سمير عادل

منصور حكمت والافق اللينيني

نص الموضوع الذي قدمه سمير عادل عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العمالي العراقي بمناسبة اسبوع منصور حكمت الذي اقيم في بغداد

مرحبا بالرفاق والاصدقاء والزملاء، وشكرا على حضوركم في هذه المناسبة، اسبوع منصور حكمت. نتحدث اليوم عن منصور حكمت، بسبب دوره في حياة اليسار والشيوعيين في العراق.

 

ماذا لو لم تنتصر ثورة اكتوبر وتظفر الطبقة العاملة الروسية في ١٩١٧ بقيادة البلاشفة السلطة في روسيا؟ هل قدر للينين ان يكون معروفا الى هذا الحد، بحيث ترتعب البرجوازية منه في كل ازمة اقتصادية عاصفة بالنظام الرأسمالي، وكان اخرها ولن تكون اخيرها، تلك التي عصفت بالغرب في عام ٢٠٠٨، حينها تداولت عدد من الوسائل الاعلام الغربية تسريبات عن اجتماع لكبار الرأسماليين العالميين، بأنهم لن يخافوا من الخسائر التي تحملها الازمة الاقتصادية والكساد الاقتصادي، بل الخوف كل الخوف من ظهور لينين اخر في هذا العصر.

 

وهل يمكن ان نقول ايضا انه لو لا انتصار ثورة اكتوبر وبقيادة لينين، لم يتم تداول كتب ماركس على صعيد العالم، ولم يعرف انجلس بهذا القدر، بالرغم من ان اذاعة (بي بي سي) اختارت مفكر الالفية كارل ماركس، وأعظم كتاب خلال الالفية ايضا كتاب راس المال، نقول اذا، هل يعود الفضل ايضا الى ما حققته ثورة اكتوبر ولينين الذي لعب دورا تاريخيا في انتصار اول ثورة عمالية في تاريخ العالم؟.

 

لم يمض التاريخ في زمن منصور حكمت كما مضى في زمن لينين، اي لم تنتصر الثورة العمالية في ايران في ١٩٧٩، والا كانت كتابات واسهامات منصور حكمت انتشار واسعا والتي لن تقل قيمة على الصعيد النظري والسياسي وتحزب الطبقة العاملة عن كتابات واسهامات لينين. فإذا كان لينين قد كتب عن "الامبريالية اعلى مراحلة الرأسمالية"، فأن منصور حكمت كتب عن "اسطورة البرجوازية الوطنية"، واذا كان لينين كتب "الدولة والثورة"، فأن منصور حكمت قد كتب "الدولة في المراحل الثورية"، واذا كان لينين قد كتب عن "كومونة باريس" فان منصور حكمت قد كتب عن سقوط الاتحاد السوفيتي وتجربة الثورة الايرانية، واذا كان لينين فضح انصار الدفاع الثوري عن الوطن وفضح الحرب الامبريالية وافلاس الاممية الثانية والشوفينية القومية، فأن منصور حكمت كتب عن حرب الخليج الثانية ودخول العراق الى الكويت وفضح النظام العالمي الجديد، واذا كان لينين قد كتب عن بليخانوف في ١٩٠٥ حول ما كان ينبغي حمل السلاح فكتب منصور حكمت عن تاريخ غير المهزومين، واذا كان لينين كتب عن "ما العمل" ويجمع الحلقات الاشتراكية الديمقراطية لياسس الحزب الاشتراكي الديمقراطي في عموم روسيا فأن منصور حكمت أسس الشيوعية العمالية وحزبها السياسي، وعشرات من الكتابات الاخرى.

 

واذا كانت احدى نقاط قوة لينين تكمن بالتصدي لتحريف الشيوعية والماركسية في تلك الحقبة، فأن منصور حكمت لم يقل عن لينين بدفاعه المستميت عن الاشتراكية وافكار ماركس وحقانية لينين ودوره في استلام الطبقة العاملة السلطة السياسية في زمن اعلان موت الشيوعية. لقد كان زمن لينين هو زمن النهوض الثوري للطبقة العاملة، وزمن بريق ماركس وافكاره الثورية، وزمن لمعان الاشتراكية وحقانيتها، في حين كان زمن منصور حكمت هو زمن الهجمة الشرسة على الطبقة العاملة، زمن انهيار الاتحاد السوفيتي الذي سمي زورا وكذبا بالاشتراكية لتشديد الهجمة على الافكار الشيوعية وحقانية ماركس ولينين، وتفويت الفرصة حتى بالتفكير في صفوف الطبقة العاملة باستلام السلطة السياسية. لقد كان زمن منصور حكمت هو زمن عزف البرجوازية وبجوقة عالمية من غرب العالم الى شرقه، كي تفتح بالوعات الترهات القومية، وتغني نشيد موت الالاف المؤلفة من النساء والاطفال والبشر في الجمهوريات السوفيتية القديمة ويوغسلافيا، بينما تزعق في اذان الاحياء من البشر بانتصار الديمقراطية وموت الاشتراكية والشيوعية، موت المساواة بكل اشكالها. الم يفبركوا قصة سقوط الاتحاد السوفيتي، بأنها سقوط الاشتراكية وموت الشيوعية ليتوجوها بنهاية التاريخ وصراع الحضارات، وكان يعني خلود الرأسمالية وازليتها بالرغم من كل مآسيها وحروبها وجرائمها وافقارها للبشر وعنصريتها السافرة ضد المرأة والسود والملونين والمهاجرين، وأيدولوجيتها الليبرالية والديمقراطية!

 

لقد كان هذا زمن منصور حكمت، الذي نهض كمارد من تحت كل ذلك الركام؛ ليدافع عن الماركسية والشيوعية والطبقة العاملة، ليدافع عن المساواة وامكانية تحقيقها، انه اعاد الماركسية الى جذرها الاجتماعي، الى سكتها الحقيقية، بعد ان تحولت؛ الى راية للمثقف البرجوازي الصغير الساخط على وضعه الاجتماعي والسياسي، الى ايديلوجية للحركات الوطنية، الى نزعة معادية للإمبريالية، الى ديماغوجية لتبرير رأسمالية الدولة والدفاع عن الصناعة الوطنية. اي بلغة اخرى اعاد حكمت الماركسية الى طبقتها، الى الطبقة العاملة. لقد اسس صرحا فكريا وسياسيا للشيوعيين في عالمنا المعاصر.

 

ان الشيوعية العمالية هي التعبير عن كل الصرح النظري والسياسي لماركس وانجلز ولينين. كان منصور حكمت لينينيا بامتياز. لقد كان يميّز بين اللينينية والبلاشفة، فالينينية بالنسبة لمنصور حكمت هي الممارسة العملية الثورية، المرشد اليومي للطبقة العاملة خلال المسارات التاريخية ومنعطفاتها للوصول الى الاشتراكية. ولذلك تحدث عن "الحزب والسلطة السياسية"، وكان بمثابة زلزال هز ذهنية او حطم التابو الذي كان يخيم على ادمغة اليسار في ايران والعراق. فالبرجوازية ومنذ هزيمة الطبقة العاملة في روسيا على يد التيار القومي الروسي بقيادة ستالين، صورت للطبقة العاملة وفصيلها الشيوعي بأن عليها الا تتقرب من السلطة السياسية والا دخلوا النار، وان أفضل حظوظها هي البقاء في ذيل صفوف المعارضة. اما في موضوعة "الحزب والسلطة السياسية"، فقد سدد منصور حكمت ضربة قاضية نحو هذه النمطية السلبية التي فرضتها البرجوازية على الطبقة العاملة. ان الموضوعة المذكورة هي تعبير بشكل اخر عن موضوعات ٨ نيسان التي كتبها لينين بعد ثورة شباط وعشية ثورة اكتوبر ليكون المرشد العملي للبلاشفة والطبقة العاملة الروسية للظفر بالسلطة السياسية. ان لينينية منصور حكمت تكمن ايضا بدوره في الدفاع عن تحزب الطبقة العاملة وضرورته كأداة فاصلة في الصراع ضد البرجوازية. ان منصور حكمت مثل لينين كان يؤمن باستحالة الطبقة العاملة بالانتصار على البرجوازية دون تحطيم دولتها وتأسيس سيادتها الطبقية، ومن جهة اخرى لا يمكن تحقيق هذه الامكانية دون حزب منضبط، ويفصل افاق الطبقة العاملة عن افاق التيارات البرجوازية، على ان يتميّز بالرد النظري والسياسي والممارسة العملية اليومية، خلال المسارات السياسية والنضال الطبقي للعمال.

 

ان الشيوعية العمالية التي استخدمها منصور حكمت للتجسيد عن حزبه ونهجه الفكري والسياسي هي ترجمة جديدة للايدلوجية الالمانية والبيان الشيوعي ولرأس المال؛ بلغة معاصرة في العالم الرأسمالي الذي شهد تطور هائل في الانتاجية وزحفه الى كل بقاع العالم. ان الشيوعية العمالية هي امتداد لتيار ماركس، ذلك التيار الشيوعي الذي تحدث عنه في البيان الشيوعي. وليس الجزء الاول من برنامج عالم أفضل الذي كتبه منصور حكمت الا صيغة اخرى بنفس المحتوى الطبقي والنضالي للبيان الشيوعي. ولذا من يقول ان الشيوعية العمالية فشلت انما يعني ان شيوعية ماركس هي التي فشلت. بيد ان ذلك الطيف من اليسار الذي يردد اكثر من البرجوازية نفسها وخاصة في ايران والعراق وفي المنفى بأن الشيوعية العمالية قد فشلت، يدرك انه يناقض نفسه، ويدرك انه يقف بالتضاد مع كل اطروحات ماركس النظرية والسياسية، الا انه لا يجرئ على ذلك ولا يصرح به، ولا يحل ذلك التناقض، لأنه بحاجة دائما الى ربطة العنق والبذلة الماركسية للتعبير عن سخطه الاجتماعي والسياسي واشباع غروره الفكري ونزعته الذاتية والفردية التي تعكس ابدا مكانته الاجتماعية المتذبذبة وهي مكانة البرجوازية الصغيرة. انه يمثل اماني وطموحات واحلام صاحب الدكان الصغير الذي لا يرى منافسه الا جيرانه من اصحاب الدكاكين المجاورة، في حين يجلس راكعا وخاشعا امام الرأسمالي الكبير الذي يزود السوق بالسلع بما فيه دكانه الصغير. ان حل هذا التناقض من وجهة نظر هؤلاء يجد طريقه عبر الصراخ والزعيق عن فشل الشيوعية العمالية التي لم تجرب حظها منذ هزيمة الطبقة العاملة واللينينية في روسيا، منذ ان صورت وسوقت البرجوازية بشكل مذهل بأن رأسمالية الدولة في الاتحاد السوفيتي هي الاشتراكية.

 

فكما تخلت الاحزاب الشيوعية عن اللينينية، فانها ايضا تخلت عن الممارسة الثورية للطبقة العاملة، عن استراتيجية النضال الطبقي، عن الافق الاشتراكي، لأنها كما يقول منصور حكمت وفي تعليقه على هدم تمثال لينين في موسكو بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، انه اي تمثال لينين هو رمز الجسارة الطبقية، فهدمه يعني كسر شوكة تلك الجسارة امام الطبقة العاملة العالمية، أن الحكمتية هي الشكل الاخر للينينية، لذلك فان حال ذلك النوع من اليسار الذي خرج من رحم الشيوعية العمالية، مثل الاحزاب الشيوعية المذكورة، لم تستطع ان تنسجم وتتناغم مع الشيوعية العمالية بإيقاع حكمتي ان صح التعبير، وهي الممارسة الثورية للطبقة العاملة وتقدمها لانتزاع السلطة من البرجوازية. فقسم من ذلك الطيف ترك الشيوعية الحزبية وراح يقضي اوقات فراغه بالعمل مع المنظمات الانسانية او حقوق الانسان، فكما يقول ماركس عندما تهزم الطبقة العاملة، فأن قادتها ونشطائها وفعاليها تناي بنفسها بعيدا عن النضال الطبقي، وتنشغل بمنظمات حقوق الانسان وغيرها، وقسما اخر يزعق ليل نهار عن فشل الشيوعية العمالية مثل صاحب ذلك الدكان الذي لا يرى الا جيرانه.

 

ان الحكمتية كما كانت اللينينية تفتح الطريق امام المسارات السياسية التي يفرضها النضال الطبقي لتحقيق استراتيجية الثورة الاشتراكية، وترد على الاوهام والترياق التي بين الحين والاخر تنثرها البرجوازية في صفوف الطبقة العاملة وعموم المجتمع لتدوير سلطتها واعادة انتاج حكمها؛ وهكذا في الوقت الذي توهم طيف عظيم من اليسار الايراني وعموم جماهير ايران، بترشيح الاصلاحيين لخاتمي، وحلموا بأمطار سماء الجمهورية الاسلامية بالمن والسلوى، فضح منصور حكمت ما سمي "بدوي خرداد" ووقف بالحزم ضده بالرغم من كل صيحات البرجوازية ودق طبول الغرب الاعلامية لغورباتشوف جديد من رحم الجمهورية الاسلامية، وتوج ذلك في مؤتمر برلين الذي قلبه على منظميه في الجمهورية الاسلامية لتسويق خاتمي وغيره من الاصلاحيين من اجل تجميل صورة الجمهورية الاسلامية في الغرب. واستمر منصور حكمت على سياقه ونهجه الثوري ليعمل على تاسيس "كارد ازاد" الذي يعني حماة الحرية، وهو الجناح العسكري للحزب الشيوعي العمالي الايراني، الذي نظم عدة جولات في مدن كردستان ايران، واستقبلت استقبالا جماهيرا كبيرا، حيث القت الخطب والكلمات ووزعت الادبيات والرسائل السياسية.

 

لقد عرفت الشيوعية العمالية في العراق التي اسسها منصور حكمت عبر الاعلام الحمر التي رفعت في كردستان العراق في انتفاضة اذار 1991. لقد بزغ فجر شيوعية حكمت عبر المجالس العمالية والشعبية التي شكلت في مدن السليمانية واربيل وكركوك. في ذلك الوقت الذي كان القوميون يرفعون صور الجزار جورج بوش الاب وجون ميجر في جبال كردستان، وفي نفس الوقت كان يهتفون في الشرق والغرب بموت الشيوعية، كان الشيوعيون العماليون يرفعون شعارات بأن القومية عار على البشرية، والمساواة المطلقة بين المرأة والرجل وادارة المدن يجب ان تكون بيد سلطة المجالس. لقد تشكلت العشرات من المجالس العمالية والشعبية في مصانع ومعامل ومناطق سكن ومعيشة الجماهير في كردستان العراق على ايدي قادة وكوادر وفعالي الشيوعية العمالية المنظوين في منظمات تبنت الشيوعية العمالية. من هنا عرف منصور حكمت ورفع رايته في كردستان العراق وبعد ذلك في العراق، وهي راية ماركس من جديد. في ذلك الوقت لو قدر للشيوعيين العماليين في العراق وخاصة في كردستان بامتلاك حزبهم السياسي، لكانت فرصة انتصار الشيوعية اكبر، ولكانت مكانة الشيوعية العمالية في العراق والمنطقة في غير مكانتها اليوم.

 

واخيرا لم يقدر لمنصور حكمت ان يواكب حركة الشيوعية العمالية، وكان يعي بنقصها ومشاكلها، وكان يدرك ان الحزب الذي اسسه ما زال بعيدا عن خطى ماركس والممارسة الثورية للينين، وعبر عنه في الاجتماع الموسع ١٤ للجنة المركزية والاخير بالنسبة له.

 

لقد عاصرنا منصور حكمت، واحد من ابرز معلمي البروليتاريا، في عصر شهد الحرب الباردة وانتهائها، وعصر انهيار الكتلة الشرقية وجدار برلين، وتحطيم تمثال لينين، وعصر اكثر الحروب دموية وشراسة؛ حروب الابادة القومية والعرقية والدينية كما حدث في دول البلقان والجمهوريات السوفيتية السابقة وراوندا والخليج الثانية والصومال، عصر ارهاب الدولة وارهاب المنظمات كما وصفها منصور حكمت بعد احداث الحادي عشر من ايلول، لقد كنا محظوظين عندما واكبنا منصور حكمت في تلك المرحلة العسيرة من حياة البشرية وسلح فصيل من البشر بالافق الاشتراكي. واليوم نحن نعيش عصرا اخر، وما زالت الشيوعية العمالية لم تتحرر من كل ثقل التقاليد اليسار اللاجتماعي؛ الشعبوية والاغراق في عمل الحملات "الكمبينات"، والانشغال بالفعاليات الجانبية بدل من التركيز على النضال الطبقي. ان الشيوعية العمالية بحاجة الى الحكمتية، مثلما احتاجت البلاشفة الى اللينينية. اي بعبارة اخرى ان الشيوعية العمالية بحاجه الى براتيك منصور حكمت او ممارسته الثورية، بحاجة الى تكملة ما بدئه منصور حكمت، وهي تطابق الماركسية وحزبها الشيوعي مع الطبقة العاملة، مع فصيل القادة والنشطاء الاشتراكيين. لقد ترك لنا منصور حكمت ارثا فكريا وسياسيا كبيرا، وعلينا نحن الشيوعيين ان نستلهم ونتعلم منه، وكما قال ان الاشتراكية ليست حتمية، وتعلمناها من لينين ايضا، اي يأتي دور الممارسة الثورية.

 

مقالات