يد"؟ ان النظام الذي نعيش تحت همينته الان، في العراق وفي كل انحاء المعمورة هو النظام الرأسمالي، وان اصل العلاقة بين الطبقة الرأسمالية -سواء كانت دولة او قطاع خاص او مختلط- وبين العمال، هي عقد يقيمه الرأسمالي مع العمال من اجل ان يحقق ارباحا. ان العلاقة ينظمها الرأسمالي كعلاقة بيع وشراء، يشتري الرأسمالي فيها قوة عمل العامل كسلعة كما يشتري قطعة الارض، والمواد الخام، والمكائن، ووقود الطاقة من اجل انتاج بضاعة قابلة للبيع، بضاعة يجلب له، بيعها، ارباحا. والا فأن الرأسمالي، سواء دولة او قطاع خاص، او عام، ليس مؤسسة خيرية، وليس فاعل خير. انها مصالح مادية.

من جهة اخرى، العامل ليس لديه القصد ان يكون "يدا للانتاج" او "يدا تعمل" كمتطوع ومتبرع. العامل مضطر الى ان يبيع قوة عمله ليعيش. وسعر هذه السلعة يتحدد بما تحتاجه قوة العمل او ما يمكن للعامل من ان يعيد انتاج قواه لليوم الثاني ليكون مستعدا للعمل ايضا.

في هذه العلاقة يبيع العامل قوة عمله ولا يجني على القيمة الكاملة لقوة العمل التي باعها، بل جزءا منها، وجزء قليلا منها، حيث القيمة الاكبر من مردود عمل العامل يستولي عليها الرأسمالي على شكل ارباح، عبر السيطرة على فائض القيمة. لذلك، يفعل الرأسمالي كل ما بوسعه من ان اجل انتزاع اكبر ما يمكن من السلعة التي اشتراها، اي قوة العمل التي اشتراها، يقوم بتقليل الاجور، اي اي تقليل سعر وقيمة عدد الساعات التي يعملها العامل، من اجل ان يوسع، مقابلها ويزيد قيمة الساعات التي تذهب اليه كفائض قيمة، كارباح، يزيد ساعات العمل، يشدد من وتيرة العمل، يسرق من الوقت المخصص لهم للطعام او الراحة، يسيء معاملتهم، يجعلهم يعملون في اوضاع غير صحية، او يطردهم من العمل، ان اراد. انهم سلعته التي اشتراها، ويملك الحق للتصرف بها. خاصة في وضع لا توجد فيه قوانين تحمي العمال، وتفصل بين المشتري والبائع - الرأسمالي والعامل.

 

فهل هنالك ما يدعو للفخر في هذا الاعلان/ الشعار؟، بحيث يرفع شعارا لمؤتمر عمالي؟ هل هنالك ما يسعد المرء في هذه العلاقة اصلا؟.

ان شعار "يد تعمل" هو شعار لطمأنة الطبقة الرأسمالية، بان هنالك وفرة من هذه السلعة المعروضة للبيع (قوة العمل) تحت تصرف الرأسمالي، الذي لديه سلطة اعلى في هذه العلاقة. فهو الذي يضبط هذه العلاقة. من ان هنالك ما يكفي للرأسمالي من ان يجنيه كأرباح، من شراء تلك القوة التي لم يدفع الا جزءا من سعرها للعامل، فلا قلق للطبقة الرأسمالية ولا هم يحزنون.

 

بدلا من ان تقدم النقابات العمالية واتحاداتها "تطمينات" للطبقة الرأسمالية، من المهم ان تلتفت الى امورها هي، ان تحدد ما تريده هي، وتشخص ما تعاني منه، وتصوغه في مطالب، وترفعه في شعارات. ان عمالة الاطفال، البطالة المليونية التي بلغت 85% من القادرين والقادرات على العمل، قوانين الضمان الاجتماعي، الاجور المتفاوتة بين النساء والرجال، توفير مستلزمات النساء العاملات من دور حضانة للاطفال، هي بعض من مطاليب العمال والعاطلين عن العمل اليوم، هي اجزاء ما يتوجب على العمال الالتفات اليه والتركيز عليه.

اما المقطع الثاني من الشعار وهو "يد تحارب الارهاب" مرة اخرى، يتضح ان الرسالة التي يمكن للمرء استشفافها من قراءة التقارير المحدودة التي صدرت عن المؤتمر هي ان الطبقة العاملة، قد انضوت مرة اخرى، تحت يافطة وخيمة نفس الاحزاب التي جلبت الارهاب والتي تدعي الان "محاربة الارهاب"، في الوقت الذي كان يجب ان يفصل العمال صفهم عن صف القوى والاحزاب الراسمالية التي اصبحت "طبقة "عبر سيطرتها على السلطة السياسية، وتبيان اي مصير اسود زجت تلك الاحزاب المجتمع فيه.

ان الذين قتلوا، قتلوا نتيجة سياسات هذه الاحزاب وصراعاتها على تقاسم الحصص والثروة والسلطة بتبنيهم نظاما قائما على اساس التقسيم الديني الطائفي القومي. فان تحدثت هذه الاحزاب عن "محاربة الارهاب"، يجب ان يستوقف العمال بشكل اخص دعاية الحرب هذه. حيث انهم دفعوا ويدفعون ثمنها كل يوم نتيجة هذه السياسة. ان العاطلين عن العمل جرت تعبئهم في الميلشيات المتقاتلة، اما العاملين فانهم يدفعون ضرائبا من رواتبهم الشهرية بقيمة 4.8% الى الحشد الشعبي والى النازحين، والى الدولة ذاتها لتقوم بمهامها الادارية المتعلقة بهذه الامور. يدفع العمال ضرائبا في الوقت الذي فيه اجورهم اساسا قليلة، ويعيشون مصاعب اقتصادية ليست بقليلة..

ان القضاء على الارهاب لا يكون بالانضواء تحت خيمة احد تلك الاطراف ضد الاطراف الاخرى، بل يجب القضاء على الارهاب ومن الجذور، والذي لا يمكن ان تنطلي على العمال، ان الاحزاب التي دفعت بالمجتمع الى هذا المصير،لا يمكن ان تكون عاملا وعنصرا لحمايته من الارهاب.

لقد جرى تقسيم المجتمع على اسس طائفية وقومية ودينية، والحال ان التقسيم الوحيد الذي يجب ان نركز عليه جميعا عمالا واشتراكيون هو التقسيم الطبقي بين الرأسمالية والطبقة العاملة. وعدا عن ذلك، ما هو الا افتعال هويات تخدم في المطاف الاخير مصالح الطبقة السائدة لادامة سيادتها، وللعمال عدم الوقوع في هذه الافخاخ التي تنصبها لهم الطبقة الرأسمالية الحاكمة.

مقالات