فارس محمود

-من فمك ادينك!-

(حول "الرسائل المخضبة بالدماء" للخزعلي في مهرجان "اخوة زينب")

ان خطاب قيس الخزعلي، زعيم "عصائب اهل الحق، " في مهرجان "اخوة زينب ... حكاية الانتصار والانتظار" هو معبراً من جميع الاوجه. انه يعطي اقرار رسمي لالبس فيه بماهية الحشد الشعبي واهدافه الواقعية التي طالما تحدثت عنها مرارا من الايام الاولى لتاسيسه

.

استهل المهرجان بالهرطقة السمجة المعروفة بكون الصراع القائم هو صراع ديني، صراع يعود لقرون منصرمة، "صراع نصرة اهل البيت"، و"ان الصراع الراهن هو امتداد للصراع ضد الخوارج"، وانه صراع وحرب "الدفاع عن زينب ومرقد زينب" والخ. ليس الصراع المذكور بصراع ديني اساساً او له ادنى صلة بدين وطائفة

.

ان هذه كذبة ممجوجة يعرفها الخزعلي وامثال الخزعلي واسياد الخزعلي، وان الصراعات في العراق لم تكن من اجل "اهل البيت" ولا "اهل السنة" ولا "ضلع فاطمة" ولاغيرها. انها صراعات قوى سياسية راهنة من اجل الثروة والسلطة والحكم، لا اكثر. من اجل انتزاع اكبر مايمكن من حصة من كعكة الثروة والسلطة. لا هو بممثل علي والحسين والعباس، ولا البغدادي والبغداديين والزرقاويين بممثلي يزيد وعمر ومعاوية. ليدع هؤلاء في قبورهم افضل. ليس لذلك التاريخ اي ربط باليوم. ان "حيلت"ـه هذه مردودة عليه. يريد ان يستثير مشاعر طيف من الناس، باسم الطائفة، من اجل نيل دعمها وجرها خلفه في هذا الصراع، وفي الحقيقة لتتحول الى وقود في محرقة صراعاتها وحروبها مع الاخرين على السلطة والتي تشتد هذه الايام مع بلوغ الحرب في الموصل الى مراحلها الاخيرة لتشرع بحرب اخرى بين "القوى المنتصرة" حول تقاسم الحصص. ان الانجرار لهذه الهرطقات والصراعات هو انجرار بالضد من مصالح الاغلبية الساحقة للمجتمع

.

لقد اعطى سيدنا المبجل مساحة كبيرة اخرى في خطابه للمهدي وعودة المهدي "المنتظر" و"لبيك يا مهدي"، وان المهرجان قد نظم بذكرى ولادة المهدي وعنوانه "حكاية الانتظار" للمهدي لياتي من اجل اصلاح المجتمع ونشر العدل والعدالة (!!). ليس هناك بمهدي ينبغي انتظاره لاصلاح حال المجتمع. سياسة الانتظار التي كانت دوما خير معين للطبقات الحاكمة وظلمها واستغلالها. انها سياسة اجلوا امانيكم وامالكم، لاتناضلوا من اجلها، انتظاراً لـ"المنتظر". اي بايجاز اسكتوا على الظلم، على الاستغلال والقهر واستلاب الحقوق والحريات، حتى ياتي كائن غيبي مافوق المجتمع، مافوق الطبقات، وينشر "العدل" الاسلامي! هذا العدل الذي رايناه في دولة ولي الفقيه، دولة الاعدامات والحروب ومصادرة الحريات والحقوق، دولة المخدرات والجوع والفقر المدقع. انه دعوة للسراب، دعوة ذات اهداف بخنوع المجتمع وصمته وبالتالي تركيعه وانقياده. يدعون الناس للانتظار ولكنهم يحثون الخطى من اجل اهدافهم المعادية لاغلبية الساحقة من المجتمع

.

لقد اقر الخزعلي بـ"عظمة لسانه" وبوقاحة بان الحشد الشعبي هو من اختطف الاعلامية افراح شوقي و المختطفين السبعة من الناشطين المدنيين. ان اقراره هو رسالة للاخرين. ان الحشد الشعبي ومرجعيته رموزه وشخصياته وافكاره وممارساته هي خط احمر. لا احد يعلم لماذا خط احمر. وبعدها وضع، كديمقراطي يحترم الدول والقانون، شرط للاتفاق عليه: "نؤمن بحق الاخرين بالراي والنقد، ولكن ينبغي ان يؤمنوا معه، بموازاتها ومعها، بان لهذا الحق حدود واطار لاينبغي ان يتعداه"! اي تكلموا ولكن لاتمسونا! انها رسالة ديكتاتورية سافرة. ان حرية الراي والتعبير غير مشروطة. ليس ثمة مقدس سوى حق الانسان في ابداء رايه والتعبير عنه اتجاه اي مسالة يراها في المجتمع. ليس لاحد ان يشترط. السيد المبجل هذا يضع شرط "عدم المساس المقدسات"، القومي ذاك يضع مقدسات "قائد الضرورة" و"الثورة" و"البعث" و"رسالة الامة" والليبرالي يضع مقدسات ما ايضا والعشائرية تضع مقدسات العشيرة ورموزها وعلمها و ...الخ. ان مايتعقبوه هؤلاء الاستبداديين هو تكميم افواه المجتمع، اسكات المجتمع واخراسه. هذه ليست صفات مجتمع حر. انها صفات الاستبداد والغطرسة. ان ماهي مقدسات احد هي ليست بالضرورة مقدسات اخر. انها مقدساتك، لماذا تفرض علي ان احترمها!! ان الهدف المنشود من هذا هو عدم افساح المجال للاخرين عبر سلاح وقمع المقدسات هو وضع حجرة كأداء امام توعية المجتمع بماهية ممارسات هؤلاء الاستبداديين الجدد

.

من جهة اخرى، من الذي اعطى الحق لمثل هذا المتشدق بالدولة والقانون واحترام القانون ان يخطف ويعتقل على هواه؟! اي صفة قانونية له؟! انها البلطجة باكثر اشكالها سفورا. القاصي والداني كان يعرف ان من قام بهذا العمل هم الحشد الشعبي و"عصابة اللا حق" وزعيمها سيء الصيت. ومثلما اكدت في مقالات سابقة ان هذه الجماعة والحشد "غير المبارك" هما عصابات ومليشيات دموية عديمة الضمير والانسانية متعطشة للدم والقتل والجريمة المنظمة من اجل مصالحها السياسية. لو سادوا سيترحم الناس كثيرا على ايام الحرس القومي الفاشي البعثي. اني اقصد ما اقول

.

ان الخزعلي يعرف قبل غيره ان حديثه هذا، لو جرى في اي دولة تحترم ابسط حدود قوانينها، يمكن ان يقدمه الاخرون للمحاكم والقضاء بتهمة الاختطاف والجريمة المنظمة، ولنال جزاءه سنوات من السجن جراء افعاله هذه. ولكن لماذا يقول هذا ويقر صراحة بالامر. هل هو سوء تعبير، زلة لسان، حماقة؟! كلا. انه يعني ما يقول. ان كلامه هو ليقول للاخرين:"اعرفوا حدودكم!"، ليرهب الاخرين ويخيفهم. ان هذه هي الرسالة التي توخاها من التحدث بهذا الموضوع. لو وضعت هذا الكلام بموازاة البيان التهديدي للناطق باسم عصابة اهل الحق، جواد الطليباوي، تجاه مثال الالوسي، والذي نصه "اما انت يامثال الخسة والخيانة تعرفك قاعات التامر على العراقيين، وتعرفك عاهرات نوادي اسرائيل الليلية . وشتان بينك ويبن الخزعلي واخيرا نقول لك اغلق فمك قبل ان يُغلق" (!!) لتعرف مدى فاشية هذا التيار ونزعته اللومبنية السافرة والوقحة

.

الادهى من هذا، ولحماقته غير السياسية، يقول جرت 3 حالات اختطاف. اثنان اتهم بها الحشد الشعبي واقاموا والدنيا واقعدوها علينا، والثالثة اختطاف 17 سائق شاحنة من قبل داعش، لم يتحدثوا عنها. يستغرب انه لماذا يتحدثوا عن الاثنين الاولين ولايتحدثوا عن الثالثة ويتشدق: "هل ان هناك فرق ما بين دماء وارواح العراقيين؟!". اشكرك ايها السيد انك عرفت جيدا اين تضع تنظيمكم، عرفت في اي خانة تضعه وتصنفه. وانك في هذا لمصيب. ان تنظيمك هو داعش اخر، ذاك يتباكى زورا على عمر وعائشة و...داعش اخر يتباكى على الحسين والعباس وضلع فاطمة و.... غيرها

.

تحدث سيء الصيت هذا عن الهجوم الذي يتعرض له الحشد. وقال بما مفاده "انه من الظلم ان يتحدث احد ما يجلس خلف الكيبورد ضد مقاتلين على السواتر يعانون الحر والجوع والعطش وتراق دمائهم"! ان هذه تعابير الجهل والتخلف واللعب بالمشاعر المتدنية لاناس ما. العالم عالم الكومبيوتر والكيبوردات والتقدم العلمي والتكنولوجي. كل منجزات البشرية الاخيرة مدينة في جانب منها لدور الكومبيوتر ومساهمته. لماذا يجب علي ان اعطي امتياز لمن ذهب جراء جهله او توهمه او فقر حاله او طائفيته او مشاركته لمشاريع الخزعلي السياسية لحروب من اجل ينال هو وتياره حصة اكبر من السلطة والحكم؟ ليس هذا وحسب، على اولئك الذين مضوا للسواتر ان يعودوا لرشدهم ويكفوا عن ان يكونوا وقود لمحارق الخزعلي وامثال الخزعلي. ان تحرير الموصل وحرائر الموصل هو اكبر كذبة. اساس القضية هو الصراع من اجل هذه الحصة. وفي هذا الصراع من اجل السلطة راح يتحدث عن بدر شيعي. ليس للبدر الشيعي اي صلة بتحرير اهالي الموصل وحرائره

.

لاترك جانبا دفاعه عن الاسلام وسخط المجتمع على التيارات السياسية الدينية والطائفية جانبا، فهي لاتحتاج الى تفنيد ولخصتها الناس بالف شكل وشكل بالضد من تيارات الاسلام السياسية قاطبة، ولاينفع ان يزيح رقبة العصائب والحشد من سيف غضبها وحقدها، واحالة الامر كله الى "مؤامرة العلمانيين"! ان كل امرء او تيار ينال تقييم الاخرين استنادا الى ممارساته نفسه، ولهذا عرفوا بالضبط ماهية تيارات الاسلام السياسي وحقيقتها الواقعية

.

مقالات

فارس محمود

23/11/2015