نادية محمود

دولة دينية ام دولة علمانية؟

يردد البعض من الاسلاميين وممن يعرفون انفسهم كيسار مطلب "المدنية" واحيانا "الدولة المدنية". واطلق اسم "التيار المدني" على المجاميع التي هي خارج الاسلاميين والتي كانت تتظاهر من اجل مطالب اجتماعية وسياسية في السنتين الاخيرتين. ولكن ليس من المعلوم بشكل واضح ما المقصود بالدولة المدنية. هل يقصد بها الدولة العلمانية بمواجهة الدولة الدينية؟.

 

من الواضح ان هذه الاوساط لديها تفسيرات مختلفة وتدفعها اغراض متباينة. الاسلاميون، ربما لحماية الاسلام، او للظهور بمظهر الليبرالية، واليساريون، ربما، لوجود تحفظات لديهم من التطرق الى مسائل مثل العلمانية وفصل الدين عن الدولة. اقول ربما، لانه ليس من الواضح ما المقصود بالمدنية او الدولة المدنية بالنسبة للاسلاميين ولدعاة هذا النوع من الدولة. قد يكون ابعاد رجال الدين عن الحكم، اشاعة حكم القانون، او انهاء دور الميلشيات هي ما يرمي اليه دعاة المدنية من اليسار. ولكن ونظرا لكون مفهوم الدولة المدنية فضفاض وغير واضح المعالم ارى ان المطلب الذي يجب ان يرفع بدلا هو الدولة العلمانية بديلا عن الدولة الدينية والطائفية، وساوضح السبب.

 

ولكن قبل التطرق الى هوية الدولة، نتفق كماركسيين على ان الدولة البرجوازية هي اولا وقبل كل شيء اداة قمع بايدي الطبقة الحاكمة لفرض هيمنتها على المجتمع وعلى الطبقة العاملة من اجل نهب ثروات المجتمع وفائض القيمة. والراية الايديولوجية لهذا الطبقة تقوم على الهويات الدينية والطائفية وتتصارع فيما بينها من اجل تأمين اكبر الحصص. فتحت رايات ايديولوجية وتقسيمات طائفية تمت السيطرة على الوزارات والادارات والمشاريع واعمال البزنس وعقود الدولة التي قام بتأمينها لهم اقتصاد الدولة الريعي النفطي. لذا، ومن اجل نزع هذه "الشرعية" التي اعطوها لانفسهم لا بد من رفع مطلب دولة علمانية، دولة غير دينية. ان هذا المطلب في دولة علمانية هو من اجل:

 

اولا وقبل كل شي تحقيق الامن والامان للمجتمع. من اجل حقن دماء البشر. ان الطبقة العاملة والعاطلين عن العمل كانت ولاتزال تدفع ثمنا للحرب الطائفية من حياتها، بدءا من الموت في ساحات القتال، دفع ضرائب مالية للميلشيات من رواتبها الشهرية لتمويل الحرب، فرض مسؤولية تمويل النازحين على موظفي وعمال الدولة. لذا، فان انهاء والغاء الهوية الدينية والطائفية للدولة تصب اولا وقبل كل شيء لصالح حياة ومعيشة وامان الطبقة العاملة والجماهير.

 

ثانيا، نريد دولة علمانية من اجل انهاء الصراعات والحروب الطائفية، حتى تلتفت الطبقة العاملة والعاطلين عن العمل الى حياتها ومطاليبها في اوضاع طبيعية وعادية وسلمية، والتي اوغلت البرجوازية في تمزيقها وتدميرها. لتتمكن من ان تعيش في اوضاع تتمكن من خلالها الالتفات الى صراعها الحقيقي والاصلي اي الصراع الطبقي وليس الصراعات الدينية والهوياتية التي لا تقدم اي خيرا للانسان.

 

ثالثا، من اجل جعل النضال الطبقي سافرا، وانهاء استغلال الهويات الطائفية لجعل العامل "الشيعي" وكأنه بمواجهة العامل "السني"، والحال ان العامل "الشيعي" والعامل "السني" لديهم عدو طبقي واحد، البرجوازية، مهما تلونت بلون شيعي او سني، او اسلامي او غير اسلامي.

 

نريد دولة يفصل فيها الدين عن الدولة، دولة يفصل فيها الدين عن التعليم، تنتفي فيها اية سمة دينية للدولة. دولة لا يأتي ذكر الدين في دستورها، الا مرة واحدة وهي ذكر "حق الجميع باعتناق او عدم اعتناق اي دين، التدين او اللاتدين، حرية العقيدة والالحاد على حد سواء، وضمان هذا الحق بقوة القانون". دولة تخرج الدين من الحيز العام وتعيده الى الحيز الخاص. دولة لا ذكر لدين ولاطائفة ولا شريعة في قوانين احوالها الشخصية. دولة لا تضع اية ميزانيات لدعم وتمويل اية ممارسات دينية واية طقوس دينية. دولة لا تقوم باعطاء اية عطل رسمية من قبل الدولة لمناسبات دينية. دولة لا تقبل بتشكيل ميلشيات دينية ولا طائفية. ان كان هذا هو المقصود بدولة مدنية، لماذا لا نقول ببساطة نريد دولة علمانية حتى نفهم ما المقصود بالدولة المدنية. ان المطلب يجب ان يكون واضحا ومحددا وليس هلاميا وفضفاضا، لا تعلم مالذي يقصده الاسلامي منه او اليساري!

 

لذا، فان طرح شعار العلمانية من قبلنا كشيوعيين وماركسيين هو ليس شعارا شعبويا، يجمع الصدري مع المدني، بل شعارا طبقيا سياسيا بأمتياز. حيث انه يفصل اولا وقبل كل شيء بين طبقة برجوازية حاكمة تتخذ من الدين والطائفة راية ايديولوجية لها، وبين طبقة يراد سرقتها بأسم الدين كما عبرت تظاهرات عام 2015 وبشكل دقيق. ان الحرب الاهلية الطائفية التي زجت بها الطبقة البرجوازية الحاكمة الطبقة العاملة لن تنتهي، مادامت تستخدم الدين سلاحا في المعركة لذلك، يجب نزع هذا السلاح منها بالنضال من اجل العلمانية.

 

ان صوت العلمانية صوت يرعب القوى الطائفية، وهذا الذي يفسر سبب الهجمة الاعلامية الشرسة التي بدأها المالكي ورجال الدين، والتي ادت الى اختطاف سبعة شبان مدنيين. انهم يعرفون، اي قوى الاسلام السياسي، ان العلمانية تعني قلب الطاولة عليهم. اذا كان الدفاع عن دولة دينية وطائفية بالنسبة لهم هي مسالة حياة او موت، فان النضال ضدها بالنسبة لنا تعني مسالة حياة وموت. لذلك على اولئك الذين ينادون بدولة مدنية ان يحددوا موقفهم: هل تريدون دولة دينية طائفية ام دولة علمانية؟..

 

مقالات