سمير عادل

العمال والطائفية

في هذا المقال، سوف لن نتطرق الى حقوق العمال، ولا الى قرارات حكومة العبادي ووزارته للكهرباء التكونقراط، التي افضت الى الطرد الجماعي لعمال كهرباء الزبيدية في الكوت كعقوبة على احتجاجهم لانهم طالبوا بالأجور وتثبيت العقود، سنتناول الجانب الذي يؤلم دائما رافعي رايات الطائفية والقومية.

عندما قررت وزارة الكهرباء الطرد الجماعي لعمال الكهرباء الزيدية لم تسأل الوزارة، عن اي من العمال سني واي منهم شيعي، أو اي عامل منهم عربي او اي منهم كردي، اي عامل منهم مسيحي واي منهم مسلم، واي عامل منهم ايزيدي واي منهم شبكي او صابئي. لقد كانت العقوبة بالجملة وبغض النظر عن تصنيفاتهم القومية او الطائفية.

وعندما خرج عمال الكهرباء للاحتجاج، لم يفكروا للحظة ان الوزير المصان الذي قرر طردهم بالجملة، هو من القائمة الشيعية او القائمة السنية، من جماعة التيار الصدري او من حزب الدعوة، من المجلس الاعلى او من بدر، من القائمة العراقية او من اتحاد القوى، نقول لم يفكر العمال قبل ان يخرجوا للاعتصام كي يقدموا ولائهم الطائفي والقومي للوزير المعني. اما الذي اخرجهم للأضراب هو الجوع والظلم والاجحاف الذي وقع عليهم. لقد توحدوا في صف واحد ضد صف اللصوص التي اختفت عنهم العناوين الطائفية في مواجهة العمال.

الوزارة لا تبال، لا من قريب ولا من بعيد بتصنيفاتها الطائفية في المعركة بين الحكومة وبين العمال، وليس في وارد حسابتها تلك التصنيفات التي حولت العراق الى بحر من الدماء ومرتع للعصابات والمليشيات الطائفية وفي ظلها وبجاهها نعيش سيلان الانفلات الأمني ومسلسل الفساد ودوامة التصفيات الجسدية والتعذيب والاختفاء القسري والقتل على الهوية.

ومنذ التقسيم السياسي للعراق على الاسس القومية والطائفية، فجميع تلك القوى في العملية السياسية تدفع لترسيخ الوعي القومي المزيف والوعي الطائفي القذر في صفوف المجتمع. وعندما كنا نتحدث عن الاهداف الخفية وراء استهداف اماكن سكن ومعيشة وعمل العمال وخاصة في الفترة الاخيرة من قبل عصابات داعش، كنا نعي ما نقوله، اذ ان تشويه وعي العمال كفيل بتشويه وعي المجتمع برمته. فمنقذ الطبقة البرجوازية الفاسدة في العراق بحاكميها ومعارضيها، بشيعيها وداعشيها، هو العمال، لانهم الاداة في دوران دولاب الانتاج وخاصة النفط، وفي نفس الوقت اي العمال هم الوقود في ديمومة محارقها وعصاباتها ومعاركها الطائفية والقومية المزيفة من اجل اقتسام الثروات. ان كل اشكال الظلم الطائفي والقومي والديني التي تمارس في العراق هو من اجل انتزاع الارباح والثروات، على حساب امن وسلامة ومعيشة وحياة العمال في العراق.

لننظر الى الحجج التي تذرعت بها وزارة الكهرباء التي قامت بفصل العمال المضربين والذي تجاوز الـ ١٠٠٠ عامل، هي "الضائقة المالية، والظروف الصعبة التي تمر بالبلد، والحرب على الارهاب". ولكن من يقدر ظروف العمال التي هي اكثر صعوبة وقساوة من ظروف البلد؟ فلديهم اطفال جياع ينتظرون في البيت ولديهم حاجات مادية من اجل ابقائهم فقط على قيد الحياة. فحجج اللصوص والحرامية الحاكمة في السلطة وفي المعارضة هي نفسها، وجميع تلك الحجج تؤدي الى قتل العمال اما جوعا او تصفيتهم جسديا، ففي الموصل يقتل داعش العمال واسرهم اذا هربوا من جحيم حربه او طالبوا بوقود للتدفئة، بحجة الحرب على الكفار والرافضة واعداء الاسلام، وهكذا فعل البعث القومي الدموي في اول اشهر استلامه للسلطة عندما فتح النار على اضرابات عمال الزيوت النباتي في تشرين الثاني من عام 1968، بحجة تخريب الاقتصاد الوطني والتآمر على الامن القومي. واليوم يقتلون العمال جوعا، بطردهم من العمل والتنصل من دفع اجورهم بحجة ظروف البلد الصعبة والحرب على الارهاب. اليس الجميع هم اعداء العمال، فبينما يتفقون على اعادة تقسيم الثروات والسلطات كما جاءت بالمبادرة الفاشلة لعمار للحكيم "التسوية التاريخية"، في حين لا يجلسون مع العمال لإعطاء حقوقهم. وهنا نطرح سؤالنا الممل جدا، لماذا لم يقدر اعضاء البرلمان ظروف البلد والحرب على الارهاب عندما سرق المالكي المليارات من الدولارات وبقيت خزائن العراق خاوية حالما غادر السلطة؟ والجواب ايضا بسيط ومكرر ولكن نريد اطراب مسامع الذي يعولون على الانتخابات وعلى هذه القوى التي ستعيد انتاج نفسها اما بالمليشيات او بالأموال المنهوبة او بالتزوير، لان الجميع حرامية، ووجودهم في البرلمان لشرعنة كل الاعمال اللصوصية التي تجري على قدم وساق في العراق. لقد سرقوا خيام واكل ومساعدات النازحين، فأي رجاء ينتظر من اولئك الذي يصعب وصفهم او تصنيفهم بالخانة البشرية.

ان الدرس الذي يجب ان نتعلمه نحن العمال من الفصل الجماعي لعمال كهرباء الزبيدية، بأن الوعي الطائفي الذي نفخ به كل السنوات المنصرمة هو وعي قذر وزائف ومشوه، كما كان الوعي القومي العروبي، الغرض منه هو تفتيت وحدة العمال لعدم مواجهة البرجوازية التي تحكم العراق اليوم بايدلوجية طائفية، كي تستمر باستغلالنا وسرقتنا ونهبنا. ان الفارق بين داعش والتحالف الشيعي واتحاد القوى هو التصنيف الطائفي، بينما الفارق بيننا نحن العمال في الزبيدية او القطاع النفطي في البصرة او معامل سمنت كربلاء او في مصانع الاسكندرية او الجلود او في معامل الطابوق في النهروان او في شركة نفط كركوك وسمنت بازيان..الخ هو تصنيفنا عمال، وهو تصنيف طبقي، وهو التصنيف الانساني لنا. وليتوجه نصال نضالنا ضد عدو طبقي واحد في المنطقة الخضراء او خلف المتاريس في الموصل، ويحاول ان يغير ثيابه وجلده لإيهامنا وخداعنا، بأن البرجوازية السنية اذا حكمتنا افضل من البرجوازية الشيعية، كي يزجنا ضد بعضنا البعض تحت المصنفات الطائفية والقومية من اجل زيادة ارباحهم وثرواتهم واستمرار سلطتهم.

مقالات