نادية محمود

حول الميلشيات والدولة

يقول رائد فهمي، سكرتير الحزب الشيوعي العراقي، في مجرى المقابلة التي استضافته بها قناة العراقية مساء يوم 24 ايار الجاري بانه "لا يفهم سبب بقاء الاجنحة العسكرية للاحزاب السياسية"، داعيا هذه التنظيمات الى الاقتداء بنموذج الحزب الشيوعي العراقي الذي حل جناحه العسكري ليندمج مع مؤسسات الدولة. في الوقت الذي يجب التأكيد فيه على اهمية حل الميلشيات وانهاء وجودها من اجل ان يشعر الناس بالامن والامان، ولكنه ضرب من العبث ان يتوجه السؤال الى حل ودمج تلك الميلشيات بمؤسسات الدولة الى اصحاب هذه الميلشيات.

 

ان وجود الميلشيات هي اولا وقبل كل شيء تعبير حي وواقعي على حقيقة غياب وجود الدولة في اولا وقبل كل شيء، لتذوب الميلشيات فيها. يعرف الجميع انه وبعد عام 2003 لم يتبقى ملامح وجود دولة في العراق. وان هذا هو الواقع الذي ادى الى وجود و"بقاء الاجنحة العسكرية للاحزاب السياسية" او الميلشيات.

 

ان عدم وجود دولة متأت من عجز الطبقة البرجوازية الحاكمة في العراق عن ان تخلق انسجام في صفوفها وتؤسس لنفسها دولة تتمكن فيها من ادارة نفسها وادارة المجتمع. ان وجود الميلشيات يعكس حالة التناحر السياسي والعسكري بين اقطاب هذه الطبقة فيما بينها، والصراع بين هذه الاقطاب والمجتمع بشكل اعم. ان وجود الميلشيات هو تعبير عن العجز الحقيقي للبرجوازية وعدم قدرتها على حسم امر السلطة السياسية في العراق رغم مرور مايقارب عقد ونصف، فكل يتخندق خلف سراياه، والجميع يضع ايديه على السلاح.

 

وجود الميلشيات امرا في غاية الاهمية لاحزاب السلطة للدفاع عن نفسها وضد بعضها البعض. انها ضرورية لها من اجل تأمين حصص اكبر لها من الثروة والسلطة. لقد رأينا جميعا كيف تحولت ميلشيات عسكرية الى تنظيمات سياسية طالبت لاحقا بحق المشاركة في الانتخابات والحصول على مقاعد برلمانية ووزارية، وما يعنيه هذا من فتح ابواب السماء لها لينزل لها من خيرات. ان الدولة والسلطة في العراق هي بازار حقيقي، هي سوق لجني الارباح.

 

الميلشيات التي تشكلت تحصل على اموالا ودعما وسلطة ونفوذا، وللجارة ايران، الدولة القومية التوسعية، تغذق اموالا، على الفريق وخصمه في ان واحد. ان الميلشيات هي ادوات نافعة للاحزاب السياسية التي في السلطة للمساومات والمقايضات السياسية وللي الاذرع، ومن اجل ترجيح كفة كتلة سياسية على كتلة سياسية اخرى، ولتحوز كل منها اكبر قدرة من السلطة في الدولة والمجتمع. ان الاجنحة العسكرية لأية أحزاب سياسية هي امتداد واستراتيجيات لتحقيق اهداف التنظيمات السياسية، وعلى الاخص المصالح الاقتصادية للاحزاب البرجوازية.

 

الميلشيات كانت ضرورية ومنذ انهيار نظام حزب البعث عام 2003. لقد تمكنت هذه الميلشيات ومنذ عام 2003 من فرض ورسم ملامح ونمط حياة وحقوق الافراد في المجتمع اجتماعيا وسياسيا. فرضت الحجاب على النساء في العراق، فرضت القوانين الاسلامية على المجتمع، فرضت الارهاب والقمع السياسي ومصادرة الحريات الفردية.

 

ان الميلشيات تشكل دولة داخل دولة من حيث قوتها وهيمنتها وهي تفوق قوة ونفوذ وهيمنة الدولة. انهم يستخدمون سيارات الدولة الرسمية والزي العسكري الرسمي للدولة، وتقوم بالاختطاف والتحقيق والتعذيب ثم تقرر بين اطلاق سراحهم مثل افراح شوقي والشبان السبعة او انهاء حياتهم، او اخفاء مصيرهم، مثلما حدث مع جلال الشحماني. دون ان تتجرأ الدولة ودولة رئيس الوزراء ان يسمي احدا، او ان يعلن مسؤولية احد. وكأن رئيس الوزراء يرتعب ايضا من تلك الميلشيات. فرغم اعمال الاختطاف والتعذيب لم تقدم الدولة اي منهم للقضاء. لذلك لم نعد ان نجد من يتحدث الان عن وجود دولتين في العراق دولة "في الضوء" ودولة "في الظل"، أو دولة في النهار ودولة في الليل، وما تقوم به دولة الضوء او دولة النهار والتي تتحدث عن انتخابات ومؤسسات دولة وقانون، تنقضه دولة الليل او دولة "الظل" والتي تمارس هيمنتها الحقيقية والقمع متعدد الاشكال ضد المجتمع، على رأسها الحرمان من الحقوق المدنية والحريات السياسية.

 

ليس بالامكان حل الميلشيات لان ما قامت به الاخيرة بسد الفراغ العسكري الذي عجزت الدولة واضح للعيان. وقد تبين هذا العجز اكثر ما تبين في مواجهة داعش، فلم يكن للدولة، ولا الحكومة القدرة على تعبئة "المواطنين" للدفاع عن "الوطن"، بل من قام بوضع الخطة والستراتيجية جهة غير حكومية، اي السلطة الدينية، والتي قامت بالتعبئة العسكرية والتي تلقفتها الميلشيات كطوق نجاة لتكسب شرعية ووجودا، تريد الان جني مكاسبه السياسية بالحديث عن الترشيح للانتخابات.

 

ان وجود الميلشيات هو تعبير عن ازمة البرجوازية في العراق والعاجزة عن ان تجد نمطا سياسيا مدنيا غير عسكري لحسم امورها. ان البرجوازية واقطابها من احزاب الاسلام السياسي، الشيعي منه والسني، القومي الكردي منه والعربي، في حالة تخبط سياسي وعجز سياسي تام وحيرة من امرها، فهي تطرح القوانين وتنقضها في نفس الوقت . وهي عاجزة عن الوصول الى حل سياسي لادارة الدولة والمجتمع، لذا، لن تتمكن من وضع السلاح جانبا. ولن يكون ممكنا بالنسبة لها حل ميلشياتها وزجها مع مؤسسات الدولة الامنية، لان الدولة ذاتها، والحكومة ذاتها منقسمة على ذاتها، ومتصارعة مع بعضها البعض، بل ان الدولة غير موجودة في المقام الاول. وهذا الذي يفسر ليس سبب وجود الميلشيات فحسب بل حتى وجود العشائر وقوتها العسكرية التي لا تستطيع الدولة ان تتخذ اي اجراء اتجاهها، رغم كل ما رأينا وسمعنا من حالات المواجهات العسكرية فيما بينها والتي استخدمت فيها حتى الاسلحة المتوسطة. لذا، ان ما يدعو له الرفيق رائد فهمي بان تحل الاحزاب السياسية اجنحتها العسكرية وان تدمجها مع مؤسسات الدولة ليس له ما يدعمه حيث يمكن ان يقال ببساطة: لتتأسس الدولة اولا، ثم دعنا نتحدث عن حل الميلشيات!

 

الا انه لفي غاية الاهمية الدفع بمطلب الامن والامان، والذي لا تعمل الميلشيات الا على خرقه وانتهاكه. ان الدفاع عن هذا المطلب يحتاج ويتطلب تدخل الجماهير الحي والواعي والمنظم للدفاع عن حياتها، وعن امنها وامانها. وكلنا مدعوون وخاصة القوى اليسارية والمدنية والعلمانية والعمالية والنسوية المتضرر الوحيد من تلك الميلشيات الى ان تتدخل لاخراج الميلشيات من حياتنا ولتجعله في عداد الماضي

مقالات