نادية محمود

وصية الصدر: هل اول الغيث قطرة!

بعد استلامه رسالة تهديد بالقتل على حد قوله، قام مقتدى الصدر، وكما يبدو كأجراء احترازي في حالة مقتله، بتشكيل مجلس مكون من 15 شخصا من مساعديه لادارة تياره من بينهم أبو دعاء العيساوي، الذي يقود قوات سرايا السلام. مؤكدا ان مهمة هذا المجلس هو ابداء المشورة له (طبعا في حالة بقاءه على قيد الحياة!) وللهيئة القيادية وإدارة الاعمال العامة للتيار الصدري بكل تفاصيله نيابة عنه، مانحا الملفات السياسية والاقتصادية والعسكرية لهم، طالبا من اتباعه الرجوع اليه في مهام الأمور، وان طاعتهم من طاعته! لم يحضر، لهذا السبب، صلاة الجمعة هذا الاسبوع، وارسل احد مساعديه لإمامة الصلاة وقراءة وصيته.

 

هل هذه اول قطرة من غيث مرحلة ما بعد داعش؟

ان الصورة التي يقدمها الماسكون بزمام السلطات في العراق قاتمة تماما. بعد زيارة العبادي الاخيرة لواشنطن تحدث عن مصير الحشد الشعبي الذي اوصى الاميركان بان يدمج مع القوات الحكومية وسط رفض واستياء من مسؤولي ميلشيات هذا الحشد، الامر الذي اوقع رئيس الوزراء في حيرة "لا اني لهلي ولاني لحبيبي".

 

الميلشيات الشيعية ترى نفسها انها ستكون المنتصرة في الحرب على داعش، لا يوجد على اجندتها تقديم نتائج النصر على طبق من ذهب لترك الاحزاب السنية للتمتع بالمنح والمساعدات والقروض لاعادة اعمار الموصل. ان الحشد الشعبي تمكن من تحقيق ثلاثة مكاسب مهمة في فترة الاعداد والتحضير للحرب في الموصل، وهو يتطلع الى جني فوائد تلك " الانتصارات". تمكن، اولا، من تعبئة مئات الالاف من الشباب العاطلين عن العمل والتي شكلت الجزء المهم للحشد الشعبي، وبمعونة المرجعية. ثانيا، تمكن من انتزاع الاعتراف القانوني بالحشد كميلشيا مستقلة عن الدولة. ثالثا، تمكن من ضمان مصدر مالي مستقر عبر قيام الحكومة بفرض ضريبة على ما لا يقل عن 4 ملايين موظف حكومي في العراق وبنسبة 4% من رواتبهم لتمويل هذا التنظيم. رابعا: يتطلع الان هذا التنظيم للحصول على استحقاق انتخابي للترشيح للانتخابات كقوة سياسية مستقلة قائمة بذاتها، فوق وعبر كل التشكيلات السياسية العسكرية المختلفة التي يتكون منها هذا الحشد، وهي تضاف بحد ذاته كفصيل سياسي جديد، بعد ان كان فقط ميلشيا عسكرية تابعة للاحزاب الشيعية. واخيرا، وفي المحصلة النهائية، ان يلعب دورا ليس في الموصل بعد تحريرها، بل يلعب دورا اكبر في العراق، بموازاة وبمثابة الحرس الثوري الايراني.

 

اما الاحزاب السنية، فانها ترى نفسها قد لقنت الاحزاب الشيعية درسا يجب لا تنساه ابدا بفتحها الحدود والعمق الاستراتيجي لداعش. فهذه الاحزاب التي تمكنت من جلب داعش ليؤسس دولة الخلافة الاسلامية في 2014، بوسعها ان تفعلها من جديد، مع تنظيم اخر وبشكل اخر، ان لم تصغي الاحزاب الشيعية لمطاليبها. ان الاحزاب السنية تتطلع الان ، مدعومة من قبل تركيا والسعودية وقطر، الى حكم المناطق المصنفة على انها سنية. وقد عقدت مؤتمراتها المنظمة سواء من قبل دول مثل تركيا وقطر او من قبل منظمات دولية في جنيف وتنزانيا،لمناقشة " استحقاقاتها" لمرحلة مابعد داعش. واصدرت برامجها للـ"مصالحة" هي ايضا. وهي تتعقب اهدافا محددة الا وهي محاصصة متساوية في توزيع الثروات. لن يقبلوا، بعد ان استعرضوا قدرتهم على ما بأمكانهم ان يفعلوا في الموصل وفي المجتمع بشكل اعم، باقل من نصيب شريك كامل الشراكة، في الثروة والسلطة والحكم.

 

اما الاحزاب الحاكمة في كردستان وعلى رأسها الحزب الديمقراطي الكردستاني، فهو انتقل من مرحلة ان "لا مشاكل لدينا مع داعش" الى مرحلة استعادة "اراضية السليبة" مغتنما فرصة الحرب مع هذا التنظيم ، وليساوم بغداد على "ورقة" الاستقلال!

 

اما الملايين من الناس الذين لا زالوا يتطلعوا الى مرحلة ما بعد داعش، كمرحلة تؤذن بنهاية العنف والحرب وحلول الامان، فان الطريق لازال طويل، وان الكثير يجب عمله خارج وبمواجهة اطراف هذا النزاع المحليين واعوانهم من الحكومات الاقليمية والدولية. لا امان ولاسلام مع صراع تلك الاحزاب، لا في مرحلة ما قبل داعش، لا اثنائها، ولا في مرحلة ما بعد داعش.

 

ان القضيتين اللتين تمسكان بخناق المجتمع في العراق والتي تسببان تلك المصائب هما اولا: سيطرة الاحزاب الاسلام السياسي الشيعي والسني على الدولة ومؤسساتها باستخدام الطائفية، كغطاء ايديولوجي لتتمكن تلك الاحزاب بواسطتها من تبرير شرعيتها وحكمها باسم تمثيل "الاغلبية" او " الاقلية" وسط حالة من عدم الرضا عن توزيع تلك الحصص. علما ان احزاب السلطة قامت في الشهور الاخيرة بتبني شعارات وتعابير جديدة من قبيل" عبور الطوائف" او حتى " المدنية" كما ردد الصدر وسليم الجبوري مؤسس " التجمع المدني للاصلاح". الا ان تلك شعارات لا تنطلي على احد. وثانيا انتشار ظاهرة الفساد بشكل مؤسساتي من الاعلى الى الاسفل في الدولة، الى الحد الذي اصبحت فيه ملامح الدولة تتلاشى، واصبح الفساد افة، لا تقف امامها حكومات الاسلام السياسي عاجزة عن الحل، بل انها لا تريد تقديم حل لها، لانها المستفيدة الاولى والاخيرة من الفساد في تكريس وتقوية سلطتها وهيمنتها على المجتمع.

 

لا يكتنف الوضع في العراق حالة من الغموض كما تردد بعض وسائل الاعلام، بل ان الوضع في العراق في مرحلة ما بعد داعش يشكل خطرا اخرا جديدا بانتظار المجتمع بسبب استمرار وجود الطائفية والفساد كعاملين اساسيين يخلقان الارض الخصبة للعنف والارهاب. لذا، فان امكانية ظهور منظمات شبيهة بداعش، بدرجة تقل او تزيد، هي امرا ليس في عداد المستحيل. وما التهديدات التي تلقاها الصدرهذا الاسبوع ما هي الا اولى قطرات هذا الغيث.

 

ان الخطاب والشعار الذي يجب ان يرفع بوجه هذه الاوضاع التي سببت الارهاب والدمار للمجتمع، بوجه الطائفية الدينية، له اسم واحد فقط لا غير هو العلمانية وفصل الدين عن الدولة. لانهاء القتل والدمار باسم الدين، وباسم الطوائف. وثانيا، ايجاد نظام انتخابي جديد ومختلف يؤمن انتخاب حكومة محاسبة امام الجماهير وقابلة للخلع من قبلها

مقالات