نادية محمود

هل يوجد طبقة عاملة في العراق وكردستان العراق؟

تساءل البعض في معرض الحديث عن استفتاء كردستان ومصالح ودور الطبقة العاملة في تحديد نظام وشكل الدولة في الاقليم بـ: هل هنالك طبقة عاملة في كردستان؟ هل هنالك صراع طبقي؟ هل يوجد نظام رأسمالي؟ هل يوجد انتاج سلعي وفائض قيمة في كردستان العراق؟ وكأن الحديث عن الطبقة العاملة، والصراع الطبقي هناك هو حديث عن اناس في كواكب غير معلومة.

 

ان طرح هذه الاسئلة ليس بغريب علينا، فمنذ تأسيسنا للحزب الشيوعي العمالي العراقي قبل 26 عاما، ونحن نواجه الاسئلة ذاتها: ان "العراق بلد نفطي" "يستورد ولا يصنع" ما موجود هو "ميلشيات حاكمة وليست طبقة برجوازية" او عشائر حاكمة وليس طبقة برجوازية - في حالة كردستان" و"ليس لدينا طبقة عاملة تقوم بانتاج السلع بالشكل الذي تحدث به ماركس وانجلز عن الطبقة العاملة في اوربا".. وهكذا.. ان هذا الكلام متأتي من اناس يدعون انهم ماركسيون!

 

لكن رغم كل تلك الخصائص الموجودة في الاقتصاد العراقي والسياسة في العراق، الا ان العراق، وبما فيها كردستان العراق يوجد فيه نظام رأسمالي وطبقة عاملة، وصراع طبقي كما في اي مكان اخر في المنطقة والعالم.

 

كون العراق ومن ضمنه ايضا كردستان بلدا نفطيا لا يغير من حقيقة طبيعة العلاقات الانتاجية الرأسمالية السائدة فيها شيئا. ان النفط هو "سلعة" في الاقتصاد الريعي وهو يمر بكافة العمليات الانتاجية الرأسمالية المعتادة باستثناء حقيقة واحدة فقط، وهي انه يتم استخراج هذه السلعة "النفط" كمادة خام جاهزة تقدمها الطبيعة من باطن الارض، بفضل قوة عمل الانسان (التي يبيعها للشركة او الدولة) والعامل يصرف ساعات من وقته، وياخذ اجورا على "جزء" من وقته المبذول في العمل. وهذا هو جوهر العلاقة الراسمالية، والشركة تقوم بتولي مهمة البيع، وتستحصل فائض القيمة، والربح (الفرق بين كلفة الانتاج وسعر البيع) الخ. كون سلعة النفط لم تصنع كما تصنع الملابس من الصوف مثلا، لا يغير من الامر شيئا. اضافة الى النفط، في كردستان وفي العراق هنالك العديد من المشاريع الكبيرة والمتوسطة والصغيرة في مختلف القطاعات.

 

وفقاً لإحصائيات هيئة الإحصاء في إقليم كوردستان، فإن "عدد القوة العاملة في عام 2015 بلغ مليون و382 و285 شخصاً) من مجموع السكان البالغ 5 ملايين ونصف نسمة. من بينهم 557 ألف شخص يعملون في القطاع الخاص بعد ان كانت نسبتهم تبلغ 602 ألف و266 شخصاً في عام 2014. وينضم كل عام ما يقارب الـ 180 ألف شخص إلى القوة العاملة سنوياً، اضافة الى العمالة الوافدة من الخارج والتي تبلغ "37 ألف و363 عاملاً أجنبياً"، وفي العامين الماضيين فقط دخل 21 ألف و649 عامل أجنبي إلى إقليم كوردستان وفق إحصائيات الإدارة العامة للعمل والكفالة الاجتماعية في إقليم كوردستان، ناهيك عن عمل الاطفال الذي لم يسجل رسميا.

 

اما عدد العمال في العراق في مجتمع تبلغ نسمته 34 مليوناً تتجاوز 7 ملايين شخص، في سوق العمل وينضم كل عام ما يزيد على 450 ألف شاب جديد سنوياً، منهم 150 ألفاً من حملة الشهادات الجامعية حسب تصريحات المستشار المالي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح. واذا كان هنالك مليون عامل في كردستان العراق وسبعة ملايين في العراق، فان هؤلاء يعيلون اسرا وعوائل ترتبط حياتها ومصيرها بدخل ومعيشة هؤلاء العمال، والتي يتدهور مستوى معيشتها يوما بعد يوم الى ادنى من حد الفقر، اي دخلها هو اقل من 2 دولار في اليوم.

 

اذن فان الادعاء بان لا توجد طبقة عاملة، ومن ثمة لا وجود للرأسمالية، وليس هنالك صراع الطبقي، معناه ان لا ضرورة لخوض هكذا نوع من الصراع، ولا لاي تصدي للرأسمالية، ولا لطرح بديل اقتصادي قائم على اساس المساواة الاقتصادية بين البشر، ولا رفع شعار الغاء العمل المأجور، واستبدال الصراع الطبقي بصراعات اخرى على الهوية، دين، طائفة، مذهب، قومية، اثنية، بل وحتى على لون جلد الانسان. انه يؤدي الى نتيجة مفادها ان لا حاجة لاهداف اشتراكية، ولا لنضال اشتراكي ولا لممارسة اشتراكية. ان هذا يعني نفض اليد عمليا من ماركس ونظرياته حول دور الطبقة العاملة، كحافرة قبر للرأسمالية، وتأبيد النظام الرأسمالي الذي نعيش تحت وطأة وحشيته ولاانسانيته. معناه صب الماء في طواحين البرجوازية، وتوجيه ضربة الى مصالح هذه الطبقة المليونية.

 

الا ان الوقائع دامغة، وهي ان هنالك طبقة عاملة في جزئي العراق، المركز والاقليم، وان نتيجة عمل والثروة التي يخلقها 1/5 المجتمع يعتاش عليها الاربعة اخماس الاخرى سواء في كردستان او في العراق. وحتى ال 1% من الطبقة العاملة التي توفر 99% من دخل العراق. ان هذه القوة الاقتصادية تجعلها اهل لادارة شؤونها ومصالحها بنفسها ولنفسها. تجعلها صاحبة حق ومسؤولية في ان يكون لها دور سياسي، كما لها دور اقتصادي، في اية قضية في المجتمع، لانها تعنيها، كطبقة، وكأفراد في المجتمع. لذا، فان قضية مثل قضية الاستفتاء على مصير كردستان، فيما اذا يبقى جزء من العراق ام ينال استقلاله، وفيما اذا كان الاستفتاء او استقلال كردستان يخدم مصالح الطبقة العاملة تحديدا وليس غيرها، سؤال يمتلك كامل الشرعية ليطرح. للطبقة العاملة ان تتفحص ايهما سيسهل سبيل نضالها من اجل احقاق حقوقها، والتصرف، او تصوت وفقا لتلك المصلحة الطبقية وبعيدا وبالرغم من اية اهداف يمكن ان تتعقبها الطبقة البرجوازية في كردستان، وفي العراق واحزابها.

 

مقالات