فارس محمود

بصدد -تقليم اظافر- قطر!

بين "ليلة وضحاها" ودون سابق انذار جدي انقلب طيف واسع من دول العالم على حكومة قطر. فاثر زيارة ترامب الى السعودية واجتماع القمة الاسلامية الذي عقد بحضور 55 رئيس وملك، شهدنا تصعيدا عنيفا تجاه قطر. استهل بحملة اعلامية واسعة وقطع السعودية ومصر والامارات والبحرين وجرت خلفها بلدان اخرى لعلاقاتهم مع قطر، فرض حصار بري وبحري وعلى الملاحة الجوية، قوطعت التعاملات الاقتصادية والتجارية والمصرفية، مقاطعة قناة الحزيرة واغلاق مقراتها، وراحت العديد من دول اوربا والعالم تتسابق بالهجوم على قطر ودورها الارهابي، بلغ الامر لحديث الفيفا عن الغاء كاس العالم 2022 المؤمل ان يجري في قطر.

 

مالذي جرى؟ قطر هي قطر، هي نفسها، يومها كامسها؟ ليس دعم قطر للارهاب وليد اليوم. اذ يمكن ان تكون قطر البلد الوحيد الذي يوجد فيه مكتب لمنظمة طالبان الارهابية قبل مايقارب العقدين، دعمت كل قوى ارهاب الاسلام السياسي على امتداد عمرها القصير وبالاخص في العقود القليلة المنصرمة. من جهة اخرى، الجميع يزعق ضد الارهاب كما لو انه اتى "من فطر الكاع" مثلما يقولون بالعراقي. قوى الارهاب والداعمة للارهاب انفسهما تزعقان بضجيج صاخب ضد الارهاب. امريكا، اكبر دولة ارهابية لمايقارب القرن تقريبا. هي من دعمت الارهاب العالمي وبالاخص صنفه الاسلامي خلال نصف القرن الاخير. دعمت طالبان الى ان انقلبت عليها، ودعمت داعش كذلك، دعمت الرجعية العالمية كلها وبالاخص التيارات الاسلامية والبلدان الرجعية مثل السعودية وباكستان وغيرها للوقوف بوجه التيارات التقدمية والاشتراكية. السجل الاجرامي والارهابي للدول المتشدقة باسم التصدي للارهاب هو اطول بكثير من ان تحتويه مقالتي هذا. الجميع يدعم هذه الفصائل او تلك في العراق وسوريا وليبيا واليمن ونايجيريا والصومال وغيرها.

 

ان كل ما في القضية هو تغير الاصطفاف العالمي. قطر من بين اكبر البلدان المصدرة للغاز الطبيعي في العالم. انها تريد حصة اكبر من حيث مكانتها في السلطة والثروة العالميتين. لسان حالها يقول "انا لست باقل من السعودية، فلماذا اكون الثاني او الثالث من حيث المكانة في مجلس التعاون الخليجي، ولماذا اكون والى متى ابقى ظلا للاخرين؟"، "انا اريد حصة ومكانة تتناسب مع مكانتي الاقتصادية الجديدة"!

 

التفت قطر منذ فترة نحو محور ايران للضغط على محور السعودية - الخليج وامريكا. ايران هرعت بكل طاقاتها لاحتضان قطر وتفتيت الحلف الخليجي - الامريكي بقيادة السعودية في المنطقة، وتعاطفت روسيا معها في هذا الامر وشكرت قطر روسيا على دورها الايجابي بهذا الخصوص.

 

فيما يخص العراق، ولان الدولة ليست دولة ولاتسيرها سياسة واحدة، شهدنا تمايلات مختلفة ومتناقضة. فكل تيار سياسي اتخذ موقفه حسب مصالحه المباشرة. العبادي الذي يلزم الصمت لحد الان حول هذه القضية هو اول من فجر "فضيحة" قضية المليار دولار القطري. اذ تحدث علنا وصراحة عن ارسال قطر "للخاطفين"، لـ"مليشيات عراقية"، لم يحددها بالاسم ارتباطا بموضوع الصيادين القطريين المختطفين، وقد صادرتها حكومة العبادي. لقد كانت هذه الاموال ذاهبة للحشد الشعبي. والعبادي ينأى بنفسه عن ايران وقطر اليوم ضمن سياسة "اللعب على الحبال"، ويسعى لتوطيد علاقاته مع السعودية والخليج وامريكا، وشن هجمات غير مباشرة على الحشد وعصائب اهل الحق المواليتين حتى نخاع العظم لايران التي ترى في الاخيرين خير من تعتمد عليه في العراق ووضعت اغلب راسمالها عليهم، بوصفهما هما من يقوما بعمليات الخطف الجارية في بغداد. سليم الجبوري اول من زار قطر في خضم تلك الهجمة الشرسة في حركة تكتيكية جديدة مهترئة وهزيلة، والتقى بالامير تميم ليؤكدا على "ضرورة تقوية العلاقات بين الشقيقين وضرورة عودة العراق الى حضن اشقائه".

 

فيما ابدت التيارات الشيعية العراقية الموالية لايران تعاطفها مع قطر تحت شعار "يامرحبا باللي جاي!"، "مرحبا بالقادم لصفنا في الصراع ضد محور السعودية - امريكا!". متناسين دعم قطر للارهاب في العراق والدماء التي سالت جراء ممارسات قوى الارهاب والجريمة، متناسين قصدا وعمدا وثائق ان قطر صدرت في 3 دفعات فقط 1800 ارهابي من المغرب العربي وشمال افريقيا، الذي دربتهم وارسلتهم بحرا من معسكرات في ليبيا الى العراق عبر تركيا والموانيء التركية. فيما ردت حكومة اقليم كردستان على ان "موقفها من موقف الحكومة المركزية"، وهي التي عمرها لم تشتري موقف الحكومة المركزية بفلسين في يوم ما من حياة عمرها البغيض.

 

وبهذا تثبت هذه التطورات وكل الاطراف عمليا وواقعيا ان الصراع القائم في المنطقة ليس بصراع سني وشيعي، ولا هلال او بدر شيعي، ولا له ربط بتاريخ يعود لمايقارب 12 قرن مثلما سعوا لايهام العالم كله.

 

ان مايجري هو، وبكل معنى الكلمة، تبادل خنادق واصطفافات واعادة اصطفافات يقتضيها الصراع، والكل مشارك بكل مالديه من اسلحة دعائية واعلامية وسياسية وسياسات "لوي الاذرع" و"الترهيب والترغيب" واكثر اسلحتها فتكاً هي الاعمال والمنظمات الارهابية التي تدعمها. ان النتيجة العملية لهذه التطورات ستكون تانيب قطر وفرض التراجع على طموحاتها بالتوسع والهيمنة والمكانة. لا اكثر.

 

بيد ان قضية جماهير المنطقة، الجماهير المتطلعة للحرية والمساواة، الجماهير الملتسعة بنار الحروب والارهاب الدموي، نار العصابات والمليشيات الطائفية والقومية المخضبة اياديها بدماء الملايين من جماهير المنطقة، تتمثل بالخلاص من كل قوى الارهاب هذه، بمحاورها واصطفافاتها، بتقلباتها وتكتلاتها. ان الخلاص من الارهاب يتمثل بالدرجة الاولى بانهاء تطاول هذه القوى على حياة الجماهير وامنها وتدخلها في تحديد مصيرها ومستقبلها السياسي

مقالات

فارس محمود

23/11/2015