سمير عادل

سياسة الافقار الممنهجة في العراق

الطبقة البرجوازية العراقية الجديدة المتمثلة اليوم سياسيا بالمرجعية وحاشيتها من رجال الدين والاحزاب القومية والطائفية في العملية السياسية، هي جزء من البرجوازية العالمية التي تتفق جميعها حول اقتصاد السوق وتنصل الدولة عن مسؤوليتها في التربية والتعليم والصحة ورياض الاطفال والانفاق على الخدمات بكل اشكالها. والفارق الوحيد الذي يمييز حدود كل دولة بحجم تنصلها عن الدول البرجوازية الاخرى من مسؤوليتها تجاه المجتمع، هو قوة الحركة العمالية والحركات المرتبطة بها بأفاقها وبرامجها الانسانية مثل الحركة النسوية وحقوق الانسان والدفاع عن البيئة والدفاع عن الطفولة. الخ.

 

حسب تقديرات منظمة الامم المتحدة، فأن حجم الفساد المالي بلغ في العراق ومنذ الاحتلال بأكثر من 450 مليار دولار. والمثير في هذه المسالة لا تكلف المنظمات المعنية نفسها العناء في تشكيل لجنة دولية تقوم بالتحقيق حول اختفاء هذا المبلغ المهول، ومحاسبة المسؤولين العراقيين ومصادرة اموالهم المنقولة وغير المنقولة. في حين تهرع الامم المتحدة وأذرعها حول تشكيل اللجان التحقيقية في ادعاءات ارتكاب مجازر حرب او استخدام الاسلحة الكيماوية او خروقات الديمقراطية في بلد ما، وادراج اسماء مرتكبيها في قائمتها السوداء ورفعها الى الدول المهيمنة على الامم المتحدة لملاحقتهم قانونيا، كما حصل مع سورية واليمن وليبيا. في حين لا تتحرك الولايات المتحدة الامريكية او بريطانيا او فرنسا اي تحرك بالتقصي وراء اختفاء تلك المبالغ، بينما لو شهد تهديد حقيقي لأية شركة من شركتها العاملة في العراق، مثل اكسيون موبايل او بترش بتروليوم او توتال لكانت مكانة العبادي او المالكي من قبل، لا تختلف اليوم عن مكانة مادورو الرئيس الفنزويلي، ولتحولا الى دكتاتورين يقمعا شعبهما ويجب محاسبتهما لإعادة القانون والديمقراطية الى العراق.

 

ان إطلاق العنان للفساد في العراق هي سياسة مخطط لها وبدعم عالمي، عبر المؤسسات المالية الكبرى مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وصندوق التنمية الامريكية والبنك الاوربي وبنك باريس. الخ. ان هذه المؤسسات كانت تنتظر بفارغ الصبر نضوب الميزانية العراقية، والوصول الى حد الافلاس، كي تتوسل الحكومة وبشروط تلك المؤسسات المالية بالحصول على قروض لدفع الاقتصاد الى الامام. لقد اختير التوقيت بعناية فائقة على توقيع العراق الاتفاقية مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بعد تمدد داعش الى العراق. اذ ان ذهول الناس من سيطرة داعش على ثلث مساحة العراق واعلان الحكومة الجديدة بقيادة العبادي إفلاس الميزانية هو الزمن المناسب لتطبيق العراق كل سياسات الليبرالية الجديدة، دون اية مقاومة جماهيرية لتلك السياسة. وكانت احدى فصول تلك السياسة هي فرض سياسة التقشف على الطبقة العاملة والموظفين وتنصل الدولة عن مسؤوليتها في المرافق الذي ذكرناها. ولا تقف عند هذا الحد بل ان سياسة غلق المصانع والمعامل التابعة لوزارة الصناعة او في أحسن الاحوال وضع العراقيل الكبيرة للحيلولة دون تشغيلها، او فرض سياسة التمويل الذاتي واحالة الاف من العمال الى التقاعد او تحويل خدماتهم الى وزارات ومرافق اخرى، هي سياسة امبريالية بامتياز. ففي التقسيم العالمي للإنتاج الرأسمالي، لا يسمح للعراق أكثر من احتلاله لسوق الانتاج النفطي، وهذا السر وراء عدم تشغيل المصانع والمعامل في العراق، كي يكون سوق جديدة مفتوحة تتنافس عليها الدول الاقليمية والعالمية. اوذا ما عدنا قليلا الى موازنة عام 2010 كما نوهنا في أكثر من مناسبة، فأن حصة وزارة الصناعة من الموازنة لا تتجاوز أكثر من 2 %. اي ليس هناك لا من قبل ولا الان ولا في المنظور المستقبلي اية خطة للبرجوازية العراقية للنهوض بالصناعة في العراق. ونورد مثلا اخر عن ما يحدث اليوم في العراق، حدث قبل اكثر من قرنيين ونصف في الهند على سبيل المثال، وتحديدا بين منتصف القرن السابع عشر والثامن عشر، عندما كانت تصدر المنسوجات الصوفية والقطنية الى بريطانيا واروبا، الا ان البرجوازية البريطانية وكي تحتكر سوق القطن والصوف وتصدر هي مصنوعاتها دمرت المغزل اليدوي والة الحياكة في الهند، وباتت تصدر الى الهند الصناعات المذكورة. فالأسواق الجديدة التي تفتح اليوم، لا بد من تصنيفها من قبل الدول الامبريالية العالمية والحقاها حسب حاجتها بالسوق الرأسمالية العالمية.

 

ورب سائل يطرح سؤال اليس من مصلحة البرجوازية العراقية الاستثمار في حقل الصناعة كي تحصل على ارباح؟ والجواب "لا" بسبب جود انتاج النفط، وطيلة هذه السنوات اغتنت البرجوازية العراقية من سرقة اموال النفط ونهبها، وهي ليس بحاجة الى استثمار طويل الاجل في ميدان يدر ربح فيه منافسة شديدة من قبل الصناعات الصينية والتركية والايرانية.. وينطبق نفس الحال على ميدان الزارعة الذي تنصلت الدولة من تطوير وسائل الري، وتحولت اغلبية الاراضي الزراعية الى ارض بور بسبب شحة المياه كما في مناطق جنوب بغداد وديالى وصلاح الدين والمدن الجنوبية، وتحول اصحابها الى عمال مياومين ومهاجرين.

 

ان السياسة العملية لمواجهة الافقار الممنهج والمتعمد من قبل الحكومة العراقية، ليس بالدعوة الى تشجيع الصناعات الوطنية التي ولى عصرها، بل يتم اولا: تنظيم الاحتجاجات العمالية التي تجتاح مدن العراق بشكل يومي تقريبا، وتحويلها الى حركة منظمة واسعة على الصعيد الوطني، ثانيا، تنظيم العاطلين عن العمل الذي كما تقدرهم الاحصاءات الرسمية العراقية بأكثر من 35 %، وربط حركتهم بالاحتجاجات المذكورة، للتحول الى جبهة واسعة للإسقاط سياسة التقشف، ووضع حدا للفساد والاطاحة بالأسس الذي يستند عليه.

 

مقالات