نادية محمود

استفتاء كردستان.. هل سيحدث اخيرا؟

بعد التصريحات التي ادلى بها هوشيار زيباري -من الاعضاء القياديين في الحزب الديمقراطي الكردستاني ونيجيرفان بارزاني، رئيس وزراء حكومة إقليم كوردستان- في الاسبوع المنصرم والتي تشير الى ان هدف استفتاء كردستان هو "لتقوية موقع حكومة كردستان التفاوضي مع بغداد" ولا يعني الاستقلال او الانفصال. صرح مسعود البارزاني في يوم 15 من شهر حزيران الجاري لمجلة السياسة الخارجية، قاطعا الشك باليقين، بان الاستفتاء امر جدي، وانه اذا ما اسفر التصويت عن الانفصال فانهم سيشرعون بالخطوات العملية لتحقيقه.

 

لقد طرحنا (الحزب الشيوعي العمالي العراقي) الاستفتاء منذ حزيران 1995، اي قبل 22 عاما تحديدا. وكان هدفنا انذاك هو لاخراج جماهير كردستان من وضع لم يكونوا فيه دولة، ولا جزء من دولة. وكان المجتمع يعيش بكليته في وضع مخيم لاجئين بانتظار المساعدات الدولية. قلنا في حينها ليس للتخطيط الاقتصادي والانتاج وتنظيم الخدمات الأجتماعية والصحة والتعليم والنظام والامن وأحلال القانون، اي معنى اية قيمة بدون تحديد مصير مسألة الحكومة والسلطة في الاقليم.

 

رغم ان امور كثيرة تغيرت بين ما قلنا عام 1995 2017، الا ان مسالة واحدة باقية في مكانها لم تحل، وهي امان ومعيشة جماهير كردستان التي يتقاذفها وتلعب بها حكومة المركز وحكومة الاقليم ككرة بين الجانبين. تغيرت الظروف وخاصة بعد عام 2003، وشكلت دولة فيدرالية اتحادية، الا ان المناوشات مستمرة بين الحكومة المركزية وحكومة الاقليم، وفشل مشروع الدولة الفيدرالية في العراق بكليته.

 

ان نقطة شروعنا لتأييد الاستفتاء واستقلال كردستان ينطلق من مسألة مصالح الكادحين والطبقة العاملة والالاف من الطبقة المتوسطة، التي بدأت تنتقل الى مواقع الطبقة الكادحة حيث تتعرض معيشتها الى التدهور والانهيار.

 

ان الاستفتاء، وما يعقبه من استقلال سيحرر جماهير كردستان من حقيقة وقوعها تحت حكم وسيطرة حكومتين (حكومة المركز وحكومة الاقليم) في ان واحد. فكما كانت كردستان في تسعينات القرن الماضي تعيش تحت وطأة حصارين، فانها تعيش تحت وطأة حكمين، بشكل مباشر او غير مباشر منذ عام 2003 باسم الفيدرالية.

 

ان الاستقلال واعلان دولة في كردستان سيجنب الجماهير عذابات وتسويف التلاعب بمصيرها وحياتها، والتي كانت تقوم به الحكومتان المركزية وحكومة الاقليم وما تسببا به من مآسي وكوارث، حيث كانتا تتقاذف حياة ومعيشة سكان كردستان ككرة بين ملعبيهما. انه سيقطع الطريق امام الاحزاب القومية الكردية للتنصل من مسؤولياتها، او تحيل مطاليب الجماهير اذا ما طالبت بها وعلى الاخص المسائل الاقتصادية والمعاشية، الى حكومة المركز.

 

ان استقلال كردستان، لا ينطلق هذه المرة من حقيقة وجود الاضطهاد القومي العربي عليها، فهي قد فصلت عمليا عن الحكومة المركزية، لديها برلمان وحكومة ورئيس اقليم وعلم. الا ان المسالة الاساسية الان هي الاضطهاد والابتزاز الاقتصادي الذي تتعرض له جماهير هذه المنطقة. فلم تدفع الرواتب لموظفيها الذين يشكلون اغلبية اليد العاملة فيها، بحجة ان حكومة المركز لا تدفع حصة كردستان من ميزانية العراق، والتي مقرر لها ان تبلغ 17% من ميزانية البلد. حكومة المركز تتذرع بان حكومة الاقليم تبيع النفط وانه عليهم تسديد رواتب موظفيهم من ريع النفط. وهكذا تزداد جماهير كردستان فقرا وبؤسا في مجرى الصراع ما بين الحكومتين.

 

لم تأتي حركة الاستفتاء من "اسفل"، ولم تطالب بها الجماهير الان، فالجماهير معنية برواتبها وبمعيشتها، وهي طالبت حكومتها الكردية- بتحمل مسؤولياتها امام موظفيها ومعلمي الاقليم، ولم تقبل اي تذرع بان حكومة المركز تمتنع عن تسديد الرواتب. الا انه وحيث ان الاحزاب الكردية تطرح الاستفتاء اليوم، واذا صح ما يقوله مسعود البارزاني، بجديته بقضية الاستفتاء والاستقلال، فان على جماهير كردستان ان تتمسك به وتدافع فيه عن الاستقلال للاخير، حتى تتمكن ويتاح لها ان تؤسس دولتها، ليكون بامكانها ان تمسك بخناق حكومة واحدة لا حكومتين لاحقاق مطاليبها.

 

ان ذلك سيوفر ارضية افضل لمواجهة الجماهير والطبقة العاملة وجها لوجه، وبعيدا عن التذرع بالصراعات القومية، مع احزاب الطبقة البرجوازية الحاكمة في كردستان، لتجعل النضال الطبقي سافرا في المجتمع.

 

ان اية احاديث عن ان الوقت ليس بـ"التوقيت الملائم"، او حقيقة الاهداف التي تنطلق منها الاحزاب الكردستانية، او مسعود البارزاني سواء كانت اهداف قومية او غيرها، او عدم قبول الاستفتاء والاستقلال كونه يمس "وحدة الاراضي العراقية"، التي نزفت فيها دماء اكثر مما استفادت منها الجماهير التي سفكت دماءها فيها. او مسالة التصويت في المناطق" المتنازع عليها".. ان كل هذا لا قيمة له تجاه حياة ومعيشة ومصير ما يقارب 6 ملايين ساكن في كردستان. ان ما له اهمية قصوى، هو ان استقلال كردستان سيحرر جماهير كردستان من هذا الالحاق القسري والذي اعلنت فيه جماهير كردستان انفصالها عنه من اذار 1991، والذي اديم بعد عام 2003 باسم الفيدرالية، وهو سيضع الطبقة العاملة في هذا الاقليم وجها لوجه بمواجهة الطبقة البرجوازية الحاكمة، وسينهي من الاجندة مرة واحدة والى الابد استخدام الهوية القومية ودعوى الصراع القومي على اساس قومي: عربي كردي، ولتنطوي صفحة من صفحات هذا الصراع الدموي، من رفع علم من على ارض من ومن تجاوز سبعة امتار على ارض من!

 

ما كان ليكون هذا خيارنا لو كانت الدولة في العراق لا تصنف البشر على اساس قومي، ولو كانت تعامل الناطقين بالكردية على اساس مواطنين من الدرجة الثانية. وماكان ليكون خيارنا لو لم توضع حياة ومعيشة الجماهير ككرة في ملعب كل يرميها للاخر حكومة مركز- وحكومة اقليم دون ادنى مبالاة بامنهم وسلامتهم، ان استقلال كردستان هو خطوة واحدة للامام في مسار تحقيق حياة افضل للملايين في كردستان

مقالات