قاسم علي فنجان

جناح خاص للعوائل

((أن ينُظر اليك هو أحد الاخطار, وأن تُعامل بخشونة خطر آخر)) سيمون دي بوفوار.

 

يعكس التراجع الذي يشهده مجتمع ما, واقعاً بائسا ومأساويا, يتغلغل في كل مفاصل هذا المجتمع, تقهقرا قسريا متعمدا ومصطنعا من قبل سلطة أو قوة حكم, تريد بفرضها التراجع أو الرؤى المتخلفة, إلى ادامة سيطرتها وهيمنتها على هذا المجتمع, وجعل التخلف والتراجع هو السمة أو الشكل الطبيعي لحياة المجتمع, وأيضاً تعمل على تأبيده بإضفاء الشرعية عليه, تارة بالمقدس والاساطير والطقوس, وبالعنف والقوة والاستبداد تارة أخرى.

 

وإذ تحكم المجتمع منذ2003, قوى الاسلام السياسي, الرجعية والمتخلفة والبربرية, فأن هذا المجتمع قد أعاد وافرز الكثير من العادات السيئة, والتي البسها ثوب "الحلال والحرام", هذه المعادلة الصعبة, والتي جيء بها لترسيخ قيم بدائية وتثبيتها, ومحاولة خنق كل فرصة لتقدم هذا المجتمع, او مصاحبة تطور المجتمعات الاخرى.

 

ومن ظواهر كثيرة سادت هذا المجتمع, انتشرت ظاهرة عزل وفصل المرأة في كل مفاصل الحياة الاجتماعية وجوانبها, فحيثما تذهب تجد لافتة كُتب عليها "يوجد كادر نسائي", من صالون الحلاقة, إلى تعليم قيادة السيارات, وإلى محلات التصوير, وسياسة الفصل في التربية بكل مراحلها, ويكاد التعليم الجامعي أن يكون كذلك, بضغوط هذه القوى. لقد طال هذا العزل والفصل كل مناحي الحياة, وقد وردت اخبار عن حملات دموية قامت بها ميليشيات اسلامية في مدينتي البصرة والكوت, على فتيات كن قد عملن كنادلات في المقاهي.

 

ومع كل هذا الاصرار على عزل المرأة عن واقع الحياة الاجتماعية, وتحجيم مشاركتها فيها, فان هذه القوى لم تكتف بهذه الممارسات البغيضة, بل عملت على تجنيس أعضاء جسد المرأة, انطلاقاً من مقولة "المرأة كلها عورة", فلا يجب أن تُرى وهي تفعل أي شيء, حتى أكل الطعام, وكلمة "جناح خاص للعوائل" التي نراها معلقة على لافتات المطاعم, والتي انتشرت كثيرا, ما هي الا ترجمة واقعية لما استطاعت هذه القوى فعله بالمجتمع, وأن المقصود بمفردة "العوائل" هي المرأة لا غير ولا شك في ذلك.

 

لكن لماذا يأخذ الفم, الذي يؤدي وظائف الاكل والنطق, كل هذه الهالة من التحريمات والممنوعات؟ لماذا يتم تجنيسه؟ أي جعله عضوا جنسياً, وكيف يتم ترسيخ ايحاءات مصطنعة؟ وكيف ينتقل البيولوجي إلى الجندر؟ هل هي اضطرابات نفس-اجتماعية تدل على جنسانية مرضية؟ حقا لا نستطيع الاجابة عن كل هذه التساؤلات وغيرها الكثير, لكن سنعطي صورة تقريبية ابتدائية.

 

بدءاً هنالك صناعة للجسد تقوم على أن هذا الجسد كُله أو جزءاً منه يؤدي دورا جنسيا, وقد يتخذ أي عضو فيه وضعا جنسيا, وبالتالي فأنه يُحّرم, أو يدخل مرحلة التابو, ولأن الجسد بشكل عام وجسد المرأة بشكل خاص, مقيد بأنظمة دلالية محددة, يعطيها المهيمن أو المسيطر عليه, لذا فأن احد اعضاء جسد المرأة, والذي هو الفم, قد حُرّم وحُجب, لأنه اعُطي دلالة جنسية معينة, فلا يجب عليها أن تتكلم لأن صوتها عورة, ولا يجب أن يشاهدها احد وهي تأكل أو تشرب.

 

لقد وجد الكثير من الانثربولوجيين تقابل لغوي بين فعلي} أكلI نكح{, أو بين ممارسة الجنس وتناول الطعام, وقد وجدوا مجموعات بدائية -جماعة "الهولي"- تعلًّق بأسلوب ساخر ومهين على المرأة التي تقبل المال لقاء الجنس, "عاملة الخدمة الجنسية", قائلين أنها ((تأكل فرجها)), وهو نفس المثل الذي يتداوله مجتمعنا عندما يتناولون ذات المرأة التي تعمل بالجنس بأنها ((تأكل بفرجها أو من فرجها)), وهناك أيضاً كلمة تقال للشاب الذي استطاع ممارسة الجنس مع فتاة ما, يقال له أنه ((أكلها)) وهو فعل التهام جنسي, ايضا ولترسيخ فكرة }فم - فرج{, فأننا نشاهد الإعلانات التلفزيونية عن بعض المنتجات الغذائية, تصور المرأة وهي تأكل الشوكولا أو الكاكاو أو الفراولة أو تشرب البيبسي أو أي مشروب أخر, ويركز التصوير على فمها, في إشارة واضحة إلى رمزية الفم وإعطاءه دلالة جنسية "فم مهبلي", انه الاداء الذي يولّد ويوحي بدلالات ومعاني معينة.

 

أن التلذذ والشعور بالمتعة بمشاهدة امرأة وهي تأكل, هو بمثابة "جنس بدون جنس", عند مجتمعات العزل والفصل, مجتمعات الهيمنة الذكورية, التي تجعل من المرأة سلعة جنسية, لا غير ذلك, وأن تجنيس اعضاء الجسد, هو في وجه منه علاقة هيمنة, لأنها تجعل من جسد المرأة كُله عضوا جنسيا, لهذا فأن عملية اخفاء الوظائف الحقيقية لأي عضو وطرح وظائف بديلة منتجة بمخيلة ذكورية بدائية, يعطي الاستعداد المسبق لسلوكيات مريضة بترويض هذا الجسد وجعله فقط للاستعمال الجنسي, ما يرسخ فهما أو تصورا لدى المرأة عن نفسها بأنها كلها "محرمة", فلا يمكن لها الظهور على مسرح الحياة, ويجب عليها أن تُحجب عن الانظار, لأنها مقدسة من جانب, وشر من جانب اخر.

 

((الهيمنة فعل معرفة)) كما يقول احد السوسيولوجين, وتُمرر عبر مفردات "العيب, والمهين, والمخجل, والاثم", واذن فهي فعل سياسي بامتياز, لأن من يقوم بها يُدرك أنه ينتج علاقات تبعية واخضاع لنصف المجتمع, ويُعيد باستمرار انتاج هذه العلاقات, لديمومة سيطرته الذكورية, وما هذه الانواع من العنف الرمزي, الا بعض الاشكال التي تواجهنا يوميا.

 

لقد اثارت احدى الباحثات الامريكيات في الجندر والهوية تساؤلا بقولها الى أي حد يتجلى الجسد للعيان ويبرز في معالم الجنوسة "الجندر"؟ وكيف يرتبط ذلك ببنية الجسد من خلال الجنس؟ وسنترك هذه التساؤلات وغيرها الكثير في اللحظة الراهنة, عسى أن نتمم هذه المقالة في وقت آخر.

 

مقالات