عادل احمد

بريكست ومستقبل القارة الاوروبية والطبقة العاملة

في استفتاء 23 من حزيران 2016 صوت الناخبون البريطانيون لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي. وان هذه العملية سميت بـ"البريكست" اي خروج بريطانيا. وان هذه العملية حسب رأي السياسيين الاوروبيين تشبه بعملية الطلاق، وعملية الطلاق يجب ان تحظى برضا الطرفين ويجب ان تتناول حقوق الطرفين والالتزامات المترتبة على كل طرف. قدمت بريطانيا طلبا رسميا الى الاتحاد الاوروبي بتفعيل المادة 50 من قوانيين الاتحاد هذا الاسبوع، بشأن هذا الطلاق السياسي او ما يسمى بالمفاوضات بين الطرفين. وتزامنا مع هذا الطلب من قبل بريطانيا، اجتمع قادة الاتحاد الاوروبي في روما للاحتفال بالذكرى السنوية الـ60 لتأسيس الاتحاد الاوروبي ولكن بدون بريطانيا حول مستقبل الاتحاد الاوروبي وتداعياته. وفي هذا المؤتمر تمسكت جميع الدول الـ 27 المنضوية في الاتحاد الاوروبي بتقوية الاتحاد، والعمل من اجل العمل المشترك لخدمة جميع البلدان الاعضاء في الاتحاد.

 

ان خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي قد أضعف هذا الاتحاد سياسيا واقتصاديا الى حد ما وأثر على استقرار اوروبا التي تمتعت به طوال عشرات السنيين، بعد الحرب العالمية الثانية من الثبات السياسي والاقتصاد المستقر. ولكن بخروج بريطانيا تنعكس فوائده على المانيا وروسيا بشكل كبير. ان المانيا حاولت طوال تاريخها الرأسمالي، الهيمنة على اوروبا سواء بتحالفاتها السياسية وتوسع امبراطوريتها او عن طريق الحربين العالميتين الدمويتين الاولى والثانية. ولكن بخروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي اعطت الفرصة لالمانيا لمحاولة الهيمنة السياسية على القارة الاوروبية بقوة اقتصادها العملاق وبلا منازع في اوروبا، واغراق اكثرية الدول الضعيفة اقتصاديا بالديون واخضاعها تحت جناحها مع عدم وجود الرادع البريطاني - الامريكي من الان فصاعدا. ان اوروبا بزعامة المانيا هي الحلم السياسي الذي ناضلت من اجله الطبقة البرجوازية الألمانية طوال تاريخها الحديث. واذا كانت المانيا قد خسرت حلمها هذا عن طريق حروبها في الماضي، فأنها قد تربحه الان سلميا كما يقول مايكل هيزلتاين السياسي واللورد البريطاني عن طريق اقتصادها القوي وبلا منازع في الاتحاد الاوروبي. ان الخلاف السياسي بين المانيا والولايات المتحدة في الاونة الاخيرة على عدد من المشاكل السياسية والاقتصادية، يعكس هذا الواقع بأن المانيا ترى نفسها صاحب اوروبا او على الاقل ترى لنفسها الحق في الهيمنة السياسية على اوروبا.

 

اما بالنسبة لروسيا فأن الاتحاد الضعيف سياسيا وعسكريا قد يخدم مصالحه بسهولة، لان روسيا العسكرية في الجانب الشرقي من اوروبا، قد تخضع بلدان عديدة تحت رحمتها وتحت تهديداتها العسكرية كما في زمن القياصرة. ان وجود روسيا القوية عسكريا قد يسهل الهيمنة السياسية على اوروبا بدون بريطانيا وامريكا. وبما ان بريطانيا خرجت من الاتحاد الاوروبي فأن الضغط الامريكي على الاتحاد الاوروبي خرج معها ايضا. وان هذه العملية استفادت منه روسيا اكثر من غيرها وها هي الحكومة الروسية تحاول أن تؤثر على المصير السياسي للحكومات في الاتحاد الاوروبي، عن طريق دعمها للاحزاب اليمينية المتطرفة كي تفوز في الانتخابات او على الاقل يكون لها ثقلها السياسي في ترسيم سياسات تلك الدول. بأمكان روسيا ان تلتهم اوروبا بالكامل بشكل مفاجيء وخاطف عن طريق هيمنتها العسكرية، ونهوض نزعتها القومية من جديد وهيمنها السياسية على الشعب الروسي. ان التحدي الروسي للحلف الاطلسي عسكريا في بعض الاماكن وتفوقها قد يضعف اعتماد الدول الاوروبية على الحلف الاطلسي، بل بالعكس قد يجعل الاعتماد على الدفاعات الروسية لتحمي مصالحها بأعتمادها على القوة الروسية المتنامية في القارة الاوروبية والعالم. ان زمن الحلف الاطلسي والهيمنة الامريكية قد ولى. وهذا ما تريده روسيا في حلمها وهيمنتها على القارة الاوروبية.

 

ان الطبقة العاملة الاوروبية تواجه هذه الصورة في مستقبل القارة الاوروبية. من جهة تواجه هيمنة الطغمة المالية للامبريالية الالمانية ومن جهة أخرى تواجه هواجس الطغمة العسكرية للامبريالية الروسية. ان الهيمنة السياسية والمالية الالمانية على اوروبا تعني كما قلنا اغراق اكثرية الدول الاوروبية بالديون، اي اخضاع العمال في هذه البلدان الى ظروف وشروط عمل شاقة وقاسية، اضافة الى توسيع رقعة البطالة والفقر والجوع كما رأينا بوادرها في اليونان واسبانيا وبولندا وقسم من دول اوروبا الشرقية. ان مستقبل الطبقة العاملة الاوروبية مرهون بتعاملها السياسية والتنظيمي مع الطغمة المالية الالمانية بمساعدة فرنسا. اذا لم تستقظ الطبقة العاملة الاوروبية من سباتها اللاثوري في مواجهة هذه الطغمة المالية والامبريالية، فأنها قد تواجه مستقبل قاسي وتعاني من الويلات مثلما عانت اثناء الحربين العالميتين الدمويتين. وكذلك تواجه الطبقة العاملة الروسية والاوروبية عدم الاستقرار السياسي اذا تحقق الحلم الروسي في هيمنته العسكرية والسياسية. ان مخاطر التهديد العسكري يحوم شبحه يوميا على رؤس الطبقة العاملة الاوروبية ويزداد عدم الاستقرار السياسي والتوازن العسكري في هذه القارة. لا يوجد خيار امام الطبقة العاملة الاوروبية امام التهديد العسكري الروسي وتهديد الطغمة المالية الالمانية، الا بالنهوض بوجه هذه التهديدات عن طريق اتحادها الطبقي وتنظيم نفسها بشكل ثوري ومواجه جميع هذه المخاطر بشكل واعي وطبقي.

 

مقالات