سمير عادل

كركوك في مهب الترهات القومية

 

لنتخيل فقط ان مدينة كركوك ليس فيها قطرة نفط، هل كانت تتحول الى واحدة من الشعارات القومية المركزية للأحزاب القومية الكردية مثل "كركوك قدس كردستان، او كركوك قلب كردستان، او كركوك قدس الاقداس"؟ او صوت البرلمان العراقي بأجماع الكتل الشيعية والسنية والعروبية والمدنية على منع رفع اي علم باستثناء العلم العراقي على مباني محافظة كركوك؟ الجواب بالنسبة للأغلبية المطلقة من العمال والمحرومين في مدينة كركوك، يمكن ان نستشفه منذ عام ٢٠٠٣ في كركوك حتى يومنا هذا. فكركوك لم تختلف عن مدن الوسط ومدن الجنوب، ولا شيء يميزها بالرغم من أنها كانت حتى قبل عامين تحصل على البترو دولار. فالبطالة هي العنوان الرئيسي للمدينة التي تعلوا فوق الشعارات القومية والاعلام الوطنية التي لا تسمن ولا تشبع الجياع، لتقصم ظهر سكان كركوك، والشوارع التي عبدت بأموال البترو دولار بدأت تتهاوى خلال ثلاث سنوات من عمرها بسبب سرطان الفساد الذي يسير ويمشي ليلا ونهار في جسد المجتمع العراقي، وهناك عشرات الازقة والمناطق تملئها القاذورات واكوام من الزبالة وخاصة في المناطق المصنفة بمناطق ناطقي اللغة العربية مثل ١ حزيران على سبيل المثال لا الحصر، اما عمليات الخطف والقتل والاغتيالات هي سيناريوهات تعد وتنفذ، وفي مد وجزر في المدنية، حسب المعادلات السياسية والصراعات المحلية

.

٨٠٠٠

موظف وعامل في القطاع الحكومي، قاموا باحتجاجات قبل اسبوعين في مدينة كركوك يطالبون بنقل رواتبهم من اقليم كردستان الى بغداد، بسبب قطع الاخيرة الرواتب عن موظفي اقليم كردستان منذ عامين لعدم حل الخلافات السياسية حول بيع النفط، على الرغم من ان معظم اولئك الموظفين والعاملين هم من ناطقي اللغة الكردية. ما نريد ان نقوله ان اهالي مدينة كركوك بما فيهم الذين يريدون سوقهم وقودا في المزايدات السياسية ودغدغة مشاعرهم القومية، لا يهمهم لا من قريب ولا من بعيد اي علم يرفع على المباني الحكومية في المدينة، فالأمر الحياتي والملح بالنسبة لهم هو قوتهم وقوت اسرهم واطفالهم. اي بعبارة اخرى ان الراية القومية التي يدور الصراع حولها لا تهم الجماهير، بل تهم تلقيم اسلحة الاحزاب القومية الايديلوجية والسياسية بالترهات والخرافات القومية، لتضليل الجماهير وتحويلها الى وقود في صراعها من اجل تحقيق اجنداتها السياسية.

واذا ما ذهبنا الى الاهداف السياسية وراء رفع علم كردستان وفي هذا الوقت بالذات في كركوك، فيعود الى محاولة للتضليل وحرف الانظار عن الصراع بين اجنحة الاتحاد الوطني الكردستاني، واتهام بعضهم لبعض بالفساد والخضوع لسياسات الديمقراطي الكردستاني. ولعب محافظ كركوك الذي ينتمي الى احدى الاجنحة الموجهة لها اصابع الاتهام، دورا اعلاميا ودعائيا وسياسيا حول رفع علم كردستان في كركوك. وكان اي محافظ كركوك يعول على عاصفة "العلم" كي يخلط الاوراق ويسكت معارضيه. الا ان رد حكومة بغداد جاءت بما لا تشتهي سفن المحافظ، وبغير عادتها، كان هادئ وبارد، اذا لم نقل غير مكترث لما حدث، سواء على لسان الناطق باسم مكتب العبادي سعدي الحديثي او عبر مقابلة العبادي نفسه مع قناة "روداو" الكردية التابعة لرئيس حكومة اقليم كردستان، الذي قال لم نتدخل في رفع العلم كي لا نحدث استفزازا، وان رفع العلم لا يغير شيئا، ولكن يستفز البعض ويجب احترام شعورهم، وان قطع الرواتب عن موظفي كركوك اجراء قاسي لا نريد ان نصل اليه، وان كركوك ضمن المنظومة العراقية..الخ. اي ان بغداد فهمت منذ البداية ان رفع علم كردستان ليست رسالة لها ولا تعنيها الا كتحصيل حاصل، ولذلك ردت بالطريقة التي اشرنا اليها

.

لكن رفع علم كردستان بقدر ما كانت فرصة عمل للبرلمان العراقي العاطل عن كل شيء، كان اكثر من فرصة لتحريك المياه القومية الاسنة في مدينة كركوك، وتحريك بورصة الاسواق القومية الراكدة منذ دخول داعش واقترابه من مدينة كركوك، واجبر الجميع من الاخوة القوميين الاعداء الركوب في قارب واحد للنجاة. فالأحزاب التركمانية نظمت تظاهرة ضد رفع علم كردستان، وهددت باللجوء الى قوى اخرى في اشارة الى تركيا، لان جميع الاحزاب في العملية السياسية لا تساوي شيئا او تحرك شيئا دون دعم قوى اقليمية، والاحزاب القومية العربية اكتفت بمؤتمر صحفي وبمقاطعة جلسة التصويت الى جانب الاحزاب التركمانية على رفع العلم في اجتماع لمجلس محافظة كركوك

.

وفي المقابل خيمت على سكان كركوك اجواء من القلق والخوف من صراع قد يتحول الى حرب لا ناقة لهم ولا جمل مثلما حدث في صيف ٢٠٠٣. فالأحزاب القومية وعلى مدى التاريخ وفي كل مكان من العالم، استأثرت بكل خيرات الارض ومواردها بينما حولت الجماهير المحرومة والكادحة الى وقود، وحين يموتون من اجل ارض توهموا وخدعوا بأنها لها، فتحول رماد اجسادها الى سماد لحراثة تلك الارض التي سمتها بالوطن. وهكذا كركوك فطالما تحوي على النفط فهي قدس كل الاحزاب القومية، والدجاجة التي تبيض ذهب، بينما فضلاتها للجماهير الى جانب انعدام امنها وسلامتها. اي بلغة اخرى ان كركوك ليس الا قدس الاحزاب القومية، بينما بالنسبة الى بغداد هي عراقية ولا مساومة عليها

.

ان الارض بدون اعلاء قيمة الانسان عليها لا تساوي شيئا، وتصبح كذبة الدفاع عنها حماقة، مثل حماقة الدفاع عن كذبة الكعبة هي مركز الارض

.

ان كركوك ليست بحاجة الى اي علم قومي او وطني، بل انها بحاجة الى رفع علم وراية الانسان فيها، بحاجة الى ان تكون كركوك لساكنيها، فلا كركوك مقدسة ولا اي شيء مقدس واثمن أكثر من الانسان الذي يسكن فيها

.

مقالات