سمير عادل

اما البربرية او التصدي لها!

 

ليس لدينا ذرة شك بأن النظام البعثي القومي السوري، بأنه نظام مجرم وفاشي، ونظام لم يختلف قيد انملة عن النظام القومي البعثي في العراق ولا عن بقية الانظمة العربية المستبدة في الخليج او الدول العربية الاخرى، لكن الشعور بمرارة المأساة تزادا عندما تمتزج بالسخرية حين يعلن ترامب العنصري والنازي بأنه محامي الدفاع عن الشعب السوري، مثلما كان جورج دبليو بوش المدافع عن الشعب العراقي في غزوه واحتلاله للعراق عام ٢٠٠٣

.

الضربة العسكرية الامريكية التي وجهتها ادارة دونالد ترامب الى القاعدة العسكرية في سورية ليس لها اية علاقة باستخدام النظام البعثي القومي في سورية السلاح الكيماوي ضد المدنيين في خان شيخون. وكما فعل بوش في غزوه للعراق، قام ترامب بتوجيه ضربة عسكرية دون موافقة مجلس الامن معتمد على تقارير وكالة المخابرات المركزية الامريكية، بأن سلاح الجو السوري انطلق من قاعدة الشعيرات في حمص لتوجيه ضربة كيماوية الى المدنيين في خان شيخون. واذا كانت ادارة بوش انتظرت اشهر لجمع الادلة المفبركة التي سوقها كولن باول وزير الخارجية الامريكي في الولاية الاولى لبوش في الامم المتحدة على امتلاك العراق سلاح الدمار الشامل لغزوه، الا ان ادارة ترامب لم تنتظر اكثر من ثلاثة ايام لشن ضربة عسكرية على سورية دون انتظار نتائج التحقيق

.

ان ترامب الذي سخر من الحجج في غزو العراق بأن نظام صدام حسين امتلك اسلحة الدمار الشامل وكذب الوكالات الاستخبارية الامريكية، يعتمد اليوم على تقارير نفس الاجهزة المشبوهة بنظر ترامب. لماذا؟ لان ادارة ترامب بقدر انها بأمس الحاجة في لملمة صفوفها وانهاء التشرذم داخل الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة الامريكية، وبحاجة الى كسب الهيبة والاعتبار داخل النخبة الحاكمة وخارجها بعدما مرغ قرارين لها بالوحل، سواء من قبل القضاء الامريكي في موضوع الهجرة او من قبل اعضاء حزبه الجمهوري في موضوع الغاء اوباما كير، او محاولات في تفتيت الادارة الجديدة وبدأت بإقالة مستشار الامن القومي بذريعة الاتصال بروسيا بشكل سري، بنفس القدر بحاجة الى تنفيذ مشروع "امريكا اولا" -وهو محاولة لوقف انحدار مكانة الولايات المتحدة الامريكية في العالم عبر البلطجة. اي ان ادارة ترامب بحاجة الى احضار روح البطل القومي وتسويقه محليا وعالميا

.

التاريخ يعيد نفسه لكن هذه المرة في سورية وليس في العراق، عندما يبارك ثوار الكونترا السورية من السعودية وتركيا الضربة الامريكية، وجميعهم من الارهابيين الاسلاميين والمرتزقة. انهم لصوص المستقبل ويحاولون اعادة الكرة في سورية مثلما فعل اقرانهم في المعارضة العراقية وغنوا للحرب على العراق واحتلاله، وتيمنوا خيرا بالمجرمين امثال بوش وديك تشيني ورامسفيلد. فلنتخيل اي غدا مفعم بالحرية والرفاه الذي لم ولن يكن افضل مما جرى في العراق، ينتظره الشعب السوري على يد هذه المعارضة عندما تتخذ من الرياض قلعة الرجعية والقمع والعنصرية قاعدة انطلاق لها، ورائحة العفونة تفوح منها حيث لا تزكم الانوف بل تقلعها، وتحتمي بمظلة امريكا وتتعكز على حزب اخوان مسلمي تركيا "العدالة والتنمية بزعامة اردوغان"، نقول اي غد ينتظره الشعب السوري، بين مطرقة نظام استبدادي وسندان المرتزقة المجرمين

.

وهكذا الادوار تتغير، فمحل بوش يحل ترامب وديك تشيني يحل محله بول راين ومحل رامسفيلد يعلن راية ستيف بانون، وفي سورية تحل منصة الرياض محل منصة مؤتمر لندن، اي الائتلاف السوري محل المؤتمر الوطني الذي قاده الجلبي وكل الفاسدين الموجودين في العملية السياسية اليوم في العراق. وبقت الادوار نفسها بالنسبة للسعودية وقطر وبريطانيا، ويتغير موقع فرنسا ليلتحق بالركب المؤمن بعدما تخلفت في حرب العراق، بينما تحاول تركيا الدخول عنوة في المعادلة الاقليمية والدولية والوصول الى اهدافها وقوفا

.

بيد ان الفارق بين مرحلة غزو واحتلال العراق وبين هذه المرحلة، هو ان عالم التكنلوجيا والانترنيت وتطور وسائل الاتصال حد كثيرا من اطالة عمر الكذب والنفاق وفبركة المعلومات في الاعلام المأجور. فالكل مدانين ولا مبرر لاحد في قتل المدنيين سواء بالسلاح الكيمياوي او بالبراميل المتفجرة او بالأسلحة التقليدية. ولذلك نجد عندما تنقل الفضائيات ووسائل الاعلام المختلفة أحاديث وكلمات المسؤولين بدءا من الامم المتحدة ومرورا بروسيا وايران ولبنان حزب الله، وانتهاء بامريكا وفرنسا وبريطانيا وتركيا والسعودية وقطر واسرائيل، (الذي تحول نتنياهو وهو مجرم حرب ومهندس نظام الابارتايد الحديث في الملف السوري الى حمل وديع، ويكاد يصيب بالإغماء عندما يشاهد المناظر المروعة لما يحدث في سورية)، تزين الشاشات في البيوت والمقاهي ببصاق المشاهدين ولعناتهم وشتمهم على النفاق الذي يسوقونه. اي في عالم اليوم، عالم الفضائيات، انتهت مهنة النفاق المحترف مثلما يكاد ان يقضي الانسان الالي على الكثير من الوظائف للمحترفين في المستقبل القريب

.

البشرية تعيش اليوم اكثر المراحل مأساوية من عمرها، فكل الاحاديث عن حقوق الانسان والديمقراطية التي اعمانا العالم الغربي بها تسقط وتكشف عن عورتها في خضم الصراع الدائر بين الدول الامبريالية لإعادة تقسيم العالم. وليس امامنا اما الانتظار لسحقنا بالافقار بعجلة مشاريع المؤسسات الرأسمالية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والاتحاد الاوربي والاقتصاد الحر، او مقايضتنا بالاستبداد مقابل الامان او بالحروب والدمار عبر تقسيمنا على اسس قومية ودينية وطائفية حقيرة، لسهولة السيطرة على نضالنا واحلامنا وافكارنا من اجل عالم افضل، اما الطريق الاخر هو رص صفوفنا في جبهة انسانية عالمية لمواجهة البربرية التي تدق ابوابنا

..

مقالات