عادل احمد

في ذكرى كومونة باريس.. السلطة الطبقية للعمال امر ممكن!

تمر هذه الايام الذكرى السنوية لكومونة باريس اول حكومة عمالية في التاريخ. وتمتاز هذه المحاولة من قبل العمال الباريسيين بتجربتها الغنية من الناحية العملية، وبخبرتها النظرية واستخلاص الدروس من نقاط قوتها وضعفها. ان اول من قام بتقييم هذه الحكومة العمالية كان من قبل كارل ماركس وفريدريك انجلز ومن ثم طبق لينين دروس هذه التجربة في ثورة اكتوبر الاشتراكية في روسيا. لا اتطرق الى هذه الدروس والتجارب واود ان احث القاريء الى ان يراجع تلك المصادر في المكتبة العمالية والماركسية. ولكن ما يهم جوهر موضوعي هنا هو عن كيفية امكانية استلام السلطة من الاسفل ومن الطبقات المحرومة والية استمرار هيمنتها وتغيير محتوى سلطتها، في ظل الظروف الحالية والعالمية للطبقة العاملة وقوة الرأسمال العالمي وسطوته وهمجيته وبربريته.

النظرة الى التجربة النضالية لكومونة باريس تبين ولادة اول نموذج انساني والشكل الراقي لتدخل الجماهير في أدارة شؤون حياتهم بأنفسهم، وهي التجربة المجالسية والتي استطاعت ان تدير السلطة لاول مرة من قبل الطبقات المسحوقة مباشرة وبأرادتهم وان تعكس المصلحة الطبقية. ان هبة العمال الباريسيين يوم 18 من اذار عام 1871 للقيام بأنتفاضة واستلام السلطة السياسية كانت نتيجة مرحلة معينة من النضال الطبقي في فرنسا. وان بلوغ الصراع الطبقي الى النهاية الفاصلة بأسقاط الامبراطورية البرجوازية واستعداد الطبقة العاملة لأستلام السلطة السياسية والطبقية لصالح العمال والمحرومين في المجتمع. وان هذا التكليف بالسلطة ادى بالضرورة الى ولادة اول نموذج اداري وسياسي واقتصادي من قبل الناس انفسهم وبشكل واعي لادارة حياتهم بأنفسهم وبشكل ارادي لتحديد مصيرهم. ان هذا النموذج هو السلطة المجالسية والتي طورت فيما بعد في الثورة الروسية عام 1971.

ان ولادة هذا النموذج في كمونة باريس لم يكن مخطط له من قبل او من قبل المنظرين وفعالي الحركة العمالية انذاك امثال الماركسيين والبرودونيين والبلانكيين داخل الحركة العمالية، بل كان النتيجة الحتمية لسلطة العمال الباريسيين وكيفية ادارتها. واصبح فيما بعد الشكل التنظيمي المجالسي مقترن بنضال العمال السياسي والاقتصادي امام البرجوازية ونظامها الديمقراطي والبرلماني. اي ان المجالس هي الشكل الانسب لتدخل الطبقات السفلى من العمال والكادحيين للدفاع عن مصالحهم واهدافهم. ان هذه التجربة كانت التجربة العملية لتبيان امكانية استلام السلطة السياسية من قبل الطبقة العاملة.

هل بأمكان الطبقة العاملة استلام السلطة في ظل الاوضاع والمتغيرات العالمية؟

ان الاجابة السريعة والحاضرة من الناحية النظرية ومن ناحية التجربة التاريخية موجودة على الاقل في الحركة الشيوعية والعمالية العالمية. ولكن عندما ننظر الى الاوضاع العالمية وحركة الرأسمال العالمي من جهة وضعف الحركة العمالية والشيوعية العالمية من جهة اخرى، يتبين لاول وهلة بأن استلام السلطة من قبل الطبقة العاملة واسقاط سلطة البرجوازية من الصعب جدا بل يشبه المستحيل. لكن اذا نظرنا من امكانية واستعداد الطبقة العاملة وموقعيتها الطبقية في الصراع الطبقي، واذا رأينا الطاقة الكامنة للطبقة العاملة في التأثير على سير الاحداث العالمية، لرأينا الامكانية الكاملة لاستلام الطبقة العاملة السلطة السياسية. ان تطور القوة المنتجة وتمركز العمال اكثر في المراكز الصناعية، مقارنة مع زمن الكومونة وكذلك التجربة النضالية للطبقة العاملة في الصراع الطبقي مع البرجوازية، تبين ان استلام الطبقة العاملة السلطة السياسية امر ممكن وواقعي. ويتبين كذلك بأن الشكل التنظيمي لهذه السلطة السياسية وهي المجالس العمالية (السوفيتات)، هو الشكل الانسب والاكثر تطورا وحضاريا واكثر ديمقراطية من جميع الاشكال التنظيمية للسلطة السياسية في التاريخ حتى الان. ان تجربة المجالس لتنظيم المجتمع في جميع مجالات الحياة والمشاركة المباشرة لافراد المجتمع في أدارة شئونهم بشكل جيد تكمن فقط في التنظيم المجالسي.

ان استلام الطبقة العاملة السلطة السياسية اولا مرتبط بالوعي الطبقي للطبقة العاملة، ومن ثم ممارسة هذا الوعي في الشكل التنظيمي المجالسي اليومي لاستخدام ارادتها الانسانية والسياسية في نضالها ضد الرأسمال. اي ان نواة السلطة تبدا من اليوم الاول لنضال العمال اليومي وحتى يوم الانتفاضة واستلام السلطة السياسية. اي ان لو كانت حركة المجالس موجودة قبل قيام الكومونة كشكل تنظيمي للعمال لكان مصير الكومونة اتخذ مجرى اخر مختلف عما حدث، لان هذا الشكل التنظيمي تكمن في طياته ادارة جميع امور الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعسكرية. ان كل شيء يحدث ويقرر من قبل الناس انفسهم وبأرادتهم. هذا ما علمتنا التجربة في كمونة باريس واصبحت فيما بعد النموذج الطبقي والانساني والاكثر راديكالية في التنظيم والنضال الطبقي. ولهذا فأن الطبقة العاملة العالمية مديونة لتجربة العمال الباريسيين في الكومونة واشكالها التنظيمية والسياسية، واصبح الواقع العملي لاظهار امكانية استلام السلطة وادارتها من قبل العمال انفسهم وضرب الوهم بمفهوم الدولة البرجوازية وتبيان محتواها الطبقي. وهذه التجربة تبين بأن استلام السلطة السياسية من قبل الطبقة العاملة امر ممكن وضروري. وحتى في ظل الاوضاع الحالية بأمكان الطبقة العاملة استلام السلطة السياسية، مادام تجربة حركتنا العمالية غنية بالنضال الطبقي والمجالسي والتي الهمت من التجربة السياسية والتنظيمية من كومونة باريس

مقالات