نادية محمود

حول قانون التأمينات الاجتماعية او الضمان الاجتماعي

وافق مجلس الوزراء على مسودة قانون التأمينات الاجتماعية المقترح، وستعرض على البرلمان العراقي لاقرارها بعد ان كانت قد قرأت قراءة اولى في تشرين الثاني 2016. هذه المسودة وضعت من قبل صندوق النقد الدولي وبالاتفاق مع الحكومة العراقية. يعبر العمال والمنظمات العمالية في العراق ومنذ ما يقارب الخمس سنوات عن اعتراضاتهم واحتجاجاتهم على تشريع قانون الضمانات الاجتماعية او التأمينات الاجتماعية.

 

تتطرق الاسباب الموجبة لاصدار هذا القانون هو "للتكافل الاجتماعي" و"لتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية لتشمل الفئات العمالية الضعيفة تطمئن على حياة ومستقبل اسرها" (ص 70). ان هذا كلام عار عن الصحة تماما. فلا الهدف هو التكافل الاجتماعي، ولا لتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية. انه قانون يخدم قلبا وقالبا الرأسمالية، سواء كانت رأسمالية الدولة او القطاع الخاص.

 

ان اي قانون او تشريع يخدم في اخر المطاف مصالح اقتصادية، وهو يعبر عن فلسفة ورؤية المشرعين والستراتيجيين تجاه القانون المطروح. ان هدف قانون التأمينات الاجتماعية المطروح الان، او القوانين التي طرحت سابقا، لا في العراق فحسب، بل في كل مكان في العالم الرأسمالي، هو تأمين وجود ايدي عاملة صحية قادرة على ادامة سيرورة الانتاج الرأسمالي، واعطاءها نوع من الاستقرار ليستمر الانتاج. فتعويض الاصابات في مكان العمل مثلا هو من اجل تضمين سير عجلة الانتاج، بان يعاد العامل الى العمل بعد اصابته.

 

ضمن هذا النوع من القوانين تقع مهمة التعويض عن الاصابة للعامل في العمل وبسبب العمل، على كاهل العامل نفسه. اي بكلمة اخرى يقوم العامل بدفع كلفة حماية نفسه ومعالجة نفسه بنفسه، ويقوم بدفع ضريبة شهرية لصندوق التأمينات الاجتماعية، تحفظ له "لليوم الاسود"! فليس القانون هو منحة من الدولة، بل ان الدولة تقوم فقط بدور جابي ضرائب ويملك قوة فرض القانون، ستقطع من العامل حصة 7% من راتبه بعد ان كان 5% سابقا، قبل ان يستلم العامل فلسا واحدا من أجره.

 

ان جوهر التغيير في قانون الضمان الاجتماعي في العراق يعكس حقيقتين:

 

أولا: هو ان هذا القانون يصب في اخر المطاف بتوسيع القطاع الخاص واعطاءه مكانه تضاهي مكانة الدولة في الاقتصاد ان لم تزد عنها "كصاحب عمل". لتحقيق انتقال العمال من القطاع العام الى الخاص، او عدم الضغط على الدولة بايجاد فرص عمل للعمال، لا بد من جعل القطاع الخاص "جذابا" للايدي العاملة، وذلك بتشريع قانون ينص على منح "حقوق" للعمال في القطاع الخاص شبيهة بتلك التي تمنح للعمال في القطاع العام من قبيل حقوق التقاعد، اجازات الامومة، الضمان الصحي، التعويض عن الاصابات في العمل. ان الهدف من تقوية "القطاع الخاص" هو من اجل تخفيض وتقليص الطلب على العمل في مؤسسات الدولة، وتوجيه العمال لطلب فرص العمل لدى القطاع الخاص. حيث من المعلوم ان الباحثين عن العمل يلجأون الى التوظيف الحكومي لما فيه من حقوق تقاعد وامان اقتصادي بالدرجة الاساس، وعدم طرد العاملين من العمل بشكل عام.

 

ثانيا: ان تطبيق هذا القانون لن يؤدي لا الى "التكافل الاجتماعي" ولا الى تمتع العمال في القطاع الخاص بحقوق افضل. فمن جهة سيؤدي تطبيق القانون الجديد الى تخفيض رواتب العمال اكثر من السابق، حيث انه يتضمن الغاء غلاء المعيشة والتي كانت تحتسب بنسبة 1% عن كل سنة خدمة، الغاء مخصصات الشهادة، تحديد الراتب التقاعدي بـ 80% من الراتب الاسمي كحد أعلى، ألغاء مكافأة الاجازات المتراكمة التي كان يتمتع بها العمال ضمن القانون السابق، رفع سن التقاعدي من 63 الى 65، ولا يحتسب الا بعد مرور 20 سنة على خدمة العامل. وما ينطبق على العمال في القطاع العام سينطبق على العمال في القطاع الخاص. ان الادعاء بان هذه القوانين سيجري تطبيقها من قبل القطاع الخاص، كما يقول المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء، في بلد لا يوجد فيه اي قانون من اي نوع، انما هو ضحك على الذقون. ان العمال -وخاصة الاجانب- الذين لا نعرف فيما اذا كانو سيتمتعوا بمزايا هذا القانون ام لا يعملون كالعبيد، 12 ساعة في اليوم، وبدون ادنى ضمانات او حقوق، واذا ما تجرأت منظمة عمالية للدفاع عنهم، يجري تهديد ممثليهم بكل بساطة باستخدام القوة و"الميلشيات"!!

 

هدف هذا القانون هو مصادرة حقوق العمال والهجوم عليهم، بفتح الباب على مصراعيه امام قوانين السوق لتتيح للشركات الرأسمالية لمراكمة الارباح، ولتدفع المواطن وجها لوجها مع الراسمالية وقوانينها دون حماية من الدولة، دافعة باوضاع العمال الى المزيد والمزيد من التدهور. وللتذكير بشكل سريع فان قانون الضمان الاجتماعي قد اصبح عديم الفائدة منذ ان صدر قانون 150 لسنة 1987 والذي حول فيه كل العمال العاملين في قطاع الدولة. فقد حرم هذا القانون مئات الاف من العمال في القطاع العام من ضماناتهم ومنافعهم الاجتماعية، الاقتصادية. واليوم، بحجة تشريع قانون يشمل العمال في القطاع العام والخاص، تجري هجمة جديدة على العمال.

 

ان هذا هو تكريس لسياسات "الاصلاح" والخصخصة التي بدأها النظام السابق بعد انتهاء حربه مع ايران في اواخر الثمانينات، وادامتها الادارة الامريكية منذ عام 2003، منذ فترة حكم بول بريمر وبمعونة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وبدعم متردد من قبل الاحزاب السياسية في العراق.

 

ليست القوانين والسياسات النيوليبرالية الجديدة هي ما تشكل هجمة على العمال وحرمانهم من حقوقهم، وليس صندوق النقد الدولي والبنك الدولي هو من "يتـأمر على العمل" بل كل النظام الرأسمالي قائم على العداء الطبقي مع الجماهير المليونية العاملة، من اجل ادامة ارباحها. الامر الذي يترك الطبقة العاملة امام مهمة لا بد منها الا وهي ان تقف على اقدامها للدفاع عن نفسها ومعيشتها.

 

مقالات