سمير عادل

في يوم المرأة العالمي.. تشويه تأريخي وتحريف سياسي متعمد

 

ليس يوم المرأة العالمي هو يوم احتفال او عيد المرأة كما تروج لها سائر الاحزاب والقوى والحركات النسوية البرجوازية الفمنستية، ومنظمات تعرف نفسها بمنظمات المجتمع المدني التي تدور في فلك السياسات البرجوازية وتروج لافكارها ومعتقداتها حول المرأة، وتنظم وتسعى وتعمل بجد لتسويق فكرة ان يوم المرأة العالمي هو "عيد المرأة"، وليس يوم الاحتجاج والنضال ضد التمييز الجنسي الواقع على المرأة.

ان جذور يوم المرأة تعود الى احتجاجات واضرابات العاملات وخاصة في قطاع النسيج في الولايات المتحدة الامريكية في منتصف القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، والتي رفعن فيها شعارات تخفيض ساعات العمل الى 10 - 8 ساعات ورفع الاجور. بيد ان البرجوازية بجميع تياراتها، الليبرالية والديمقراطية والقومية والاسلامية، لا يروق لها يوم المرأة العالمي بأنه يوم احتجاج، وليس يوم احتفال ولا هو عيد المرأة التي ترزح تحت كل اشكال الظلم الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، ولا يقض مضجعها سوى اممية اليوم، حيث تخرج الملايين من نساء العالم يد بيد يرفعن شعار واحد ضد التمييز الجنسي، ويتوحدن في صف واحد مع رفاقهم العمال ضد الطبقة البرجوازية، التي هي ذي محتوى واحد في استغلال النساء ومعاملتها من الدرجات الدنيا، ولكن الاختلاف بينها فقط بالدرجات.

وحتى الحركة الفمنستية، فيوم المرأة العالمي بالنسبة لها، ليس هو يوم احتجاج ضد النظام الطبقي الذي دون تمييز وظلم سواء كان جنسيا او عرقيا او قوميا لا يمكن له الاستمرار وادامة حياته، ولا هو يوم رسخت جذوره في تأريخ الحركة الثورية للمجتمع البشري قادتها المرأة العاملة، ولا هو يوم انهاء ظلم المرأة المرتبط بأنهاء النظام الرأسمالي، بل ان رجعية تلك الحركة تكمن بحرف الانظار عن سبب ظلم المرأة وحصرها بالرجل، وكأن القوانين والقضاء والتشريع من صنع الرجال الصالحين او غير الصالحين، وليس من صنع الطبقات المالكة الحاكمة وبما تتناسب مع مصالحها المادية. انها بالنتيجة تحاول انقاذ النظام الرأسمالي من توجيه حراب نضال المرأة والطبقة العاملة تجاهه.

في العراق، اراد التيار القومي البعثي الالتفاف على يوم المرأة، فمن جهة حاول طمس هذا اليوم ورمزيته وامميته، ومن جهة ثانية اراد الحفاظ على الشكل والمحتوى الرجعي لحزب البعث الذي يقود التيار القومي في العراق. فقد ابتدع يوم ٥ اذار الذي سماه بيوم المرأة العراقية، الذي لا يدل الا على المحتوى القومي بتبني "العراقية" وفصلها عن الجانب الاممي للحركة النسوية، وطمس المحتوى النضالي ليوم المرأة. ويكفي ان نستعرض بشكل مختصر وسريع تاريخ التيار القومي الذي حكم العراق، كأحد اجنحة البرجوازية، فعند حال اشتداد الازمة الاقتصادية عليه بسبب تكاليف حربه القومية مع ايران، حتى انقلب على منجزات المرأة، فتحولت خطابات زعيمه صدام حسين الى خطابات داعية اسلامي كما خطاب اردوغان تركيا اليوم، فطلب من النساء عدم مزاحمة الرجال في سوق العمل، والتفرغ لتربية الاطفال، كما اصدر قوانين ترشيق الدولة في منتصف الثمانينات الذي سرح بموجبها الاف من النساء من الوظائف دون اي ضمان اجتماعي، وفي 1991 اصدر قرار ١١١ لمجلس قيادة الثورة التي يجيز بموجبه قتل المرأة من قبل ذويها لمجرد الشك بها، وفي عام ١٩٩٦ اطلق الحملة الايمانية التي دفعت النساء بالقوة للحجاب وفرض الزي الاسلامي عليها في قطاعات الدولة والتحريض في الجوامع والمساجد ضد النساء، ونتج عنه رش ماء النار او حامض النتريك المسمى بالعامية "التيزاب" على النساء اللواتي لا يلتزمن بالزي الاسلامي وخاصة في المناطق الغربية من العراق. فظهور الحجاب وزي البراقع والخمار الذي فرض على النساء في العراق ونشاهده اليوم، هو نتاج التيار القومي العروبي وحملته الايمانية المسعورة بعد منتصف التسعينات.

اما التيار الاسلامي الذي يحكم اليوم في العراق، فيوم المرأة العالمي اكثر الايام حالكة بالظلام عليه، ولم يجلس ساكن اسوة ببقية التيارات البرجوازية، فقد حاول محو يوم المرأة العالمي من تاريخ المجتمع العراقي، بأحلال ميلاد "فاطمة الزهراء" زوجة الخليفة الرابع علي بن ابي طالب كيوم للمرأة، وبقدر ما هو محاولة لتفريغ المحتوى النضالي ليوم المرأة العالمي، فبنفس القدر هو سعي محموم الى جانب مساعيه الحثيثة في ترسيخ الطائفية في ذهنية المجتمع. فكما يعرفه الجميع ان الهوية السياسية والايديلوجية للتيار الاسلامي بكل اطيافه، هو تكبيل المرأة واستعبادها وتحويلها الى سلعة جنسية واداة لتربية الاطفال، وان يوم المرأة هو احتجاج واعتراض ضد هذه العبودية وانهائها، واحلال المساواة الحقيقية المطلقة بين المرأة والرجل.

بعبارة اخرى ان مساعي جميع الحركات البرجوازية في يوم المرأة تصب جميعها في قلع هذا اليوم من جذوره الطبقية، والتعمية على اساس الظلم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والقانوني على المرأة الذي هو ظلم طبقي سافر.

في يوم المرأة نقول ان الملايين من النساء في العراق اللواتي يمارسن العمل المنزلي، هن جزء من الطبقة العاملة، وان ثمرة عملهن في تربية الاطفال وادارة شؤون البيت، يسرق بشكل سافر من قبل الدولة كما يسرق فائض عمل العمال في المواقع الانتاجية والخدمية، وعلى الطبقة العاملة والحركة النسوية ان تدرج دفع اجور العمل المنزلي في لائحة مطالبها.

في يوم المرأة نقول ان تحرير المرأة في العراق يكون بتمزيق الدستور الطائفي، وقوانين احوال الشخصية والبطاقة الوطنية، وسن دستور علماني وقوانين تكفل المساواة التامة والمطلقة للمرأة مع الرجل وانهاء كل اشكال التمييز الجنسي والعرقي والقومي من تلك القوانين.

ان قضية المرأة هي قضية الطبقة العاملة والحركة الشيوعية، وان تحقيق مطلب المساواة التامة او المطلقة على جميع الاصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية للمرأة مع الرجل ترتعد منها البرجوازية بكل تياراتها في الغرب او في الشرق، لان بمساواة المرأة مع الرجل يعني ضرب قلعة استثمار الانسان للإنسان الذي يقوم عليه عالمنا المقلوب.

مقالات