سامان كريم

حوار مع سامان كريم حول الانسحاب الامريكي من اتفاقية باريس للمناخ.

الى الامام: قبل ان ندخل في سياسة دونالد ترامب الرئيس الامريكي حول المناخ، نطرح سؤال الى اية درجة ان البرجوازية في الدول الصناعية الكبرى جادة حول الحد من الاحتباس الحراري؟

 

سامان كريم: يجب ان ننظر الى هذه القضية من زوايا عدة. البرجوازية بصورة عامة تنظر الى كل الاشياء بما فيها العلوم الطبيعية, البيئة, صحة الانسان... بمنظار الربح. الربح هو اله البرجوازية و مقدسها ليس سواه. وفق هذا المبدأ وفي ظل اوضاع سياسية واجتماعية تساعد على توفير الربح بصورة اعتيادية تفكر و تريدها دون ضجيج كبير. الحصول على الربح في ظل أوضاع مسيطر عليها. عليه للحصول على الربح هناك رؤية مختلفة لدى تيارات برجوازية مختلفة. التيارات التي تأخذ في حسبانها مصالح طبقتها بكاملها من ناحية السلطة السياسية , وتامين وضمان الملكية الخاصة, وتوفير توازن القوى لصالح البرجوازية, و اخضاع العمال و العامة لسلطة طبقتها. من هناك نرى تيارات برجوازية مختلفة لديها رؤية مختلفة حول حصولها على الربح و ضخامة مقداره ايضا.

 

عليه نرى التيارات البرجوازية المختلفة تدافع عن اتفاقية باريس للمناخ, ونرى ايضا تيارات اخرى تقف بوجهها مثل الترامبية في امريكا وهناك تيارات قومية واسعة في اسيا تقف بوجهها ايضا. من الجدير بالذكر ان جوهر اتفاقية باريس للمناخ التي تتفاخر بها البرجوازية العالمية وخصوصا الاوروبية هو:( حصر ارتفاع درجة حرارة الأرض وإبقائها "دون درجتين مئويتين" وبـ "متابعة الجهود لوقف ارتفاع الحرارة عند 1,5 درجة مئوية). القضية هنا وفيما يخص بحثنا تتلخص كالتالي:

 

الاول: انظروا الى محتوى القرار او الاتفاقية وهي غير ملزمة بطبيعة الحال. محتوى الاتفاقية هو"حصر ارتفاع درجة الحرارة بدرجتين مئويتين". يعني القضية ليس الحد من الاحتباس الحراري وقطعه بالكامل او على الاقل خلال " عشرة او ربع الربع القرن القادم" بل القضية " حصره بارتفاع درجتين". اذن البرجوازية العالمية كلها متفقة على تلوث البيئة ولكن بدرجات متابينة. من الناحية العلمية والتكنولوجية بالامكان استخدام الطاقة النظيفة بالكامل خلال عشرة سنوات القادمة. القضية هي السوق و الربح التي تعيق هذا الهدف. البرجوازية مثلما دمرت المجتمعات , دمرت الطبيعة والبئية معها.

 

الثاني: الدول والتيارات البرجوازبة التي تدافع عن اتفاقية باريس ترى من الطاقة النظيفة او المتجددة بديل اقتصادي مربح. حيث تشمل الطاقة النظيفة لحد هذا التاريخ: الرياح والمياه والشمس, كما يمكن إنتاجها من حركة الأمواج والمد والجزر أو من طاقة حرارية أرضية وكذلك من المحاصيل الزراعية المختلفة. الطاقة التي لا تنشأ من وراء استعمالها مخلّفات ضارة كثنائي أكسيد الكربون (CO2) أو غازات ضارة اخرى مثل الميثان. للمثال هناك صراع بين المعسكرين في امريكا بين الحزب الجمهوري و الديمقراطي حول هذا الامر. من يدافع عن اتفاقية باريس يقول بامكاننا: استثمار الرأسمال في قطاع طاقة متجددة بصورة مربحة و اكثر ربحا من الاستثمار في الطاقة الاحفورية. ومن يقف بوجهها اي بوجه اتفاقية باريس مثل تيار الترامبية و اخرون يقولون: ان تطبيق اتفاقية باريس يعني غلق قطاعات صناعية كلاسيكية مختلفة مثل قطاع الفحم الحجري و النفط و المصانع التي تعمل بطاقة احفورية. هذا انعكاس لمنافسة شرسة بين القوى العالمية خصوصا امريكا والصين واوروبا و بالتحديد المانيا خصوصا في قطاع المعادن وصناعة السيارات و المكائن و صناعات استخراجية مختلفة.

 

الثالث: التياران الرئيسيان المختلفان اعلاه يروجان لبضاعتهما او لرؤيتهما او لسياساتهما بصورة شعبوية. يهدفون الى تصوير رؤيتهم كانها رؤية لصالح اكثرية المجتمع او حتى لصالح العمال. مثلا الترامبية حيث يقول ترامب " أن الامتثال لأحكام الاتفاقية كان من شأنه أن يكلف الولايات المتحدة فقدان مليونين وسبعمئة وظيفة على أقل تقدير بحلول العام 2025." اما من يدافع عن الاتقاقية يقول عكس هذا الكلام و يلوح بتوفير الوظائف الجديدة في قطاع الطاقة النظيفة تصل الى مئات الاف, هذا ناهيك ان الشركات مثل: فيسبوك و تسلا للسيارات الكهربائية و امازون و غوغل و أبل و غاب و اديداس وديزني... التي تعارض ترامب وتؤيد اتفاقية باريس هي كلها تسخدم الطاقة النظيفة او تنتجها مثل شركة صن باور في كاليفورنيا. اذن المقياس هو الخسارة والربح. لكن يصورون القضية او يصورن ربحهم كانه مصلحة عامة.

 

الرابع: امن الطبيعة: هل الطبيعة امنة؟!: هناك تيارات مختلفة تدافع عن الطبيعة مثل التيارات التي تدافع عن البيئة والطبيعة والمساحات الخضراء و الحيوانات و الغابات و البحار ....وبصورة عامة ان الطبقة البرجوازية تروج لذاتها وسلطتها كانها سلطة وحكومة ودولة عامة لجميع المواطنين بغض النظر عن ثرواتهم او دينهم او عقديتهم او جنسهم او قوميتهم... هكذا يروجون. وفق هذا المنطلق ان الصحة الاجتماعية او صحة المجتمع و فضاء الطبيعة و البيئة الصحية و السالمة هي قضية مهمة لتوفير اجواء طبيعية أمنة وسالمة لمعيشة البشر على كوكبنا. هذا التيار الواسع من البرجوازية يفكر في هذه المرحلة وهي ليس لديها اصلاحات اقتصادية او سياسية مناسبة للعمال او للعامة, عليه تدافع عن جزء يسير, حتى يتسنى لها ان تدعي: بامكان البشرية ان تعيش تحت سلطة الراسمال. اتفاقية باريس بإقرارها على ( حصر ارتفاع درجة حرارة الأرض وإبقائها "دون درجتين مئويتين" وبـ "متابعة الجهود لوقف ارتفاع الحرارة عند 1,5 درجة مئوية) ترويج لهذه القضية من زاوية اخرى.

 

جدية او عدم جدية البرجوازية وتياراتها المختلفة يعتمد على الربح. ورؤية هذا التيار او ذاك , هذه الدولة او تلك, هذا الحزب البرجوازي او ذاك حول حصول اكثر ما يمكن من الربح. هذا الجانب من القضية والجانب اخرى هو هل بامكان البرجوازية او لنقول البرجوازية الكبرى عالميا ان توفر كوكبا بديلا للحياة؟! العلوم الفلكية والطبيعية تدلنا على ذلك. برأيي حين تحصل البرجوازية العالمية على هذا البديل لكوكبنا الارض, حينذاك سيتتقل اليها ولا تهمها الارض و احتباسها الحراري

القوة الوحيدة والغائبة التي تهدف الى ترك الطاقة الاحفورية والتي تدافع بقوة عن البيئة واجواء طبيعية خلاقة و امنة وصحية للجميع هي الطبقة العاملة, لانها ببساطة لا تهدف الى الربح, بل تهدف الى دفن الربح.

 

 

الى الامام: لماذا كان واحدة من الوعود الانتخابية لدونالد ترامب الانسحاب من اتفاقية باريس الاخيرة التي وقعت العام الماضي؟

سامان كريم: القضية الرئيسة في الانسحاب من اتفاقية باريس سواء كان في مرحلة الحملة الانتخابية او بعدها والتي انسحبت امريكا منها بصورة فعلية, هي المرحلة الانتقالية التاريخية التي يمر بها العالم, نتيجة لفقدان امريكا دورها القيادي للرأسمالية العالمية. انسحاب من احدى اكبر الاتفاقيات العالمية التي اقرتها 195 دولة ببساطة يعني فقدان السيطرة و فقدان القيادة, ومن زاوية اخرى يعني التخلي عن القيادة لصالح الاخرين. هذا هو لب سياسة الانسحاب من الاتفاقية. امريكا ليس بامكانها ان تقود العالم في هذا المسار. مثل محاولة التخلي عن الناتو حيث قال" عفا عليها الزمن" ولكن تراجعت نتيجة لضغوطات كبيرة و خصوصا من قطاع صناعة الاسلحة و الطيران الحربي و اوروبا الغربية و التيار السياسي الواسع في صفوف الحزبين الديمقراطي و الجمهوري الذي لحد الان يدعي بقيادة امريكا للعالم...نرى من الممارسات و السياسات الترامبية او التي انقلب عليها ترامب مؤشرات واضحة لظهورعالم متعدد الاقطاب. هذا ما اراه.

 

اما ترامب فهو يهدف الى إبقاء الصناعات التقليدية ,من الفحم الحجري الى صناعات التعدين و السيارات خصوصا وهو يعرف ان امريكا تراجعت امام المانيا وحتى الميزان التجاري بينهما يميل لصالح المانيا.و ناهيك عن الصين.. تضاف الى ذلك شعبويته في وعوده الانتخابية لتوظيف مئات الالاف من العمال ... بمعنى اخر يريد قطع المنافسة لصالحه. وهذا لا يعني عدم إستثماره في قطاعات الطاقة النظيفة.

 

الى الامام: هل بأمكان ترامب الانسحاب من هذه الاتفاقية كما اعلنت ادارته؟ الم تتداول الاوساط الاعلامية بأن امريكا هي دولة المؤسسات، فلا يمكن ان يأتي رئيس جديد ويمكن له ان يلغي الاتفاقيات العالمية التي ابرمت؟

سامان كريم: برأيي و بعد قرار الانسحاب, هذا ليس مهماً. على رغم ذلك بامكانه ان ينسحب من الاتفاقية. انا ادرك حجم الاحتجاجات والاعتراضات سواء كان جماهيرية او من الشركات التي ذكرته اعلاه. لكن لا ننسى ان الحزب الجمهوري او اكثريته معه حول هذا الامر. مثلا حول قضية الناتو بقاء اوعدم بقاء اميركا فيه ليس كذلك بل كان اكثريتهم وقف ضد الانسحاب منه . هذا الجانب من القضية وهي مهمة لترامب. اما الجانب الثاني يحاول الى خلق نوع من التوازن مع المعارضين في البداية داخل امريكا وبعدها مع اوروبا و البلدان الاخرى.

 

امريكا بلد المؤسسات وهذا صحيح. لكن المؤسسات لها نهجها ولها بوصلتها للتحرك. هذه البوصلة في التحليل الاخير ليس الدستور و لا القوانين كما يدعون بل السوق و السوق وحده. عليه السوق الامريكي " امريكا اولا" والمنافسة في قطاعات التعدين والاستخراج و السيارات والمكائن تتطلب بقاء القطاعات التقليدية التي تعمل بالطاقة الاحفورية. خصوصا ان امريكا ليس بامكانها منافسة الصين و الهند في هذا المضمار.....دولة المؤسسات في التحليل الاخير هي دولة المؤسسات ولكن في كل ما يتوافق مع مصلحة السوق. وتلك هي مؤسسات فعلية وواقعية وضرورية ايضا في ظل النظام الراسمالي.

 

الى الامام: ما حاجة البرجوازية في الولايات المتحدة الامريكية الى الغاء اتفاقية المناخ؟

سامان كريم: البرجوازية الامريكية؟! امريكية بالجنسية, مثل ما نقول في العراق مسلم بالاحوال الشخصية. البرجوازية الامريكية برجوازية اممية بامتياز, برجوازية معولمة بامتياز. لاتعرف من القومية ولا من الديانة غير الربح. تركض من كاليفورنيا الى شنغهاي وراء جعبة من الربح. البرجوازية الامريكية وبصفتها قائد للبرجوازية العالمية, ليس في قطاع الاسلحة فحسب بل في قطاع التكنولوجيا و التكنولوجيا الذكية" وادي سليكون" ايضا... منشقة حول هذا الموضوع. منشقة لانها لها مصالح وتيارات مختلفة في صفوفها وكل وفق مصلحته. من الطبيعي ان نرى الشركات التكنولوجية في وادي سليكون و الشركات التي تستثمر في قطاعات الطاقة النظيفة... تقف بوجه الانسحاب وبوجه قرار ترامب... ونرى بالعكس في شركات الفحم التي تؤيد الانسحاب من الاتفاقية...

 

البرجواية الامريكية و الاتجاه السائد فيها محيرة فعلا. محيرة ومندهشة للتحولات الجبارة التي حصلت منذ عشرة سنوات ماضية و لحد الان على الاقل. لا تريد ان تفهم او لا تفهم فعلا ان عصرها عفا عليه الزمن او ترنوا اليه. البرجوازية الامريكية تتحرك برأسين, او بإتجاهين. اتجاهان رجعيان ومدمران. اتجاه يهدف الى بقاء امريكا في مكانها ثابتة وقوية مثل عهدها السابق " ابان الحرب الباردة و ما تلاها لغاية 2008" هذه بطبيعة الحال رجعية لانها عفا عليها الزمن. المرحلة تجاوزتها. هذا الاتجاه جذوره قوية في صفوف الحزب الجمهوري اكثر منه من الديمقراطيين. الاتجاه الثاني وهو الاتجاه الذي يقوده ترامب بصورة مترنحة. اي وقف بوجه الراسمال المعولم او العولمة ويطرح الاقتصادية الحمائية. هذا الاتجاه اكثر رجعية من الاول, لانه يعاند ويعاكس حركة التاريخ الاقتصاد الرأسمالي. هناك محاولات لتبلور اتجاه برجوازي ثالث... اتجاه يتعدى الحزبين التقليديين.

 

هذه الحالة المتشظية او المتشرذمة للبرجوازية الامريكية انعكاس طبيعي للمرحلة التاريخية الانتقالية الراهنة. عليه انقسام البرجوازية حول الانسحاب من اتفاقية باريس حالة او وضع اعتيادي في ظل هكذا اوضاع . البرجوازية في امريكا منقسمة حول الانسحاب من اتفاقية باريس. وسنرى انقسامات حول مسائل اخرى في المرحلة التاريخية الانتقالية الراهنة. وارى ذلك ظاهرة طبيعية في اكبر بلد راسمالي في العالم, دولة تنخرها الازمات السياسية والاقتصادية و الاجتماعية من كل حد وصوب بصفتها دولة عظيمة تحاول تجميع قواها لتيسنى لها لا تهبط مكانتها و موقعها العالميين.انتهى

مقالات