سمير عادل

قمع المعارضة بسمفونية ديمقراطية

كان من المنتظر ان يعاد صياغة مشروع قانون "حرية التعبير" من قبل البرلمان بشكل يطلق العنان بالمعنى المطلق للكلمة، بعد الاحتجاجات التي اندلعت في ساحة التحرير وسط مدينة بغداد يوم ١٧ تموز من عام ٢٠١٦ ضد القراءة الاولى للمشروع والحيلولة دون تمريره، مما حدا بالبرلمان الى تأجيله. الا ان الصياغة الجديدة فاجأت الجميع، وجاءت بشكل مغاير للتوقعات. ويعود السبب ان البرلمان والحكومة بعدما تأكدتا من ان الاحتجاجات افرغت من محتواها بعد لوي عنقها وتحريف نصالها اثر هيمنة افاق التيار الصدري عليها، فاستغلتا الفرصة لتسديد الضربة الى مشروع القانون المذكور والمحاولة لتمريره بما يتلاءم مع المحتوى الطبقي للسلطة الحاكمة.

 

ويبدو ان الحرية المسلم بها هي حرية عبث المليشيات وحرية السرقة والنهب، اما غيرها، فلا مكان لها في قائمة الحريات. والحق يقال فأن مشروع القانون يجيز شكل اخر من الحريات، وهي حرية الممارسات الدينية والتي تعني في صلبها الممارسات الطائفية حسب التعديل على (مادة ١٣ ثانيا بند باء) من مشروع القانون، حيث يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات وبغرامة مقدارها تتراوح بين مليون دينار و١٠ ملايين دينار، كل من تعمد على تشويش اقامة شعائر لطائفة دينية او عمل على عدم عقد اجتماعها او حفلها..". ولا يحتاج المرء الى الكثير من الذكاء كي يعرف ان هذا البند مرتبط بسلطة احزاب الاسلام السياسي الشيعي الحاكم وبطقوسه وشعائره. بينما ينسى واضع القانون بدراية او حماقة، بأن حرية التعبير تعني بانه يجوز حتى للمجنون ان يعبر بطريقته عن نفسه او في ردة فعله تجاه اية شعائر دينية دون ان يمس بأمن وسلامة الموجودين. فاستخدام كلمة "التشويش" هي فضفاضة ومن الممكن اللعب تحت يافطتها وتوجيه تهمة التشويه الى كل من لا يرغب فيه المشرع. فعلى سبيل المثال ان البلدية التي تغلق شارع من اجل اعماره من الممكن القاء القبض على المسؤولين بتهمة عرقلة اقامة الشعائر الدينية او التشويش عليها، او القاء القبض على شرطي المرور لأنه يمنع اقامة الشعائر او مرور موكب معين في الشارع الفلاني لعدم حصول الاختناقات المرورية، او مطالبة اهالي احد المرضى في احدى مناطق السكن بعدم تنظيم الشعائر الدينية بسبب الميكروفونات التي تزعج اصواتها المرضى، او القاء القبض على مدير المستشفى الفلاني اذا منع مرور المواكب او اقامة الشعائر في المناطق القريبة من المستشفى تجنبا لإزعاج مرضاه. وكما نعلم هناك مسودة اخرى لمشروع قانون العطل الذي يصل الى ١٥٢ يوم، أكثر من ثلثيها عطل دينية وتتضمن قسم كبير منها اقامة الشعائر الدينية، ويعني بشكل اخر فأن السجون ستمتلئ بالذين يعكرون صفو منظمي الشعائر الدينية والطائفية.

 

ويستمر المشهد الكوميدي للمشروع القانون في المادة ١٠ التي تقول لا يجوز التظاهر قبل السابعة صباحا ولا بعد العاشرة ليلا. ولا نعرف هل ان المشرع العبقري يتحدث عن موعد للتظاهرات ام انه يتحدث عن دوام الموظفين او عن دوائر تابعة للدولة. او ان رئيس الهيئة الادارية التي يتحدث عنه المشروع في المادة ٧ بأخذ الموافقة منه قبل ٥ ايام من موعد التظاهر لا يستطيع الحضور قبل الاوقات المنصوص عليها لان لديه حاجة يقضيها. الا ان الحقيقة التي تقف وراء هذا البند هو الرعب من درس الثورتين المصرية والتونسية، التي اتخذ المتظاهرين مواقعهم بعدم التحرك ونصب الخيام في ميدان التحرير وميادين المطالبة بالحرية والرفاه لايام وليالي لحين سقوط النظامين مبارك وبن علي.

 

اما الاكثر اثارة في هذا المشروع الغاء المادة ١ ثانيا "حق المعرفة" في المشروع الحالي بحصول المواطن على معلومات من جهات رسمية حول اعمالها ومضمون اي قرار يخص الجماهير. ويفوض المشرع المفوضية العليا لحقوق الانسان بالبت بشكاوى المواطنين حسب (المادة ٣ ثانيا). وكما نعرف ان المفوضية ليست جهة مستقلة وتابعة للحكومة وتوزع مناصبها مثل باقي المؤسسات الحكومية على اسس المحاصصة الطائفية والقومية، وعلاوة على ذلك فأن البلدان التي تتوفر فيها الحريات مثلما هي موجودة في الغرب ليس هناك لا وزارة لحقوق الانسان ولا مفوضية، بل هناك حرية الاعلام التي تراقب الاداء الحكومي اضافة الى عدد من المنظمات المعنية بحقوق الانسان المستقلة مثل العفو الدولية ومنظمة هيومان رايتس ووتش وغيرها. لكن في العراق، استحدثت هذه المؤسسة "المفوضية" مثل بقية الوزارات التي الغي قسم منها كجزء من نظام المحاصصة بعد الازمة الاقتصادية اثر انخفاض اسعار النفط وخواء الميزانية بعد تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة العبادي. فمن السخرية ان يمنع حق المعرفة من جهة ومن جهة اخرى تخول مفوضية لحقوق الانسان تابعة لحكومة تقمع المعارضين، التي لم نسمع بتقاريرها حول ما يحدث في السجون والمعتقلات طوال هذه السنوات.

 

ان مشروع القانون المذكور يتناقض مع الاعلان العالمي لحقوق الانسان ومع العهد الدولي الصادر عام ١٩٦٦، وتنص المادة ١٩ من الاعلان على حق التعبير والحق في الحصول على المعلومات وتبادلها ونشرها بحرية، وكذلك يتناقض مع المادة ٤٦ من الدستور العراقي الذي ينص "ان التحديد والتقييد القانوني لممارسة اي حق من الحقوق والحريات الواردة في الدستور ينبغي ان لا يمس جوهر الحق والحرية". لكن وعلى ما هو واضح ان المشرع نسى ما كتب في الدستور وما نصت عليها الوثائق الدولية، لان خطر الخوف من تهديد السلطة الحاكمة وخاصة بعد الاحتجاجات الكبيرة التي اندلعت في ٢٥ شباط ٢٠١١ باثر نسيم الثورتين المصرية والتونسية، واحتجاجات عام ٢٠١٥ التي ردد الجماهير بنشيدها المدوي "بأسم الدين باكونا الحرامية" هو الذي يجثم كالكابوس على افئدة الطبقة الحاكمة.

 

واخيرا وليس اخرا، نود ان نسلط الضوء على حقيقة قد طمست او اغفلت عنها وهي، ان الدستور العراقي الذي كتب عام ٢٠٠٥ هو انعكاس لنظام المحاصصة السياسية، فهناك بنود تسعد الاسلاميين بلحن جعفري، واخرى تفرح الاسلاميين بلحن سني، وبين هذا وذاك هناك بنود تسعد القوميين من كل حدب وصوب، واما البنود التي اشرنا اليها حول الحريات الانسانية، كتبت من اجل تجميل وجه الاحتلال الذي جاء تحت شعار نشر الديمقراطية في العراق بنفس القدر قبلها الاسلاميين على مضض لتثبيتهم على السلطة.

 

واما عملية تنقية الدستور من كل الترهات الطائفية والقومية، وتعريفه للبشر بهويته الانسانية واطلاق العنان لكل الحريات الانسانية، فيكون بالنضال الشرس والدؤوب لفرض التراجع على عصابات العملية السياسية وحرامية المنطقة الخضراء

مقالات