سمير عادل

الحركات الاحتجاجية بين الدولة المدنية والدولة العلمانية غير القومية

لقد ساد مفهوم الدولة المدنية او شعار الدولة المدنية وطغى بشكل كبير على الاحتجاجات المستمرة في مدن العراق وخاصة في ساحة التحرير، وامسى شعار الدولة المدنية هو الشعار السائد والمطلب الرئيسي لطيف واسع من اليسار والذين يعرفون أنفسهم بالليبراليين والديمقراطيين. وامتزج الجميع تحت الشعار الانف الذكر والذي حظى بتأييد التيار الصدري دون اعتراض. وبالقدر الذي ادى عدم تحفظ التيار الصدري على ذلك الطيف الذي يعرف نفسه بالتيار المدني بالغبطة والفرح، بنفس القدر اصبح شعار الدولة المدنية أكثر الشعارات التي وضعت عليها علامة استفهام كبيرة، واوقعت الكثير من الطيف اليساري وحتى من الذين يعتبرون انفسهم ماركسيين وشيوعيين في شراك حبال التيارات البرجوازية والتي استبدلت الدولة العلمانية بالدولة المدنية، كما استبدلت مقولة الحرية بالديمقراطية.

 

"

الدولة" في مهب الصراع بين التيارات السياسية البرجوازية:

 

ان مفهوم الدولة المدنية لا يساوي الدولة العلمانية، انما الدولة العلمانية تساوي بالضرورة الدولة المدنية. والدولة المدنية بالمعنى المطلق لا تعني أكثر من انها دولة غير دينية لا يحكمها رجال الدين ولا القوانين الدينية. والدولة من وجهة نظر الماركسية هي جهاز قمعي لتنظيم المجتمع وفق الاسس الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للطبقة المهيمنة على ثروات المجتمع. وكما يقول ماركس (ان جميع الانقلابات قد اتقنت هذه الالة بدلا من ان تحطمها...فالأحزاب التي خلفت بعضها بعضا في النضالات من اجل السيادة كانت ترى في الاستيلاء على صرح الدولة الهائل القيمة الرئيسية في حال انتصارها"- الثامن عشر من برومير-ماركس".

 

ان الاحتلال كما أوضحنا في مناسبات عديدة دمر الدولة، وأفقدها هويتها، وسماتها الجامعة "الوطنية- الجغرافية"، وحل محل الفراغ الذي تركه تحطيم الدولة في العراق، المليشيات المختلفة والهويات القومية والطائفية والدينية. وقد ارتطمت كل المساعي الحثيثة لإدارة الاحتلال بجدار الفشل منذ تشكيل مجلس الحكم الانتقالي وحتى الانتهاء الرسمي للاحتلال في نهاية عام 2011 في بناء الدولة في العراق، وبالرغم من تقديم كل اشكال الدعم لحكومة المالكي في ولايتين متتاليتين وعلى مدى ثمان سنوات. واعلن فشل مشروع بناء الدولة بشكل رسمي في اعلان دولة الخلافة الاسلامية في 10 حزيران من عام 2014 المعروف بداعش في ثلث مساحة العراق، بعد هزيمة جيش التحالف الشيعي الجرار بقيادة المالكي في الموصل.

 

ان الاحتلال فشل في خلق الانسجام في صفوف البرجوازية المحلية في العراق المعبرة عنها بتيارات قومية وطائفية ودينية. كما فشلت نفس البرجوازية المحلية في ايجاد اي نوع من الانسجام السياسي في صفوفها. وكانت كل محاولات حزب الدعوة بقيادة المالكي في تصفية المخالفين والمعارضين السياسيين املا بخلق الانسجام السياسي قد فشلت هي الاخرى في خلق ذلك النوع من الانسجام السياسي.

 

ان احدى المشاكل التي تعانيها البرجوازية العراقية بجميع اطيافها وتياراتها السياسية هي تشرذمها السياسي. فهي منسجمة في البرامج الاقتصادية، وهي متفقة جميعها مع سياسات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي واقتصاد السوق والليبرالية الجديدة وسياسات الخصخصة، وهي متفقة ايضا على رزمة من القوانين التي تضبط اداء السياسات الاقتصادية مثل قانون الحريات النقابية وحرية التعبير وقانون العمل وسياسة التقشف والخصخصة، التي تضمن استثمار العامل وتسيطر على احتجاجاته، بل ان الصراع الجوهري يكمن حول النهج السياسي في بناء الدولة وهويتها السياسية وشكل ادارتها لربط العراق بسوق الانتاج الرأسمالية العالمي.

 

وعلى مدى اكثر من عقد ونصف من الزمن تقريبا، لم يترك الصراع السياسي في صفوف التيارات البرجوازية فرصة لطمأنة الرأسمال المحلي للحيلولة دون الهروب، والرأسمال العالمي من المجيئ الى السوق العراقية والقيام بالاستثمارات لتعلن ان العراق سوق امنة وجزء لا يتجزأ من السوق الاقتصادي الرأسمالي العالمي.

 

و يعتبر ضياع الهوية القطرية او الهوية "الوطنية" للدولة بعد تدميرها من قبل الاحتلال والتي تمكنت البرجوازية من خلالها تنظيم نفسها تحت راية تلك الهوية في فرض تنظيم السوق الموحدة وخلق مجتمع مستقر، وبغض النظر عن الالية التي نظمت ذلك الاستقرار وهو الاستبداد السياسي خلال ما يقارب من ثلاثة عقود ونصف من حكم البعث، معضلة اخرى في اتمام بناء الدولة. ان تاريخ الدولة البرجوازية الحديثة في العراق منذ عام 1921 وحتى قدوم البعث وانفراده في السلطة بعد عام 1979 هو تاريخ الاضطرابات وعدم الاستقرار السياسي. وشهدت الفترة الاولى بين 1921-1958 سقوط ما يقارب 56 وزارة وشهدت الفترة الثانية 1958-1968 ثلاثة انقلابات عسكرية. واستطاع البعث وبضم الحزب الشيوعي العراقي الى صفه بقيادة البرجوازية العراقية في المرحلة الاولى عبر ما سمي بالجبهة الوطنية التقدمية والانفراد بالسلطة في المرحلة الثانية عبر الاستبداد بالقضاء على التشرذم السياسي في صفوف البرجوازية، وبتنظيم سوق محلية وربط السوق العراقية بالسوق الانتاج الرأسمالية العالمية.

 

وبعد عام 2003 اي بعد احتلال العراق، لم يستطع كما وضحنا اي جناح من اجنحة البرجوازية العراقية بطرح افق سياسي يضم بقية الاجنحة في صفوفها. وكان البعد الاقليمي له تأثير على جميع الاجنحة. فالمرحلة التي شهدتها العراق هي جزء من مرحلة سياسية انتقالية على صعيد المنطقة والعالم. وهذه المرحلة هي اعادة تقاسم النفوذ بين الاقطاب الاقليمية والدولية المتنافسة فيما بينها. ومازالت هذه المرحلة لم تحسم الى الان، حيث القت وتلقي بضلالها على كامل الوضع السياسي في العراق. ولذلك فان اتمام عملية بناء الدولة وتعريف هويتها السياسية هو جزء من هذا الصراع. فجناح الاسلام السياسي الشيعي الموالي لإيران "حزب الدعوة جناح المالكي، حزب الفضيلة، بدر، العصائب.." يسعى بتأسيس نموذج الجمهورية الاسلامية، والجناح الاخر الاسلامي وهو التيار الصدري يشترك مع الحزب الشيوعي العراقي ولفيف من الديمقراطيين والليبراليين وبتأييد ــ بشكل غير مباشر ــ من جناح حزب الدعوة "العبادي"؛ في بناء دولة قطرية او دولة وطنية موحدة على الجغرافية القديمة قبل عام 2003، في حين يمثل المجلس الاسلامي الاعلى مهمة التيار الانتهازي بامتياز فهو يميل مع ميلان كفة الميزان. اما الجناح القومي العروبي فبعد فشله في اعادت عقارب التاريخ الى الوراء وتعريف العراق على اساس الهوية العروبية، يحاول اليوم ان يستمد قوته لا من أفقه السياسي المعدوم وبوصلته السياسية المفقودة، بل من اجندة القوى الاقليمية المنافسة للجمهورية الاسلامية في ايران مثل السعودية قطر-تركيا، حيث بات اقصى طموح له هو تأسيس اقليم سني ضمن عراق متعدد الولايات او الاقاليم. الا ان الجامع بين كل هذه الاجنحة السياسية للبرجوازية هو ادراكها جميعا بأن الدولة الوطنية قد ولت الى غير رجعة.

 

سر الشراكة بين التيار المدني والتيار الصدري:

 

ان العماد الاساسي والمنظر الرئيسي للتيار المدني هو الحزب الشيوعي العراقي، وهو مهندس التحالف مع التيار الصدري. صحيح انه لا توجد هناك ورقة رسمية توثق هذه الشراكة، ولكن قادة الحزب الشيوعي العراقي يقفون في الصفوف الامامية لهذه الشراكة ويقفون منتصبي القامة خلف زعيم التيار الصدري.

 

ان الطابع الطبقي لهذا التحالف هو مزيج من تطلعات جناح من البرجوازية الذي لا زال يعرف نفسه بـ "الوطنية"، مع شرائح كبيرة لها تطلعات واماني البرجوازية الصغيرة. اي بمعنى اخرى هو تحالف بين البرجوازية الصغيرة ــ التي تهمش موقعها الاقتصادي بفعل فتح ابواب الاسواق العراقية على مصراعيها امام استيراد السلع الرخيصة والتي اوقفت عجلة الاف من المصانع والمعامل الصغيرة، وتهمش معها الموقع الاجتماعي لتلك الطبقة، وباتت ترعبها تدحرجها الى موقع الطبقة العاملة ــ وبين تلك البرجوازية التي تحلم من جديد بإعادة المجد الى الصناعة الوطنية. فاذا كان الحزب الشيوعي العراقي عبر تاريخه الطويل مثل التيار "الوطني" في صفوف البرجوازية، فأن التيار الصدري هو الاخر يمثل نفس الخط ولكن بشكله الاجتماعي والثقافي المتخلف، اما جماهير التيارين وقاعدتهما الاجتماعية فهي تتكون من الشرائح البرجوازية الصغيرة والمهمشين والمعدومين وجيش العاطلين عن العمل. وفي نهاية المطاف ان هذين التيارين الذين يمثلان افاق التوجه البرجوازي الوطني والبرجوازي الصغير، ما زالا لم يستيقظا على خبر عفى عليه الزمن بان البرجوازية كفت ان تكون وطنية منذ امد بعيد في عصر الامبريالية الجديدة التي اخترع اسم حركي لها وهو العولمة الرأسمالية. انهما ما زالا يعتقدان ان الرئيس الذي يحكم العراق هو احمد حسن البكر.

 

لقد حاولت جميع تلك الاجنحة في المرحلة الاولى للاحتلال التي تحدثنا عنها ان تعزف على وتر الوطن والوطنية، وجميع تلك الاجنحة بالرغم من سخرية الحدث، اجتمعت تحت مظلة نشيد "موطني" في الوقت الذي كان يشتد فيه التنافس بينها على احراز مراكز لها في مجلس الحكم الطائفي والقومي الذي شكّله وقاده رئيس الادارة المدنية للاحتلال بول بريمر، ولكنها سرعان ما تفرقت بعد اداركها فشل الايديلوجية القومية عبر تدمير الدولة الوطنية. وليس هذا فحسب بل ان الجماهير العمالية والكادحة والمحرومة التي تشكل الاغلبية المطلقة من المجتمع العراقي اصبحت على دراية ووعي وأدراك بأن الوطن للأغنياء بينما الوطنية هي مجرد ايدولوجية خادعة لتحويلهم الى وقود في حروب تلك الاجنحة الطائفية والقومية، بينما انتفخت وتنتفخ جيوب قادتها وشخصياتها وميلشياتها بالأموال المسروقة والمنهوبة بشكل اكبر من انتفاخ كروشهم. وحتى العلم العراقي المنتهية صلاحيته منذ عام 2010 لم يعدو اكثر من رمز لتعريف العراق بالمحافل الدولية، في حين على الصعيد المحلي، فالرايات الطائفية والقومية اصبحت اكثر علوا وقدسية من العلم المذكور. وكشفت الحرب مع داعش عن تلك الحقيقة المرة بالنسبة للذين ما زاولوا يستميتون بالدفاع من اجل الصناعات الوطنية بالرغم من عدم قدرتها بالتنافس مع السلع المستوردة.

 

ان استعارة مفهوم "الدولة المدنية" وتحويله الى شعار مركزي للاحتجاجات، وتأسيس تجمعات مختلفة باسم المدنية بدءا من التحالف المدني اسم القائمة الانتخابية عام 2014 وانتهاء بالتيار المدني ثم تسويقه اعلاميا ودعائيا سياسيا هو تعبير عن فشل شعار الدولة الوطنية التي باتت لا تستهوي احد. ان كل من الحزب الشيوعي العراقي وحزب الامة الذي يتزعمه مثال الالوسي والتحالف المدني والتيار الديمقراطي وطيف من الليبراليين يعرفون انفسهم بأنهم جزء من التيار المدني ويلتفون بشكل واخر حول شعار الدولة المدنية بالرغم من الخلافات الشخصية والسياسية فيما بينهم.

 

ان الدولة المدنية هي بديل سياسي لأحدى الاجنحة السياسية التي كانت جزءا اصيلا من العملية السياسية منذ تأسيسها بعد الاحتلال (الحزب الشيوعي العراقي) مثلا. ووفق مفهوم هذا الجناح فأنه يعتقد ان الدولة المدنية هي الخلاص السياسي من الاوضاع السياسية في العراق، وهو البديل الذي يمكن ان يخلق الاستقرار السياسي وبالتالي يخلق الامان لجذب الاستثمارات، وبناء السوق المحلية العراقية ويعمل على توفير فرص العمل ويقضي على البطالة ويوفر الخدمات ويدفع بالعراق الى مصاف المحافل الدولية، في الوقت الذي فشلت فيه جميع الاجنحة الاخرى من التيارات السياسية المتمثلة بالإسلام السياسي، الذي عرف باللصوصية والفساد والتطهير الطائفي والخطف والقتل. ان بديل الدولة المدنية ـ من وجهة نظر دعاته ـ يعتبر بديلا في مواجهة البدائل المطروحة لتيارات الاسلام السياسي وهي الدولة الطائفية سواء كانت في الحكم او في المعارضة.

 

الدولة المدنية والهوية السياسية:

 

ان الجناح المشار اليه اعلاه لا يشغل باله مفهوم هوية الدولة العراقية، اي ان تكون لها هوية محددة مثل هوية الدولة المصرية، فهو غير مهتم ان يكون الاسلام جزء مهم في التشريع، او ان تكون هوية الدولة عروبية مثلما كان قبل الاحتلال، او تكون ذات هوية هلامية. فالمهم ان هوية الدولة علمانية لم تدخل اجندة ذلك الجناح كما انه لا يعمل من اجل تحقيقها لآنها ستؤلب القوى السياسية الاخرى التي من الممكن ان تجتمع تحت راية او عنوان الدولة المدنية لا الدولة العلمانية. وهذا يفسر قبول التيار الصدري بالتحالف مع التيار المدني، لأنه أدرك هو الاخر نفاذ مفعول الدولة الوطنية من جهة ومن جهة اخرى يطرح نفسه بديل مغاير يستهوي الشارع العراقي الذي رفع شعار "باسم الدين باكونا الحرامية" في مواجهة اخوته الاعداء في التحالف الاسلام السياسي الشيعي.

 

ان الدولة المدنية هي شكل اخر للدولة البرجوازية، بيد ان المشكلة تكمن في الاوهام حول محتوى الدولة المدنية في صفوف طيف عريض وواسع من الجماهير الغاضبة من الممارسات السياسية والاجتماعية للإسلام السياسي الحاكم وطريقته لإدارة المؤسسات الحكومية التي اغرقت بالفساد والمحسوبية، التي تعتقد ان الدولة المدنية، هي اذا كانت نقيضة للدولة الدينية، فتعني بالضرورة، اتساع قائمة الحريات الشخصية والمدنية، وستضع نهاية للفساد وبالتالي سيعرف البشر في العراق على اساس الهوية الانسانية. صحيح ان الدولة المدنية هي افضل من الدولة الدينية بالنسبة للحريات الفردية، ولكن النماذج السيئة للدولة المدنية لا تعد ولا تحصى، سواء التي عاصرناها او التي نشاهدها اليوم، مثل دولة البعث القومية الاستبدادية التي مارست الشوفينية القومية بامتياز ضد الناطقين باللغة الكردية، او التي انقلبت الى دولة تمزج المدنية بالدين، كانت دولة مدنية، والدولة السورية، ودولة مصر عبد الناصر التي ازدهر فيها الدين بشكل واسع واصبحت التربية الدينية اجبارية في المدارس بعد ان كانت اختيارية وبني عشرة الاف مسجد خلال فترة حكم عبد الناصر- انظر مقال "العلمانية بين الطبقات وتياراتها السياسية-الحوار المتمدن-23 ايلول 2015- سمير عادل- ودولة السيسي التي هي امتداد لدولة ناصر ومبارك كما كان من قبل وما زالت هي دولة تعامل الاقباط مواطنين من الدرجة الثانية، ودولة تركيا الفاشية هي دولة مدنية، ودول مدنية اخرى مثلما وجدت في امريكا اللاتينية واسيا كانت دول مدنية لكنها استبدادية مثل تشيلي والارجنتين والبرازيل وكولمبيا ومكسيك واندونيسيا ..الخ.

 

ونحن نرى أن الدولة المدنية في العراق هي طرح وبديل لجناح من البرجوازية، اذ يعتقد هذا الجناح ان تأسيس الدولة المدنية وبغض النظر عن هويتها، سوف تنقل العراق الى بر الامان وتلحقه بالركب العالمي على الصعيد الاقتصادي والسياسي والثقافي. وهذا الجناح يمثله بشكل رسمي الحزب الشيوعي العراقي والتيار الصدري. ان المسألة بالنسبة للتيار الصدري هي مسالة افقه السياسي "الوطني" الذي يلتقي مع افق الحزب الشيوعي العراقي، ولا تتعلق بتاتا بتغير مواقف مقتدى الصدر ولا باعتداله ولا بتكفيره عن جرائم جيش المهدي الذي حله واحل مكانه مليشيا سرايا السلام، كما يحلو للتبريرين في تفسير التقارب المذكور او التحالف. اما بالنسبة للحزب الشيوعي العراقي، فافقه السياسي هو الاخر وطني، فليس مسالة التحالف مع التيار الصدري شيء جديد في اجندته وبرنامجه، فهو يلتقي دائما مع التيارات البرجوازية "الوطنية" فتحالفه مع حزب البعث في السبعينات ثم تحالفه مع قائمة اياد علاوي العروبية في القائمة العراقية في انتخابات 2008 والان تحالفه مع التيار الصدري.

 

الدولة المدنية والطبقة العاملة:

 

بالنسبة للطبقة العاملة، ان الدولة وبغض النظر عن هويتها سواء كانت دينية او مدنية، هي جهاز قمعي، هي اداة لتنظيم العلاقة بينها وبين الطبقة التي تستغلها وهي البرجوازية. ان الدولة التي تصورها البرجوازية ابدا هي محايدة وفوق المجتمع، او كما يحاول تصويرها التيار المدني في حال الدولة المدنية بأنها المنقذ والمخلّص للمجتمع والجماهير، هي في الحقيقة دولة لجناح من الطبقة البرجوازية لإدارة الصراع الطبقي الدائر في المجتمع مرة بشكل مستتر واخرى بشكل عنف كما يعلمنا ماركس، بحيث يضمن تأمين مصالح الرأسمال.

 

صحيح في حال مريدي الدولة المدنية في العراق، هناك طيف واسع من طيبي النية ومخلصين من التواقين الى الدفاع عن الحرية والانسان والمساواة، ولكن النيات والاخلاص في السياسية لا تعني شيئا ولا تنقل بيدق الشطرنج الى اي مكان. فالأفق السياسي هو الفيصل في تغيير المعادلات السياسية. ان افق احتجاجات (الدولة المدنية) هو افق لتحالف مشوش بين الجناح "الوطني-القومي" في صفوف البرجوازية وبين البرجوازية الصغيرة، كما شرحناه قبل قليل، وهو يحاول عبثا طرح بديل مقابل بدائل التيارات البرجوازية الاخرى التي تتصارع بأياديها وبأسنانها من اجل حسم السلطة السياسية وبناء الدولة وتثبيت هويتها.

 

ان افق الدولة المدنية لا يؤدي الى شيء او بعبارة اخرى يؤدي الى لا شيء، ومن الممكن اصطفاف حتى القوى الاسلامية مثل دولة القانون والمجلس الاسلامي الاعلى وراء مطلب الدولة المدنية، اذا رأت ضغطا واسعا من الشارع، واذا وجدت ان بناء الدولة المدنية افضل بديل في خلق الاستقرار السياسي وبالتالي تضمين مصالح الرأسمال واستثمار العامل في العراق. وسيكون نموذج الدولة المدنية التي يطالب بها التيار المدني ويصطف خلفه التيار الصدري ليس أفضل حال من دولة البعث او دولة عبد الناصر او دولة القذافي على سبيل المثال لا الحصر. والدولة المدنية كما في حال الدول الانفة الذكر ستحتفظ بذخيرة الدين، وستستخدمها في حربها كلما اقتضت الضرورة في صراعها السياسي ضد الحركات المساوات الشبابية والنسوية والعمالية والمطلبية في المجتمع. ومن جانب اخر فان (الدولة المدنية) لن تجرد الاحزاب الدينية من الايديلوجية الدينية، وستبقى وزارة الاوقاف والشؤون الدينية فعالة وقائمة دون المساس بمصالها وامكانياتها، وستعفى بناء المساجد والجوامع من الضرائب، وسيبقى الدين جزء من الدولة ومن التربية والتعليم، وسيعامل اصحاب المعتقدات المخالفة للإسلام بمواطنين من الدرجة الثانية، وستبقى قوانين الاحوال الشخصية هي قوانين ذكورية وتعامل المرأة بشكل دوني، وستضع الحريات الشخصية والانسانية في قالب الدين، وتحت عنوان ان لا تمس الحريات الشخصية التقاليد الدينية وبما يخالف تقاليد المجتمع الاسلامية.

 

الدولة العلمانية غير القومية مطلب آني:

 

ان المعضلة الاصلية في المجتمع العراقي هي الاسلام السياسي. ان كل مآسي المجتمع العراقي خلال اثني عشر الى ثلاثة عشر عام من فقر وفساد وانعدام الخدمات والخطف والقتل والتطهير الطائفي بكل انواعه وانعدام الامن والامان وبث الكراهية في المجتمع هو اساسه ومبعثه الاسلام السياسي الحاكم والمعارض دون استثناء. ان اي تحسن طفيف لا يشهده المجتمع العراقي دون فرض التراجع على قوى الاسلام السياسي.

 

نحن على دراية ان الدولة العلمانية ليس هي دولة اشتراكية، ولن تكن دولة غير برجوازية، او تكف عن ان تكون جهاز قمعي ضد الطبقة العاملة او ان تكن محايدة في الصراع الطبقي بين العامل الذي يناضل من اجل تحسين ظروف عمله وعالم أفضل وبين البرجوازي الذي يشدد ظروف العمل لانتزاع مزيد من فائض القيمة لزيادة ارباحه. لان العلمانية بالنهاية هي الهوية السياسية للدولة. بيد اننا نطرح العلمانية كبديل في مقابل الهويات الطائفية والدينية في المجتمع.

 

ان التيارات السياسية البرجوازية ليس لديها بدائل في بناء الدولة وهويتها غير البدائل الطائفية او في احسن احوالها الدولة المدنية التي تحدثنا عنها بالتفصيل والتي يكون محتواها وهويتها في علم الغيب.

 

ولكننا نرى ان الطبقة العاملة لديها مصلحة مباشرة في ان تكون هوية الدولة علمانية خلال مرحلتها النضالية الانية. لقد اصبحت الطائفية والدين بشكل عام ليس عامل تفتيت وتشتيت وبث الكراهية في صفوف العمال وعموم المجتمع في العراق فحسب، بل عامل قتل وتطهير طائفي وديني. ان تسميم ادمغة الاحياء في العراق بالترهات الطائفية والدينية هي سياسة ممنهجة ومخطط لها من قبل قوى الاسلام السياسي في حربها القذرة والدنيئة من اجل الاستحواذ على اكثر ما يمكن من السلطة والامتيازات والاموال. انها سياسة لتكبيل ذهنية العامل بالدرجة الاولى بمنظومة من الاكاذيب والاوهام اللاإنسانية لحرف نضاله ضد العدو الطبقي الواحد، فعلى سبيل المثال ان شركة بي بي البريطانية او شيل الهولندية او اكسيون موبايل الامريكية او بتروجاينة الصينية او لوك اويل الروسية ليسوا انصار الطائفة الشيعية او الطائفة السنية، او الناطقين العربية او الكردية، ولا هم اصدقاء اصحاب الكتاب المقدس، الا انهم وعن طريق شركة نفط الجنوب ونفط الشمال، يمارسون ابشع انواع الاستغلال والسرقة والنهب.

 

ان العلمانية تعني تجريد اصحاب الاستثمارات الطائفية من اغراق العراق بالعطل الدينية لتصل ما يقار 152 يوم كما هو مطروح في مسودة للمشروع قانون العطل الى البرلمان، والهدف هو تحويل المناسبات الدينية لنشر الترياق الطائفي ودق اسفين في صفوف الطبقة العاملة وجموع محرومي المجتمع، لتخليد نظام الحكم الاسلامي الطائفي وترسيخ جذوره. ان العلمانية تعني تمزيق "البطاقة الوطنية" التي تتقطر منها العنصرية السافرة والمبنية على سلب البشر في العراق هويتهم الانسانية. ان العلمانية تعني تربية الاطفال وتنشئتهم في المدارس الابتدائية واعدادهم في الثانويات والجامعات تنشئة انسانية وترسيخ قيم السلام والتعايش والتسامح والحب وان يكون العلم والمعرفة نبراس لهم. وان العلمانية تعني تجريد احزاب الاسلام السياسي من سلاحها القاتل وهو الدين الذي يستغل في تحميق المجتمع وتدمير بنيته الاجتماعية وتمزيق نسيجه الاجتماعي. ان العلمانية تعني انفاق الاموال على بناء المدارس والجامعات والمستشفيات والملاعب والمسابح عبر حل وزارة الاوقاف والشؤون الدينية وفرض الضرائب على الاغنياء الذين يتهربون من الضرائب عبر بناء الجوامع والمساجد. ان العلمانية تعني شن حربا اعلامية ودعائية ضروس ضد الاعلام الطائفي والفكر الطائفي والديني والفضائيات التي تبث ليل نهاء سمومها الطائفية والدينية عبر تمويل الدولة للإعلام. ان العلمانية تعني انهاء كل اشكال التمييز الديني والقانوني والاجتماعي والسياسي ضد المرأة في الدستور وقوانين الاحوال الشخصية ومراكز العمل والممارسة اليومية في البيت وحضانة الاطفال والعنف المنزلي. الخ. ان العلمانية تعني مساواة البشر في العراق وانهاء صفة الدين او كتابته في هوية الاحوال المدنية او اي وثيقة رسمية تصدرها الدولة. ان العلمانية تعني اطلاق الحريات الفردية، وحرية المعتقد، وحرية الدين والالحاد.

 

بيد ان الهوية العلمانية للدولة تكف ان تكون هوية تعامل البشر في العراق على اسس متساوية اذا لم تقترن بعلمانية غير "قومية". وقد مثلت "القومية" مطب اخر وقع فيه دعاة الدولة المدنية. وبمعنى اخر ان هوية الدولة وكي تضمن المساواة القانونية والاجتماعية بين البشر في العراق يجب ان تكون هوية الدولة علمانية وغير قومية. وبهذه الهوية تجرد القوميين من سلاحهم في الصاق صفة القومية بهوية الدولة وتعريف الانسان على اساس هويته القومية او اللغة التي ينطق بها. ويعني عدم السماح للشوفينية القومية ان تطل براسها من جديد وابعاد شبح كل اشكال خطر الصراع والحرب القومية والتطهير القومي في العراق.

 

ان المصالح العامة للطبقة العاملة في العراق تقتضي بالضرورة، ان تناضل في مجتمع طبيعي بحيث تكون الصراع الطبقي واضح ومكشوف. ان احدى المهام الانية للطبقة العاملة في العراق والشيوعيين هي فصل افاقها وصفوفها عن افاق التيارات البرجوازية وبدائلها السياسية عبر طرح بديلها وهو تأسيس دولة علمانية وغير قومية. ان الطريق نحو بر الامان، نحو الحرية والاستقرار، يبدئ في بناء دولة ذات هوية علمانية وغير قومية.

 

مقالات