نادية محمود

هل بالقضاء على داعش سينتهي -داعش-!

يعيش اهالي المنطقة الغربية في مدينة الموصل في حرب لا سابقة لها منذ اعلان العبادي عن شن حملة على هذا الجانب من المدينة في التاسع عشر من هذا الشهر لـ"تحريرها" من هذا التنظيم. الحرب تشن في المدينة القديمة بشوارعها الضيقة واحيائها الفقيرة، واسواقها الشعبية واضعة حياة 750 ألف مواطن من ضمنهم 350 الف طفل تحت نيران القصف من كلا الجانبين.

رغم معرفة الجميع بان الحرب في هذا الجانب من المدينة سيكون الاكثر شراسة والاكثر وحشية، حيث تتموقع عصابات داعش وارهابييه، والتي حشدت كل ما بوسعها من اجل الدفاع عن هذه المنطقة التي تعد اهم معقل من معاقله، الا ان ألسكان ابلغوا من كلا الطرفين بوجوب البقاء فيها. لقد القيت ملايين المنشورات من الطائرات على المدنيين تنص على ان القوى المحررة قد جاءت لنجدتهم، وان عليهم ابداء التعاون مع هذه القوات. اما داعش فقد استعمل كل ما بوسعه ليمنع الناس من المغادرة من اجل استخدامهم كدروع بشرية، وحيث كان يتمركز ما يقارب الستة الاف عنصر من عناصر هذا التنظيم.

لقد احتلت داعش بيوت المدنيين وحولتها الى ثكنات عسكرية باخراجها للناس من بيوتهم وتنصيب معداتهم العسكرية على سطوحها، حطمت الجدران والفواصل بين البيوت حتى يتاح لاعضائها التنقل من بيت الى اخر، ناهيك عن بناءها شبكة من القنوات تحت الارض لتسهل امر تنقلها ومناوراتها. اضافة الى استخدامها العمليات الانتحارية، واعمال التفخيخ والتفجير، والاعتماد على التحرك ليلا اكثر من النهار في اعمالها الاجرامية. اما الحكومة فقد اعلنت بانها تريد تمشيط المدينة بيتا بيتا وشارعا شارعا وزقاقا بعد زقاق، اضافة الى الاسناد الجوي من قبل القوات الاميركية، لتحرير هذا القسم من المدينة.

رغم ان هنالك عشرات الالاف من الناس يسعون للخروج من تلك المصيدة التي وقعوا بها، الا ان داعش زرع المدينة بالالغام لاجل ايقاف الناس من الخروج، ولاجل وضع عراقيل امام خصمهم من القوات العراقية. انتهى الامر بان الاغلبية العظمي من الاهالي وقعت في كماشة الحرب بين قوات داعش الارهابية والقوات التي تحاربها.

اهالي الموصل الان محاصرون في هذه المدينة، فالاسواق مغلقة، ولا مواد غذائية تصل اليهم، حيث قطعت الطرق عليهم، والخطر محدق الان بان لم يمت الناس بسبب القصف، فانهم معرضين للموت بسبب الجوع.

في هذه الايام، لن تسقط الضحايا من داعش بل سيقتل معهم الالاف ايضا من المدنيين المحاصرين في تلك المدينة ومن كلا الجانبين. واذا كانت الحرب على الجانب الايسر قد استغرقت ثلاثة اشهر لـ" تحريرها" وسقط الالاف من الضحايا، وهجرت ألاف اخرى، ولازال يتعرض لهجمات بين حين واخر لجماعات داعش، فأن من المعلوم ان الجزء الايمن سيستغرق شهورا اطول.

السؤال هو: هل فعلا بالقضاء على داعش، سيقضى على "داعش"!

ان داعش لم يلد ولم يأت من خارج العراق، داعش كان نتيجة اوضاع الحرب والوجود الاميركي في العراق وظهور القاعدة، والسياسة الطائفية التي رأى التيار القومي العربي ممثلا بحزب البعث انه جرى تهميشه في السلطة، وحلول الطائفية وهيمنة الاسلام السياسي الشيعي بدلا من القومية العربية، كايديولوجية لدولة مابعد 2003، ودخول ايران كقوة منتصرة الى العراق بعد تلك الحرب.

ان داعش ليس "عصابة"، بل جزء من طبقة رأسمالية ريعية تهيمن على المناطق الغربية في العراق والتي تسعى الى الحصول على حصصها وتصديرها النفط بعيدا عن الحكومة العراقية، كما اراد اثيل النجفي من اذار 2014، وجني الثروة بفرض "الجزية" على المجتمعات التي تحكم، والاتاوات والابتزاز من الاعمال التي تقدر بملايين الدولارات قبل احتلالهم الرسمي لمدينة الموصل وتأسيس دولتهم الاسلامية. طبقة لن تستلم، وهي المسنودة من قبل دور الجوار، ليكون لها حصة في الحكم والثروة والسلطة، بل ستغير تاكتيكها فقط.

لن يقضى على داعش بالقضاء على "دولة الخلافة الاسلامية". ان تفجيرات بغداد في الاونة الاخيرة وتصعيدها هو اعلان عن تبني استراتيجية جديدة ومختلفة عن تأسيس "دولة خلافة اسلامية" لجمع لازال يريد حصة في الحكم تحت اسم "المكون السني"! مقابل "المكون الشيعي"!

ان السبيل الوحيد والحقيقي للخلاص من داعش ليس بعمل عسكري بل باقتلاع جذور الطائفية والاسلام السياسي واحلال دولة غير دينية وغير قومية في العراق بارادة جماهير العراق، التي تصارع وتنازع من اجل الخلاص ليس من داعش فحسب، بل من هيمنة احزاب الاسلام السياسي الطائفية التي ولد داعش كرد فعل عليها. والقضاء على الفساد السافر والذي لا حدود له، حيث ارتبط اسم وتاريخ الطبقة الحاكمة في العراق على امتداد اربع عشر عاما بالفساد والنهب والسلب مقابل الافقار والبطالة والجوع والتشرد والنزوح والحروب.

ان حسم مسألة داعش مرتبطة بانهاء هذا السيناريو المظلم من الفساد والطائفية وحكم الاسلام السياسي والتيارات القومية الذي كان اخر صفحة من صفحاتها هو ظهور داعش.

مقالات