سمير عادل

الكارثة المحدقة بالنازحين

تتناول وسائل الاعلام المختلفة مشكلة النازحين لجلب الانظار والراي العام لها كمحاولة لتخفيف معاناتهم من حيث توفير السكن والاكل والشرب، وفتح الممرات الامنة لإنقاذ عشرات الاف الذين في طريقهم للتحول الى نازحين، في ظل الحرب المسعورة بين داعش والتحالف الدولي حسب التقرير الاخير للأمم المتحدة وقد سمتها بأسوأ كارثة في تاريخ الحرب العراقية، حيث قطع عنهم الغذاء والماء الى جانب امطارهم بمئات الصواريخ والقنابل على رؤوسهم بشكل يومي.

 

بيد ان هذه الكارثة التي تصفها الامم المتحدة لا تعبر عن كل المشهد، وبعكس اكاذيب الحكومة العراقية واعلامها المقيت وعبر مسؤوليها، بأنهم وضعوا الخطط لعلاج مشكلة النازحين بعد الانتهاء من الحرب والقضاء على داعش. ففي المؤتمر الذي انعقد في اربيل بين يومي ١٩ ٢١ من هذا الشهر والذي نظمته منظمة الهجرة الدولية بالتعاون مع جامعة جورج تاون في واشنطن ومركز الدراسات العربية المعاصرة وجامعة كردستان - هوليرالذي عقد فيها المؤتمر، وعبر عشرات الأبحاث التي قدمت من قبل أكاديميين من مختلف المنظمات والجامعات المحلية والعالمية، اشارت الا انه لامستقبل واضح ومشرق وامل من الممكن ان يكون خاتمة لمأساة النازحين الذي يقدر عددهم بأكثر من ٤ ملايين و٣ مئة الف نازح، اي ما يعادل اكثر من ١١٪ من سكان العراق حسب ما جاء في كلمة ممثل منظمة الهجرة الدولية في العراق. واشار المؤتمر في احد ابحاثه، ان حل مشكلة النازحين بعد الحرب وحسب التجارب العالمية بعد الحرب العالمية الثانية او عشرات الحروب عبر العالم، يتم عبر ثلاثة طرق اما الاندماج مع المجتمع الذي نزحوا له، او العودة الى منازلهم او اختيار مناطق اخرى، الا ان الحكومة العراقية ليس لديها اية خطة واضحة. واضافة الى ذلك اشارت ابحاث اخرى ان هناك عدة مناطق مثل جرف الصخر وغيرها تمنع الحكومة وقواتها الامنية عودة النازحين لها دون أن توضيح الاسباب. وتطرقت بعض الابحاث وبإحصائيات وارقام انه تم تجنيد الشباب في المخيمات المسيحية والايزيدية والتركمانية، وان الدافع الاول لقبول اولئك الشباب بالانخراط بالتجنيد العسكري هو الاوضاع الاقتصادية بالدرجة الاولى. كما اشارت نفس الابحاث عبر مئات المقابلات مع النازحين ان العامل الطائفي اما كان غائبا او ضعيفا في ذهنية النازحين، وانهم ينظرون الى المشاكل والمصائب التي حدثت لهم بسبب الاحزاب السياسية في السلطة المحلية والمركزية.

 

وتطرقت مختلف الدراسات والابحاث في المؤتمر الى أن الخوف من المستقبل بعد الانتهاء من داعش يخيم على معظم النازحين، حيث فقدان فرص العمل، تدمير المنازل، ضياع سندات الملكية بسبب الحرب والدمار والهروب، الخوف من تعرضهم من جديد اما للانتقام الطائفي او التمييز الطائفي مثلما حدث في الماضي. والسؤال الذي لم يجب عليه المؤتمر هو ما هي الحلول لمواجهة هذه المعضلة التي لا تهدد مصير اكثر من ٤ مليون انسان ونصف انسان فحسب بل تهدد المجتمع العراقي برمته؟

ان المشكلة كما الحل يكمنان في السياسة، وهذا ما لم يتطرق اليها منظموا المؤتمر بشكل مقصود لانهم قالوا ومنذ اليوم الاول نحن لسنا هنا لإيجاد الحلول للمشاكل السياسية. وهذا يعني ان الأفاق المظلمة هي التي تخيم على مستقبل النازحين سواء عادوا الى مناطقهم او بقوا في المخيمات او في المدن والمناطق التي نزحوا اليها.

 

ان اهم معضلتين تواجه حل مشكلة النازحين هي سياسات حكومة بغداد والحكومات المحلية الطائفية والعنصرية، واشير لها بشكل غير مباشر، والفساد الذي يسرق كل المساعدات الانسانية التي تقدم الى النازحين.

 

ان مشكلة النازحين لا تشكل لا الهم الاول ولا الثاني ولا حتى الثالث بالنسبة لحكومة العبادي. فبمجرد التجوال في مناطق بيجي وتكريت والرمادي على سبيل المثال لا الحصر التي تخلصت من عصابات داعش قبل اشهر، يستطيع المرء ان يستنتج انها تشكل اخر هموم سواء للحكومات المحلية او الحكومة المركزية في بغداد. ان المصيبة تكمن بأن نفس الوجوه المقيتة التي سلمت جماهير المنطقة الغربية رهائن الى داعش هي نفسها اليوم تعود من جديد الى السلطة. اما بالنسبة للتحالف الدولي الذي تتزعمه الولايات المتحدة الامريكية فهو يجيد مساعدة النازحين عبر التسويق الاعلامي ورمي الفتات من فضلات موائدهم لهم، وهذا يأتي من اجل تحقيق نفوذ وترسيخ اقدامه مقابل نفوذ الحرس الثوري الايراني وحلفائه من الروس والصينيين.

 

ان حل مشكلة النازحين تأتي عبر حل مشكلة العراق السياسية، وليس عبر المقولات الفارغة من المحتوى مثل المصالحة المجتمعية وغيرها التي صدع رؤوسنا به الحكيم والصدر وردده العبادي. فكما بين عدد ليس قليل من ابحاث المؤتمر، بأن المشكلة تكمن في الاحزاب السياسية وليس بين الناس، وان الطائفية لا تشكل اي مركز ثقل في ذهنية وتفكير النازحين.

 

ان حل مشكلة النازحين وبالتالي تجفيف منابع الاسلام السياسي لعدم تكرار أكبر مأساة في تاريخ المنطقة بعد الكارثة السورية، يأتي عبر تأسيس حكومات محلية غير قومية وغير دينية، تعريف الانسان عبر هويته الانسانية، التعويض المادي والمعنوي للنازحين، ضمان بطالة او توفير فرصة عمل، اعادة الخدمات بشكل سريع الى تلك المناطق.

 

مقالات