فارس محمود

كلمة حول -وحدة اليسار-

تتصاعد بين فترة واخرى، وان يكن بفترات متباعدة، موضوعة "وحدة اليسار". وللصديق والرفيق رزكار عقراوي دور اساسي في طرح واعادة طرح هذه الفكرة. ان الفكرة تشكل محور اساسي في رؤيته السياسية. بيد ان هذه الفكرة تولد في اغلب الاحيان ميتة. لماذا سارد عليها ضمن مقالي. ولكن قبل هذا:

 

من هو اليسار...؟

تجد تعريفات واسعة لـ"اليسار". يختلف باختلاف الاشخاص المعرّفين وفكرهم السياسي. ولهذا، فان اطراف "الوحدة" هم امر غير محدد الملامح. يستند محور الطرح والفكرة الى الحزب الشيوعي العراقي. ولكن هل يصنف الحزب الشيوعي نفسه كيسار؟ قصدي من ناحية الممارسة السياسية. فليس ان اطلق على نفسه يوما ما، في تاريخ ما واوضاع عالمية ما، اسم الشيوعية، يكفي لتصنيفه يسار. انه نفسه لايدعي هذا. انظر الى كل تاريخ ممارسته التاريخية، تجد ان القسم الاعظم منها مرتبط باليمين، تحالفاته كلها يمينية، ملحق لليمين، ومهتم بـ"نيل رضا اليمين"، وهو امر ليس وليد اليوم. اي ان التحالف، قل الذيلية، للصدريين، ليست شيء جديد، طاريء. فعلى الاقل خلال نصف القرن، قاموا بالتحالفات الذيلية مع البعث وصدام في السبعينات، والاحزاب القومية الكردية في الثمانينات والاحزاب الاسلامية والقومية العربية والكردية والمؤتمر الوطني في التسعينات، وبعد 2003 اتى مع حرب امريكا واحتلالها للمجتمع تحت تصنيف "شيعي"!! حزب اذا كانت تسميته مرتبطة بالشيوعية كدلالة التقدمية واليسار والتحرر وماركس في عصرها (ثلاثينات القرن المنصرم)، الان لم يبقى ذلك المد واصبح اسمه لاصلة له بتلك المصطلحات.

 

"

استبشر" الكثيرون وهما بتغير قيادة الحزب في المؤتمر، ولكنه فاتهم ان كل من القيادتين تنتميان للتقليد السياسي - الاجتماعي ذاته، بل ان القيادة الجديدة هي اكثر يمينية من سابقتها، واول لقاء سياسي - اجتماعي عقده رائد فهمي، حين اصبح سكرتيرا، لم يكن مع قادة العمال والنقابات، لم يكن مع الشباب المتطلع، لم يكن مع النساء، لم يكن مع العاطلين، بل مع شيوخ العشائر!!!

 

حزب يلزم لحد الان الصمت على دماء رفاقه في بشت ئاشان، والقتلة معهم في السلطة، ويتمنى من صميم قلبه ان لايذكر هذه الجريمة احد. حزب لايحترم دماء رفاقه، ناهيك عن تقديم نوشيروان مصطفى وجلال الطالباني والاتحاد الوطني للمحاكم. فاي تطلع منه للدفاع عن قضايا المجتمع؟! حزب غدا ملحق للتيار الصدري ويوهم المجتمع بتغيير مفوضية الانتخابات على انها "مصيبة المصائب"، لا العملية السياسية برمتها (ومن ضمنها مهزلة الانتخابات)! يوهم المجتمع بكون مشكلة العملية السياسية هي الفساد، لكن لايمكن الحديث عن الفساد دون العملية السياسية، انهما صنوان، لايمكن ان تنشد اجتثاث احدهما دون الاخر!!! ان يسير وفق البوصلة السياسية للصدر!!!

 

ان ثمة تصنيف لليسار برايي هو تصنيف اجتماعي، يسار المجتمع، يسار نشدان عالم افضل. ليس كل منتقد هامشي من الفئات المتوسطة وحملة الشهادات على هذه الزاوية او تلك من زوايا المجتمع الراسمالي الطبقي هو دلالة يسار.

 

ان يسار المجتمع الحقيقي هو يسار القضايا الاجتماعية الحقيقية للمجتمع، يسار محركه ومنطلقه فصل الدين عن الدولة والتربية والتعليم، مساواة المراة التامة بالرجل، الحرية السياسية بدون قيد وشرط، المسؤولية التامة للمجتمع والدولة امام الفرد و... يسار يضع التحرر الاقتصادي للانسان من ربقة الجور والاستغلال والظلم الراسمالي، ضمان بطالة كاف، حقوق الاطفال، الحريات والحقوق الفردية والمدنية وغيرها من القضايا الاجتماعية بوصفها اساس وجوده النضالي.

 

ما يسموه باليسار هو يسار فكري بالاساس، لاصلة له بالقضايا الاساسية للمجتمع. يسار خير المجتمع على العموم والنيات الطيبة للمجتمع وليس منتقد جذري لهذا المجتمع. ان اصول هذا اليسار هو يسار قومي - اصلاحي، يطالب بمكانة اقل للدين في حياة المجتمع، ولكنه قبل هذا وذاك مؤمن بان الدين جزء من "اركان" المجتمع!، يطالب بحال افضل للعامل والكادح، اي ان لايكون بهذه الدرجة من البؤس! يؤمن بحرية المراة ولكن هناك الف لكن ولكن وشرط! تعامله الاجتماعي بالحياة اليومية مساوم لليمين في كل شيء ...والخ.

 

لا اعرف للاسف ام لحسن الحظ، في مجتمع طبقي، مجتمع قائم على طبقات، لايمكن ان تكون هذه المقولة، اليسار، مفصولة عن طبقات المجتمع الاساسية. الطبقة الوحيدة صاحبة التغيير الحقيقي للمجتمع والتي هي ذا مصلحة اساسية في ذلك هي الطبقة العاملة ومعها سائر الكادحين والمحرومين. ان اوضاعها غير مناسبة، التيارات الفكرية والسياسية السائدة عليها هي قومية ودينية، التيار الاشتراكي ضعيف فيها، نعم. بيد ان هذا لايغطي على حقيقة انها الطبقة الوحيدة التي بوسعها ومن مصلحتها اجراء التغيير الجذري الذي يخص المجتمع كله. مثلما نقول دائما ان اوهام الطبقة العاملة هي مكتسبة، جراء الضغط السياسي، بيد ان عالم افضل هو التطلع الغريزي الدائم والثابت عند طبقة تشعر بظلم الراسمال وجوره كل لحظة وتشعر بوحدتها واشتراكها في الظلم، مقاومة الراسمال، ارساء عالم لا استغلال فيه....

 

بدلاً من "وحدة اليسار"، الاصح ان تدفع الاحزاب السياسية افاقها السياسية وبرامجها السياسية وجر المجتمع نحو بدائلها ونحو خطها السياسي. هذا لايمنع قط الاعمال المشتركة والتنسيق وغيرها. لا يرد التوحيد على ضعف اليسار، ضعف اليسار ينبع من مكان اخر، في انعدام صلته بالمجتمع، هامشيته هي جراء مكانته الاجتماعية وموقعه في التركيبة الطبقية للمجتمع والصراع الطبقي فيه، وبالتالي افاقه وممارسته ومنطلقاته السياسية - الاجتماعية. انه طرح لايبلغ اي نتيجه، لان ما يحرك اغلب عناصر هذا اليسار هو الثقافة، الاراء، الافكار على العموم، الجدل البيزنطي للمثقفين، الفردية المفرطة التي لاتتناغم مع عمل اجتماعي منظم واسع، وباختصار يسار غير متحزب ولايؤمن كثيرا بعمل اجتماعي منظم ويتفاخر بنقطة ضعفه، اي كونه "مستقل"!

 

ولهذا لايمكن ان يولد هذا الطرح الا ميتاً!.

 

مقالات

فارس محمود

23/11/2015