سمير عادل

الظلم الطائفي، وهوية الدولة ما بعد القضاء على سيناريو داعش

ايام قليلة وسيعلن بشكل رسمي القضاء على داعش في الموصل، والكل يستعد لتجيير الانتصار لصالحه، حكومة العبادي والحشد الشعبي والحشد العشائري وجماعة النجيفي وامريكا. بينما لم يكن داعش اكثر من مجرد سيناريو، يتخفى ورائه صراع اقليمي ودولي في خضم مرحلة انتقالية لإعادة صياغة المعادلات السياسية واقتسام المناطق والنفوذ بين دول المنطقة والعالم.

 

ولم يحن الاوان كي نقول ان هذا السيناريو قد حقق اهدافه او نجح في ترتيب اوراق الدول البرجوازية المتصارعة فيما بينها ام لا؟. ولكن ما نستطيع ان نقوله كقراءة اولية ان الولايات المتحدة الامريكية تمكنت من اعادة نفوذها السياسي في المنطقة، عبر انتشار قواتها وتحديث قواعدها العسكرية في العراق وبعد ذلك سورية، الى جانب دخول السعودية وتركيا في المعادلة السياسية الاقليمية التي لم يكن لهما دور سواء بعد احتلال العراق واعلان مشروع الشرق الاوسطي الكبير بقيادة بوش الابن، او بعد الانسحاب الامريكي من العراق في نهاية عام٢٠١١، ولصالح الجمهورية الاسلامية في ايران.

 

ان داعش الذي لم يكن ان يراد له اكثر من سيناريو محلي، واقليمي في اقصى حالته، تخطى حدوده ليتحول الى اكثر من مجرد سيناريو، بل تحول الى ظاهرة وبديل وخلاص سياسي. وقد كتبنا كثيرا حول هذا الموضوع، بيد اننا سنركز في مقالنا هذا على سر قوته الذي هو محلي بالدرجة الاولى. فداعش قبل ان يتحول الى ظاهرة عالمية، كان بديل محلي. ومازال يمتلك العوامل المحلية لظهوره ونموه من جديد.

 

ان داعش يستند على عكازتين في عقيدة واحدة. فهو يستند في قوته المحلية على الطائفية والظلم الطائفي، ويستند في انتشاره العالمي على عقيدته الاسلامية. وهنا لا يمكن الفصل بين الطائفية والاسلام في أيدلوجية واحدة وخاصة بعد اسقاط دولة العراق وبناء عملية سياسية قائمة على الطائفية والقومية. فعلى الصعيد المحلي ويشمل الاقليمي ايضا، يظهر في صراعه مع التيارات السياسية للبرجوازية، كتيار طائفي بامتياز، وعلى الصعيد الدولي يطل برأسه الأيديولوجي الاسلامي في صراعه مع التيارات والقوى البرجوازية العالمية.

 

ان خطر داعش وكما تؤكد كل الاجهزة الاستخبارات العالمية، لن يزول بأسقاط دولة الخلافة الاسلامية في سورية والعراق. واذا ما تحدثنا عن العراق، فأنه اكثر المناطق الخصبة لنمو داعش جديد وبأشكال مختلفة، بل ان اقوى معاقل داعش ومنذ اعلان دولة الخلافة، كانت في المناطق الغربية من العراق، وان ابرز القادة العسكريين والسياسيين والمخططين الاستراتيجيين في دولة داعش، كانوا من حاملي الجنسية العراقية وخريجي جامعاته ومعاهده العسكرية والمدنية.

 

ان تحجيم التيارات الاسلامية في العراق وبعد ذلك قذفها خارج المجتمع، يتم عبر تجفيف المنابع الطائفية. فلا يمكن الحديث عن القضاء على داعش دون الحديث عن المشروع السياسي للقضاء على الظلم الطائفي في العراق. ان مجرد اجراء تحليلا سريعا حول تحويل بناية ديوان الحسبة لداعش الى مقر لحزب الدعوة الاسلامي الذي ينتمي اليه رئيس الحكومة في الجانب الايمن لموصل، اذ ما زال صليل الرصاص والقصف والقتل لم يتوقف، يتوصل المرء دون اي عناء الى ان حكومة العبادي غير جادة على الصعيد العملي بالقضاء على الاسباب التي ادت الى سقوط الموصل خلال ساعات وانسحاب اكثر من ٣٠ الف جندي دون اي قتال. فاذا كان ديوان الحسبة، رمزا لترسيخ عبودية سكان الموصل وقمعهم، وهوالمؤسسة الرسمية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سيئة الصيت، وفرض الخمار على النساء والفصل بين المرأة والرجل ومنع الخمور والتدخين والستلايت والتدخل السافر في الحياة الشخصية للأفراد ومصارة الحريات الفردية، وجلد المخالفين للشريعة الاسلامية، ومراقبة سير عملية بيع النساء الايزيديات بسلاسة وغيرهن، فأن مقر حزب الدعوة هو رمز للماضي الطائفي، ومعتقلات قيادة عمليات نينوى، وتعذيب السجناء، وتغييب المئات بسبب هوياتهم الطائفية. ان استبدال بناية داعش ديوان الحسبة، ببناية حزب الدعوة يدلل على صحة ما ذهبنا اليه، هو انه لا يمكن الفصل بين الطائفية والاسلام في ايديلوجية واحدة. اي بلغة اخرى، ان ديوان الحسبة ومقر حزب الدعوة وجهان لعملة طائفية في عقيدة واحدة، وتمرران سياسة واحدة، وقانون واحد وهو التمييز والقتل والتصفية ومصادرة الحريات.

 

ان كل الحلول التي تقدمها الدول في مؤتمراتها واجتماعاتها واجهزتها الاستخبارية، هي حلول امنية. بيد ان المعضلة الحقيقة هي غياب المشروع السياسي وخاصة في بلد لم يكمل بناء دولته، ولم يعرف هويتها منذ تدميرها عام ٢٠٠٣. وهذا المشروع لا حكومة العبادي ولا غيرها من الاحزاب والقوى السياسية التي تتواجد في العملية السياسية تملكها وتعمل من اجلها. ان المشاريع المطروحة هي مشاريع فدراليات طائفية ودينية، ومدعومة اقليمية ودوليا، لتتويج امراء الحروب الطائفية الذين كانوا يوما ما اخوة اعداء بعد الاحتلال، ملوك ورؤساء على تلك الفيدراليات، ووضع سكان العراق على شفى انتظار حرب طائفية جديدة، حسب التوازنات الدولية والمحلية.

 

ان استراتيجية القضاء على داعش سواء عالميا او محليا يتم عبر القضاء على الظلم الطائفي في العراق، وعبر انهاء الحرب في سورية. وبخصوص العراق، فهذا لن يتم دون تأسيس حكومات محلية في كل منطقة تتحرر من داعش، بهوية علمانية وغير قومية، هوية غير دينية وغير قومية، هوية تعرف الانسان في مكان يقطن فيه بهوية الانسان ومواطن من الدرجة الاولى وبغض النظر عن انتمائه الديني والقومي والاثني... ان هذا المشروع هو المشروع السياسي للشيوعيين وكل القوى التحررية في مقابل المشاريع الطائفية والقومية التي تتوج عبر الرايات الفدرالية المشبوهة

مقالات