سمير عادل

ارادة ثورية في ظرف غير ثوري

تحويل الثورتين المصرية والتونسية ونسيمهما على المنطقة الى جحيم لا يطاق، هو سيناريو اعدته البرجوازية المحلية والعالمية لسلب الارادة الثورية للجماهير، وقلب احلامها وطموحها من اجل تحقيق الحرية والرفاه وعالم افضل الى كابوس يخيم عليها وعلى الاجيال المقبلة.

 

وليس سرا عندما قال نوري المالكي في مقابلة له عشية انتفاضة ٢٥ شباط ٢٠١١ في ساحات المدن الكبرى ضد حكمه الفاسد والطائفي والمقيت، ان "الربيع العربي" بداء في العراق قبل الثورتين المذكورتين. وكان يقصد وهو على حق، عندما دخلت جيوش الاحتلال الى العراق ودمرت كل شيء، ونصبت كل حرامية التاريخ ولصوصه وفاسديه في السلطة السياسية، كان تأريخ تدشين "الربيع العربي". فبالحروب وإطلاق المليشيات وتدمير كل اركان المدنية في المجتمع، وتحويل كل الآمال الانسانية الى الحصول على لحظة آمان، هي سر بقاء ما لم يحلم به لا المالكي ولا حزب الدعوة ولا داعش ولا كل القوى الاسلامية للاستمرار في سلطتها ونفوذها وامتيازاتها.

 

ان تحويل سورية وقبلها العراق واليمن وليبيا الى ساحة حرب مفتوحة، واعادة انتاج العسكر بأقبح صوره في مصر وتعويم الثورة في تونس، هي رسالة لقمع كل فكرة حول التغيير. ان سلب ارادة الانسان، واشغال بال وفكر البشر بالبحث عن مكان آمن، بالبحث عن لقمة خبز بكرامة، بالابتعاد وابعاد اسرها عن خطر الارهاب، هي سياسة يومية تنتجها البرجوازية المحلية والعالمية بشكل دقيق ومدروس. ولو كانت اوضاع اي بلد ولنأخذ مثلا العراق مستقر من الجانب الامني والسياسي والمعيشي، لما استطاع اللصوص في المنطقة الخضراء والحكومات المحلية في المحافظات الادامة بسرقة ثروات المجتمع، ولما استطاعوا التمادي في كل عام من التنصل في حل معضلة الكهرباء. فليتخيل المرء لو كانت جماهير العراق تعيش الحدود الادنى من اداميتها او انسانيتها، اي ان تحصل على الحد الادنى من الامان ومستلزمات المعيشة والبقاء، ماذا كان مصير كل جماعات الاسلام السياسي؟ ماذا كان مصير منظري اقتصاد "النستلة*"، الفطحل جلال الدين الصغير في "العراق الجديد" الذين ينافس اكاديمي مدرسة شيكاغوا** الاقتصادية، وهل كان يتجرا شخص مثل عمار الحكيم بإصدار فتوى بهدر دم الملحدين مثلما هدر ابيه دماء الشيوعيين؟ ام كان حسب "الدستور العراقي" يساق الى القضاء بتهمة التحريض على القتل؟

لقد اشرنا في مناسبة سابقة الى جملة للينين، "ان البرجوازية لا تبقى بواسطة العنف وحسب، وانما تبقى بفضل رتابة الجماهير، خمود همتها، وعدم وعيها، وعدم تنظيمها" ونحن نضيف اليها، بواسطة خلق الازمات وتفعيل الحروب والدمار وتحضير ارواح الاشباح من كهوف التاريخ، استحدثت البرجوازية ادواتها وطورتها وخاصة بعد الدرس الذي تعلمته من ثورة اكتوبر التي قادها العمال. فمن كان يتصور او يتخيل ان الوحوش الكاسرة المنقرضة تنفخ فيها الروح وتتقمص شخصيات كل زبالات التاريخ، وتستعير راية اكل عليها الدرب وشرب وتسفك الدماء من حولها لتأسس ما سميت دولة الخلافة الاسلامية!.

 

لقد حدثنا قبل ايام احد رفاقنا، بأن الوضع صعب جدا في العراق وليس سهل تغييره، والمسالة ليست ارادوية. وكان ردنا نعم المسألة ليست ارادوية، ولكن القضية تحتاج الى ارادة ثورية في ظرف غير ثوري. ان البرجوازية المحلية والعالمية نجحت الى الان في فرض التراجع على كل الحركات الثورية والتحررية في المجتمع. لقد مرت البشرية في حقبتين متتاليتين، الاولى كانت بعد انتهاء الحرب الباردة، حيث شنت هجمة شرسة على كل الافكار والمفاهيم الداعية للمساواة، اذ استدبلت الاشتراكية بالعالم الحر، والحرية بالديمقراطية، والمساواة بالاقتصاد الحر، واعلنت زورا بأن سقوط الاتحاد السوفيتي كان سقوط للاشتراكية. اما الحقبة الثانية التي تلت مباشرة بعد الثورتين المصرية والتونسية، وبعد الحاق الهزيمة بالثورتين والتصدي لنسيمهما، فلقد استبدلت القومية بالدين والطائفية، وقايضت الحرية والمساواة والرفاه كرزمة واحدة بالامان. بينما هي نفس البرجوازية قدمت التنازلات في الميدان الاقتصادي والسياسي امام الطبقة العاملة بعد ثورة اكتوبر. فكل المكتسبات الاقتصادية من رفع الاجور وضمان البطالة ورياض الاطفال وتحسين ظروف معيشة العمال وتحقيق مساواة المرأة في مجالات معينة، وحق اللجوء..الخ، وعلى الصعيد السياسي، الحريات الفردية والشخصية وحرية الرأي والمعتقد..الخ التي تحققت في الدول الغربية وانعكست على العديد من بلدان العالم ايضا، هي احدى نتاجات ومكتسبات ثورة اكتوبر.

 

اي بعبارة اخرى ان ما نعيشه اليوم، من حروب وسيناريوهات في ظهور جماعات همجية منقرضة وارهاب الجماعات والدول، هي بالنتيجة سياسة البرجوازية في هذه المرحلة لوأد كل الافكار التحررية والمساواتية عند البشر. انها في غاية السعادة، عندما يكون انشغال الناس هو الكهرباء، ولكن ما لم يتصوروا بأن تمتد الجسارة الى الهجوم على الحوزة العلمية في النجف، كما لم يتصوروا في تموز ٢٠١٥ ان ترفع شعارات من "دخل بيها ابو عمامة صار البوك للهامة".

 

انهم يقتلون الامل، ولكن علينا نحن الشيوعيين ابدا ان نكون رافعي شعلة الامل، ان المجتمع العراقي بحاجة الى فصيل من البشر، يتسلح بالراية الشيوعية، راية ذلك الطيف الثوري داخل الطبقة العاملة، راية غير مساومة وصلبة ومستقلة. فالمجتمع جرب القومية والطائفية والدينية والديمقراطية التي جلبها الاحتلال والنتيجة عراق دمار وخراب بامتياز. ولكن تحتاج تلك الراية الى فصيل من البشر لها ارادة ثورية في ظرف نعيه جدا وهو غير ثوري.

 

*

احد قيادي المجلس الاسلامي الاعلى، وتحدث في احدى خطبه بالدفاع عن سياسة التقشف لحكومة العبادي، بدعوة المواطن في عدم شراء النستلة من اجل تقليل نفقاته الشهرية.

 

**

مدرسة شيكاغو الاقتصادية، صاحبة ابتكار سياسة الليبرالية الجديدة.

 

مقالات