عبدالله صالح

لِمَ ، بكسر اللام وفتح الميم ، أقول - لا - لهذا الاستفتاء !؟

بعد اجتماع مسعود البرزاني رئيس الحزب الدمقراطي الكوردستاني ( البارتي ) بعدد من الأحزاب السياسية يوم 7 /6 / 2017، قرر الأخير إجراء استفتاء في إقليم كوردستان يوم 25 / 9 / 2017حول البقاء ضمن العراق أو الانفصال عنه وتأسيس دولة مستقلة .

 

بداية لا بد من التأكيد على ان حق تقرير المصير وتأسيس دولة مستقلة لأية أمة هو حق مشروع يستوجب الدفاع عنه، أنا مع هذا الحق جملة وتفصيلا ومع الانفصال عن العراق وتأسيس دولة علمانية غير قومية في كوردستان، إلا أن السؤال الأهم هو التالي: هل ان هذا الاستفتاء يهدف لتحقيق ذلك المطلب؟ للإجابة عن هذا السؤال لابد من توضيح بعض الحقائق:

 

1/

العودة الى رأي الجماهير في موضوع مصيري كهذا له أهميته الخاصة لكسب الشرعية الجماهيرية ثم السير نحو تحقيق المطلب، ولكن السؤال الآخر هو: ألم تدلي هذه الجماهير برأيها لانتخاب برلمان كوردستان ؟ ألم يكن انتخاب هذا البرلمان مسألة مصيرية؟ مالذي حلّ به ؟ انه البرلمان الذي أُغلقت أبوابه منذ سنتين بأمر من البرزاني ومُنع رئيسه من دخول أربيل! ومنذ ذلك الحين ولحد الآن والأحزاب الأربعة الأخرى (الاتحاد الوطني الكوردستاني، حركة التغيير، الاتحاد الإسلامي، الجماعة الإسلامية) تُناشد البرزاني وتدعوه لأعاده تفعيل البرلمان المُعّطل ولكن دون جدوى! البرلمان يعنى أعلى سلطة تشريعية تُمثل إرادة الشعب لذا يجب أن يكون هو المرجع، لا بل المرجع الوحيد لحسم القضايا المصيرية هكذا يقول العقل والمنطق ، إلا أن البرلمان في كوردستان حتى عندما كان مُفعّلا لم يكن هو المكان الذي تُحسم فيه القضايا المصيرية بل كانت تُحسم في الدواوين العشائرية ، لذا فأن مطالبة بعض الأحزاب في كوردستان بإعادة تفعيل البرلمان قبل اجراء الاستفتاء وإناطة اصدار القوانين به لإجراء الاستفتاء مسألة تدعوا الى السخرية ، كل زاوية أوركن في هذا المجتمع تُغطي عليه المصالح الحزبية ، بدأ من البرلمان الى السلطة القضائية الى السلطة التنفيذية ووصولا الى أصغر حلقة من هذه السلسلة ، فبقدر خضوعها لتلك المصالح يُسمح لها بالاستمرار ، عدى ذلك يتم تعطيلها كما حصل مع البرلمان .

 

2/

السؤال الآخر هو: هل ستقدم الجماهير في كوردستان على اختبار هذه السلطة مرة أخرى وفي قضية مصيرية كالاستفتاء!؟ سلطة مضى على حكمها 26 عاما ولم تجنِ الجماهير من ذلك الحكم سوى الظلم والاستبداد وانعدام الحريات والاغتيالات و الفقر والبطالة وانعدام ابسط الخدمات كالكهرباء والماء والطرق والخدمات الصحية والتعليمية، سلطة غارقة حتى النخاع في الفساد، الاداري والمالي، سلطة لا هم لها سوى السلب والنهب لتوفير أفضل حياة لمسؤوليها وعوائلهم وترك الناس وشأنهم، تُرى هل يُمكن تصديق وعود هذه السلطة وبالأخص في هذه المسألة الحياتية!؟ ما السر وراء الهرولة نحو الاستقلال من قبلهم وفي هذا الظرف بالذات؟ هل هو من أجل تأمين مستقبل الأجيال الأخرى حسب ادعاءهم وتحقيق "الحلم الكوردي "! أم لغاية في نفس يعقوب كما يُقال، ولماذا استفاقوا الآن؟ سؤال مطروح لدى غالبية المواطنين.

 

يقول الدكتور شيركو جودت عضو برلمان كوردستان المعطل وعضو اللجنة الاقتصادية في نفس البرلمان في احدى برامج تلفزيون (ان آر تي الكوردية )بان هذه السلطة باعت 53٪ من أراضي كوردستان أي ما يقارب 41597 كم مربع لمدة 25 عام ،أما الـ 47٪ من هذه الأراضي والتي لم تُباع فهي لكونها مدن وقصبات وقرى !! انها لعبة مخادعة أخرى تُقدم عليها هذه السلطة لكسب ورقة أو شيك على بياض من جماهير كوردستان كي تلعب بها حينما تشاء وتضعها على الرف وقت ما تشاء، ورقة لكسب أكبر قدر ممكن من الامتيازات السياسية والحزبية من الطرف المقابل خصوصا وان المنطقة مقبلة على تغييرات سياسية وجغرافية بعد داعش وبالتحديد مطالبة السنة بإقليم مستقل بعد تحرير الموصل.

 

3/

لو كنت رساما كاريكاتيرياً لرسمت صورة هذا الاستفتاء على النحو التالي : قطار قاطرته ماكنته - هي للحزب الدمقراطي الكوردستاني ويقودها مسعود البرزاني ، المقطورة الاولى للاتحاد الوطني الكوردستاني ، تليها في بقية المقطورات الأحزاب القومية والاسلامية الأخرى ، ولا ننسى بأن آخر مقطورة هي لقسم من اليسار والشيوعيين كافراد أو أحزاب قرروا الهرولة وراء هذه السياسة والمشاركة في هذه اللعبة للأحزاب القومية الكوردية بقيادة اكثر الأحزاب القومية رجعيةً أي الحزب الدمقراطي الكوردستاني ، ذريعتهم هي ان هذا الاستفتاء واستقلال كوردستان سيسحب البساط من تحت أقدام الأحزاب القومية الكوردية كي لا تتملص بعد الآن من التزاماتها في توفير الحياة الحرة الكريمة للجماهير حيث كانت تفعلها بحجة ارتباطها بالحكومة المركزية في بغداد والجعل من هذا الارتباط شماعة تبرر بها عدم القدرة على تقديم الخدمات ، وكأن هذه الأحزاب سوف تلتزم بتعهداتها ! أما الذريعة الأخرى فهي حل المسألة القومية في العراق، كوردستان ومنذ اكثر من عقدين لا يوجد فيها ظلم يسمى بالظلم القومي ! أذاً، وكما يدعى هذا اليسار، فأن الدولة المستقلة سوف تُذعن لمطالب الجماهير وهذا بدوره سيساهم في جعل الصراع الطبقي أكثر شفافية مما يمهد الطريق نحو الأشتراكية ! انه لوهم ما بعده وهم أن تسير خلف سياسة حزب رجعي كالبارتي وتُساهم في إنجاح خططه.

 

الأحزاب القومية الكوردية فقدت الاعتبار لدى الجماهير منذ حوالي عقدين من الزمن وباتت أوراقها مكشوفة واليسار بهذه السياسة سيساهم في رد الاعتبار لهؤلاء، وهو باعتقادي سيدفع بهذا اليسار المهمش أصلا الى زاوية أكثر تهميشا ً انها سياسة القفز نحو المجهول.

 

4/

النقطة الأخرى التي يجب الوقوف عندها هي مسألة " التخوين " المؤسسات الإعلامية للبارتي تنشر هذا السُم الخطير وتقول بأن من يصوت بـ لا هو خائن ! وبذلك تحاول من الآن أن تمارس، في دولتها المنشودة، سياسة التعسف والاعتقال والقمع كما عودتنا، وحتى الطرد لهؤلاء " الخونة " كونهم لا يريدون قيام " الدولة الكوردية " انها سياسة رجعية حتى النخاع يُطبل لها وسط صمت مدقع من اليسار المؤيد لهذا الاستفتاء !! المواطن، وكما هو معمول به يُوضع في ورقة الاستفتاء أمام خيارين ( نعم أو لا )، ولكن عندما يتم تخوين المصوتين بـ( لا ) فلماذا اذا تُورد في قسيمة الاستفتاء ؟ من الأولى أن يكون كلا الخيارين ( نعم ) ونعم فقط باعتباره موديلا جديدا للديمقراطية الكوردية تُقدم كهدية لكل الحكومات الدكتاتورية التي هي على نفس الشاكلة .

 

5/

الدولة ليست الدواء السحري لكل الآفات التي يعاني منها المجتمع، فهناك دولة في الصومال ودولة في جنوب السودان ودولة في النيبال على سبيل المثال لا الحصر، ولكن سكانها لا يهربون منها فحسب، بل ويجازفون بحياتهم في ركوب البحر بزوارق الموت أو عبور الصحراء كي يصلوا ال بلد يؤمن لهم العيش والحياة الحرة، ما أهمية الدولة اذا إن لم توفرتلك المطالب الأساسية ؟ وهي نفسها التي تطالب بها جماهير كوردستان منذ أن استولى هؤلاء على مقاليد السلطة ولحد الآن! اذاً فمسرحية الاستفتاء هذه ليست سوى وسيلة لإسكات تلك الأصوات واجبارها على الخضوع لما يرسمه هؤلاء الحكام.

 

12 /

7 / 2017

مقالات