سمير عادل

العلمانية والانتهازية السياسية

العلمانية ليست أكثر من فصل الدين عن الدولة والتربية والتعليم. والعلمانية لم تكن تعني ولا تعني الالحاد. الا ان رجال الدين والقوى السياسية التي ذخيرتها الدين، الترياق الذي توزعه الطبقة البرجوازية المتمثلة بتلك القوى على الفقراء والمحرومين، دأبت طوال حياتها في الصاق الالحاد بالعلمانية كي لا تتجرد من ترياقها في تخدير محرومي المجتمع. فعندما تردد الجماهير في ساحة التحرير "باسم الدين باكونا الحرامية، من دخل بيها ابو العمامة صار البوكة للهامة"، ذعرت الاحزاب والقوى الاسلامية الحاكمة والمعارضة، شيعيها وسنيها، داعشها وقاعدتها.

 

من هنا ندخل الى خطاب نوري المالكي في المؤتمر العشائري الذي انعقد قبل ايام في محافظة بابل، الذي هاجم فيه الاحزاب العلمانية مستدلا بتجربة البعث المريرة واستبداده طوال ثلاثة عقود ونصف. ويبدو ان المالكي قد اصيب بمرض الزهايمر، فقد نسى ان نظام البعث سقط في العراق قبل ثلاثة عشر عاما، وما فعلتها احزاب الاسلام السياسي الحاكم طوال هذه السنوات بيضت وجه البعث "العلماني" وهي الان حليفة البعث السوري "العلماني". ان المالكي واقرانه عندما يتهجمون على العلمانية والعلمانيين لتغليب كفة الاحزاب الاسلامية وصلاحيتها للحكم وهذه ليست المرة الاولى، يحاولون تفريخ المحتوى الطبقي لتلك الاحزاب "العلمانية".

 

دعنا نحدث مقاربة تاريخية سريعة بين السلوك السياسي لحزب البعث العراقي وحزب الدعوة وحلفائه من الائتلاف الشيعي، كي نبين بشكل قاطع ان المحتوى الطبقي لكلا الحزبين "العلماني" البعثي والاسلامي الدعوة متطابق بشكل كلي. فالبعث العراقي ومن اجل فرض الهيمنة القومية العروبية على المنطقة، تورط في حرب مع منافسته الجمهورية الاسلامية، مدة ثمان سنوات وذهب ضحيتها اكثر من مليون انسان من الجانب العراقي، في حين ورط حزب الدعوة بقيادة المالكي، العراق في حرب اهلية طائفية من اجل حسم سلطة التيار الاسلامي الشيعي، وسلم ثلث مساحة العراق الى عصابات داعش ورهن مصير ساكنيها وما زالت الحرب مستعرة، وقد تجاوز عدد النازحين حاجز ٤ ملايين ونصف ما عدا الاف المؤلفة من القتلى وتدمير كامل البنى التحتية. اما على الصعيد الاقتصادي فنظام البعث بقيادة صدام حسين فرغ ميزانية العراق خلال حربي الخليج الاولى والثانية، وطرد الاف النساء من العمل بحجة منافسة الرجل وتحت يافطة قانون فائض عن العمل، اما حزب الدعوة بقيادة المالكي ترك صندوق العراق خاوي، والافلاس يجتاح كامل المؤسسات الحكومية وعصابات داعش تتكالب على ابواب بغداد، بينما اكمل خلفه العبادي شد الاحزمة على البطون عبر فرض سياسة التقشف. وعلى صعيد الحريات فالى جانب المعتقلات والسجون السرية والعلنية، الرضوانية والامن العامة ونقرة السلمان والشعبة الخامسة.. ابتدع قطع اذان الهاربين من الخدمة العسكرية، في حين في عهد حزب الدعوة استحدث سجون جديدة مثل مطار مثنى وبوكا وفي المنطقة الخضراء، واطلقت ايادي المليشيات للخطف والقتل على الهوية وثقب العيون بالدريل ورمي الجثث في نهر دجلة. وعلى الصعيد الاجتماعي، فأذ كان نظام البعث في عام 1994 اعاد احياء قانون العشائر وسن قرار مجلس قيادة الثورة 111 الذي يجيز قتل امرأة من قبل ذويها لمجرد الشك بها غسلا للعار، فأن في عهد حزب الدعوة لم يحي العشائر فحسب، بل اصبحت تصدر الفتاوى مثل رجال الدين في هدر دم المتظاهرين الذين خرجوا عن طاعة الولاء لسلطة الاحزاب الاسلامية الشيعية، على غرار دولة الخلافة الاسلامية التي تسمى بداعش، وبات المالكي نفسه يوزع مسدسات نوع كلوك على شيوخ العشائر والهبات والهدايا، واصبح قتل مئات النساء يوميا دفاع عن الشرف هي السمة البارزة لحكم سلطة الاسلام السياسي في مدن العراق. واذا اشتهر نظام حزب البعث في تشييد القصور الرئاسية الفارهة والمساجد والجوامع من عرق العمال والمحرومين في العراق، ومن سرقة ثروات المجتمع ايام كانت رحى الحصار الاقتصادي تطحن العراقيين جوعا، فأن نظام الاسلام السياسي الشيعي اشتهر بتفريغ جيوب جماهير العراق بكافة شرائحه في عز النهار كارها خلسة الليل عبر الفساد الاداري والسياسي والمالي، مشيد نفس القصور في عمان وبيروت واسطنبول والمدن اوربية. وعلى صعيد الانتهازية السياسية، فأن صدام حسين غير ماركة البعث "العلمانية" الى ماركة اسلامية، بعد ان فشلت صواريخ الحسين والعباس في حرب الخليج الثانية في ضرب اسرائيل وانقاذ المشروع القومي العروبي، فاطلق الحملة الايمانية في 1996 لتحميق المجتمع وتحريف انظار ظلمهم واستبدادهم وافقارهم للجماهير والتي مهدت لظهور عصابات داعش، في حين حاول المالكي وفي منتصف ولايته الاولى وبعد صولة الفرسان بعامين من تغيير عباءته الاسلامية الى عباءة "مدنية وعلمانية"، لكنه سرعان ما تراجع عندما وجد الاستثمار السياسي في الدين والطائفية تدر ارباح اكثر من الاستثمار في العلمانية والمدنية.

 

ما تبين من هذه المقاربة، ان حزب الدعوة الاسلامي وحزب البعث هما اجنحة مختلفة داخل الطبقة البرجوازية، وان العلمانية ليست لها اية علاقة باستبداد الاحزاب السياسية. وبالنسبة للأحزاب البرجوازية فأن الانتهازية هي سياسة يومية حقيرة تمارسها من اجل الحفاظ على سلطة استثمار العامل وابقاء حكمها. وعلى سبيل المثال لا الحصر عندما وجدت البرجوازية الصاعدة في بداية القرن العشرين في تركيا بأن الاسلام عائق امام تطور الدولة القومية التركية واللحاق بالغرب، فقد نفت الاسلام عن الدولة والتربية والتعليم، وأسقطت الخلافة الاسلامية العثمانية واستبدلت بدولة علمانية. وفي عهد حزب العدالة والتنمية الاسلامي الذي ينتمي اليه اردوغان، وجدت البرجوازية، ان تركيا يمكن ان تسترجع مكانتها الاقليمية والعالمية عبر قيادة العالم الموصوف بالإسلامي والعربي، وهذا يأتي عن طريق احياء الاسلام في الدولة التركية وليس عبر الدولة العلمانية التي فشلت في ايجاد موقع لها في العالم الغربي. ولكن كما كانت دولة اتاتورك القومية استبدادية وقمعية وقادت ثلاثة انقلابات عسكرية في اعوام 1960، و1971، و1980، فأن حزب اردوغان أبدع بانتهاكات حقوق الانسان وتصفية المعارضين السياسيين.

 

ان المالكي بهجومه على الاحزاب العلمانية، يحاول عبثا اصلاح ما لا يمكن اصلاحه، ويفشي بالسر، وهو الرد على شعار الجماهير الذي تحول الى نشيد شعبي "باسم الدين باكونا الحرامية، من دخل بيها ابو العمامة وصل البوك للهامة

مقالات