سمير عادل

الطائفية والانحطاط الإيديولوجي للبرجوازية

ان احتدام الصراع الطائفي اليوم في العراق والمنطقة ليس نتاج اختطاف الخلافة من آل البيت ولا وليد معركة "الجمل" ولا يرتبط مع واقعة الطف، كما يروج لها عدد ليس قليل من المثقفين. وان كل ما ينَظّرْ له قسم من اولئك المثقفين ومحاولاتهم في سبر عمق التاريخ عبثا وهباءا، لإيجاد التحليل حول اسباب التطاحن الطائفي الذي يخيم على المنطقة هو تعبير عن الفشل في تفسير الاحداث السياسية وما يدور في المنطقة، واغلب اولئك هم من الذين يصنفون أنفسهم بديمقراطيين وليبراليين، حيث صدمتهم فشل مشروعهم "الديمقراطي" الذي خدعتهم به ادارة بوش الابن، وتأملوه وتمنوه وحلموه به على انقاض احتلال العراق، وكذلك فشل الثورتين المصرية والتونسية التي قد تبعث برياح الديمقراطية على المنطقة. ولكن القسم الاخر منهم ومع سبق الاصرار والترصد هم جزء من اعلام مأجور يحاول طمس ماهية الصراع الدائر في المنطقة، فمجموعة تصطف مع الهلال الشيعي والذي تحول الى بدر شيعي في هذا الايام بعد التصريحات الاخيرة لقيس الخزعلي رئيس عصائب اهل الحق، اذ قال حسب رؤيته ان بظهور صاحب الزمان (الامام الثاني عشر للشيعة) قد اكتمل البدر الشيعي، فالحرس الثوري في ايران وحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن وعصائب اهل الحق في العراق وسوريا، اما مجموعة اخرى فاصطفت مع لا هو هلال ولا هو بدر ولا هو حتى نصف قمر، بل نستطيع ان نسميه بزاوية المنفرج السني كما تبينها الخارطة الجغرافية والذي تعول عليها ادارة ترامب، وهو حزب العدالة والتنمية بزعامة اردوغان التركي واسلام نفط محمد بن سلمان السعودي، والعسكر بقيادة السيسي في مصر والعائدين من حطام قلاع القومية العروبية متلحفين باللباس الطائفي الجديد في العراق امثال الاخوين النجيفي ومن لف لهما.

 

يقول ماركس إن تقاليد جميع الأجيال الغابرة تجثم كالكابوس على أدمغة الأحياء. فعندما فشلت البرجوازية في المنطقة من ترسيخ مشروعها الاقتصادي والسياسي عبر الايدلوجية القومية تارة والاسلام تارة اخرى، وبعد نفاذ مفعول ترياق الديمقراطية بمفاهيمها الليبرالية وبأسسها الغربية في عقر دارها، ونفاذ قدرة البرجوازية من الاستمرار في تسويقها عبر العالم بعد ازمتها الاقتصادية منذ عام 2008، وافراز اكثر التيارات اليمينية في صفوفها مثل الترامبية واللوبانية وبريكست، وفي خضم تصاعد الصراع بين الاقطاب الدولية من اجل اعادة تقسيم العالم، فليس امام البرجوازية الا باستحضار روح الماضي.. "وعندما يبدو هؤلاء منشغلين فقط في تحويل أنفسهم والأشياء المحيطة بهم، في خلق شيء لم يكن له وجود من قبل، عند ذلك بالضبط، في فترات الأزمات الثورية كهذه على وجه التحديد، نراهم يلجئون في وجل وسحر إلى استحضار أرواح الماضي لتخدم مقاصدهم، ويستعيرون منها الأسماء والشعارات القتالية والأزياء لكي يُمثلوا مسرحية جديدة على مسرح التاريخ العالمي، في هذا الرداء التنكري الذي اكتسى بجلال القدم وفي هذه اللغة المستعارة"، (ماركس -الثامن عشر من برومير). وهذه اللغة هي لغة صراع الحضارات كما يسوقها المفكرين الرجعيين في الغرب واستخدمها رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون في محل رده على ارهاب الجماعات الأسلامية، بأنه يجب الحفاظ على اوربا المسيحية او التباهي بكتابين للانجيل من قبل دونالد ترامب اثناء ترديده للقسم وتتويجه رئيسا للولايات المتحدة الامريكية، مُصَدّر الاول لإكسير الديمقراطية الى العالم والملقب بزعيمة العالم الحر، او اللغة الطائفية الجديدة كما يسوق لها قادة البدر الشيعي والمنفرج السني.

 

ان الاستجداء بالدين او استعارة اكثر ادواته الصدئة وهي المذهبية والطائفية، هي تعبير واضح ولا لبس فيه عن الانحدار الإيديولوجي للبرجوازية. اي بلغة اخرى نفذت ذخيرة البرجوازية في المنطقة من الدين والقومية، وباتت تستحضر الفيروسات الطائفية وتهيئ الارضية لها لنموها وتكبيرها وتحويلها الى غول فكري لتعبئة المجتمع من اجل تعزيز استثمار العامل. فعندما يجثم على عقل العامل الافكار الطائفية، سينسى عدوه الطبقي الذي يسن قانون العمل والحريات النقابية لاحتواء احتجاجاته، هو واحد سواء في الرياض او طهران او انقرة او القاهرة او بغداد، سينسى ان من يفرض سياسة التقشف ومن يشدد ظروف عمله ومن يحرمه من حق السكن ومن حق العيش اللائق ومن حق التمتع بمنجزات الحياة، هو نفس الطبقة التي تقتل العمال والنساء والاطفال في اليمن كما تقتل ميليشياتها وتذبح ولكن بلباس طائفي اخر في العراق او في سوريا. ان الاغلبية المطلقة التي قتلت في كل هذه البلدان هم من العمال واسرهم بينما هربت البرجوازية برؤوس اموالها الى بلدان اخرى، لاعادة استثمار العامل من جنسية اخرى ومنح جزء من فائض استثماره الى مليشيات وحكومات المنطقة، كي تدور دولايب الدم والذبح من اجل الهيمنة والنفوذ والاسواق.

 

ان المؤتمر او الاجتماع المزمع انعقاده في الرياض برعاية امير الحرب وملك المستقبل محمد بن سلمان، خلال الايام القادمة بين ترامب وبين اقذر الملوك ورؤساء المصنف بالعالم الاسلامي السني، هو من اجل دق طبول الحرب وسل السيوف الصدئة ورمي نيران القيح الطائفي على المنطقة. انها حرب جديدة تشبه ما سمي بحرب تحرير الكويت في 1991، لإرساء نظام اقليمي وعالمي جديد، ولكن هذه المرة بلباس طائفي وتحت عنوان درء خطر طموحات حكام الشيعة في ايران. فكل رئيس حكومة او ملك في المؤتمر المذكور بحاجة الى هذه الحرب للتخلص من سخط جماهيرها، واسكات صوت الحرية والتحرر وقمع المطالبة بالكرامة والعيش الكريم، اما من طرف الولايات المتحدة الامريكية فهي بحاجة الى ترميم مكانتها في المنطقة واعادة هيبتها وتنفيس اقتصادها عبر العسكرتارية. لقد فشل مشروع داعش في المنطقة، مشروع حرب بالوكالة فآن الاوان للحرب المباشرة.

 

ان الطائفية هي العصارة الفكرية للبرجوازية في المنطقة وقمة انحطاطها السياسي، وان الرد عليها وعلى مشروعها السياسي والعسكري يأتي بفضحها والدعوة للعمل في تنظيم جبهة عمالية واحدة في اليمن والسعودية والعراق وايران ولبنان وسورية وتركيا، في مواجهة الحرب القذرة التي تريد ادارة ترامب من توسيع رقعتها واجتياح نيرانها لتشعل كل المنطقة

مقالات