ريبوار احمد

الاستفتاء هو حق الجماهير، لكن البارزاني والنزعة القومية الكردية هما نقطة ضعفه!

لاكثر من ربع قرن، ابقى الحزبان البرجوازيان القوميان العائليان، الاتحاد الوطني والديمقراطي الكردستاني، بزعامة جلال الطالباني والبارزاني، المجتمع في كردستان في دوامة تيه وفدرالية رجعية قومية. لم يبقيا خلال ربع القرن هذا مصيبة ومشقة وويلات لم يجلبوها لجماهير كردستان، وذلك فقط جراء مشاريعهم الرجعية والاستفادة من حصة من السلطة والثروة المنهوبة لهذا المجتمع. لاكثر من ربع قرن، جعلوا الملايين ملحقاً لسياساتهم الرجعية، سبيلا لنهب كلا العائلتين وحواشيها من ثروة وامكانات لاحدود لها. في غضون ربع القرن هذا، توفرت فرص لحسم مصير هذا المجتمع، لاقامة دولة مستقلة في كردستان وحل عقدة القضية القومية التي شكلت ثقلاً كبيراً يخيم على المجتمع، لانهاء العقدة هذه المتاسسة على اساس قومي وعمقتها الفدرالية القومية، للجم المسار المتنامي للصراع الطبقي وتدفع بالسلطة البرجوازية للقوميين الكرد صوب التداعي والانتهاء وارساء سلطة تحررية ومستندة الى ارادة الجماهير وتضمن حق المواطنة بصورة رسمية ومعروفة على الصعيد الدولي. ولكن خلال ربع القرن هذا، وبدلاً من المضي صوب هذه المنافذ والفرص لاستقلال كردستان، اقسم الطالباني والبرزاني دوماً على وحدة الاراضي العراقية واعتبروا مطلب استقلال كردستان جريمة، وجعلوه ضحية مشاريعهم الرجعية والاعيبهم.

 

بعد ربع قرن من التلاعب بحياة جماهير كردستان ومصيرها وحقوقها، لايمكن ولاينبغي بعد فسح المجال لهذا الخداع في ان يُجعل من القيادة السياسية الفاشلة دوماً من انفسهم ممثلاً لجماهير كردستان وبطل الاستفتاء من اجل استقلال كردستان. رغم رضوخهم الان لاقامة الاستفتاء، بيد ان هناك، وعن حق، عدم ثقة واطمئنان بالبارزاني وكلا الحزبين الحاكمين على صعيد جماهيري واسع. في الحقيقة، ينبغي ان يبلغ انعدام الثقة بهم بحد بحيث تنفصل جماهير العمال والجماهير التحررية نهائياً عن السياسة والافق القومي والرجعي لهذه الاحزاب وتضع حد لتلاعبهم بمصير الجماهير، ينبغي ان يبلغ درجة التاكيد والاصرار القوي على عدم تمتع هذه الاحزاب باي نوع من شرعية الحكم ووضع انفسهم بوصفهم ممثل جماهير كردستان.

 

ينبغي ان لايساور احد الشكوك بان اذا كان الاستفتاء وقضية الاستقلال اسيرا لسياسة البرزاني والاحزاب الحاكمة، فسيكون الاستفتاء وتنفيذ نتيجته العملية على السواء بالف شكل وشكل ورقة لعب بالنسبة لهم، ستكون حجة ومبرر لخداع الجماع والتنصل عن مطاليب الجماهير المضطهدة وابقاء سلطتهم المليشياتية على الجماهير. في الوقت الذي يعد الاستفتاء الحقيقي تعبيراً عن الارادة والقرار الواعيين لجماهير كردستان، بوسعه ان يكون مستهل مسار لقلب الوضعية الماساوية الراهنة والمضي قدماً صوب انهاء عمر السلطة المليشياتية والناهبة لهذه الاحزاب. ولهذا فان التاكيد على بعض النقاط يعد امراً ضرورياً بهذا الصدد.

 

ان الاستفتاء هو استفتاء جماهير كردستان حول البقاء مع العراق او الانفصال هو حق مسلم به لجماهير كردستان التي تعرضت الى ابشع اشكال الظلم وحشية. وعلى هذا الاساس، ان عداء الاحزاب القومية والبارزاني نفسه ولعقود للاستفتاء والانفصال وتاخيرهما لحد الان هما جريرة كبيرة، وينبغي ان يكون مبعث سخط واحتجاج الجماهير، وليس اقرارهم اليوم بالاستفتاء لاي هدف وغرض كان. قبل 22 عام، وفي رحم اوضاع كردستان انذاك، طرح الحزب الشيوعي العمالي العراقي هذه القضية بوصفها سبيل حل مناسب وفعال في ذلك الوقت، وكذلك قبل 8 اعوام من الان، تم اقرار "بيان استقلال كردستان" في اليوم الاول لتاسيس الحزب الشيوعي العمالي الكردستاني، بوصفه وثيقة مهمة للحزب. في كل تاريخ مجتمع كردستان، وقبل الشيوعية العمالية، لم ترد كلمة الاستفتاء على لسان اي حزب او زعيم قومي كردي، وربما لم يعرف اغلبيتهم ماذا تعني. لم يتحدث اي من الحزبين الشيوعيين العماليين في وثائقهم قط عن وضع اي شكل من اشكال الشرط بان يُقرن او يُرهن اقامة الاستفتاء لانفصال كردستان بامر ان يقف الاحزاب القومية ضده او معه. بيد ان كلا الحزبين الشيوعيين العماليين سعيا دوما ومارسا الضغط على الاحزاب الاخرى للاقرار بحق جماهير كردستان هذا. وعليه فان رضوخ واقرار هذه الاحزاب بالاستفتاء بحد ذاته ليس امراً سلبياً، ولكن ينبغي النظر اليه بوصفه نافذة لنضال الجماهير وينبغي تلقفها لانهاء قضية الكردية وتقصير ايادي الناسيوناليستية الكردية في التلاعب بهذه القضية، وذر الرماد في اعين الجماهير مرة تحت اسم الحكم الذاتي واللامركزية، ومرة اخرى باسم الفيدرالية. ولكن من زاوية الشيوعية العمالية، هناك مجموعة اصول ومباديء معلنة ينبغي ان تُسير عملية الاستفتاء طبقاً لها، وان هذه المباديء والاصول هي اساس لاتخاذ الموقف من الاستفتاء المقام، وليس من الذي يدعمه ومن يعارضه.

 

ينبغي ان لايساورنا الوهم ان الاستفتاء والاستقلال، بوصفهما عملية، ان يحررا تلقائيا جماهير كردستان من الظلم والاضطهاد واللامساواة الطبقية والبطالة والعوز وعشرات المصائب الاخرى التي تمسك الان بخناق الجماهير. لن يزول الاضطهاد الطبقي والفقر والتميز الجنسي وخرق الحريات الفردية والمدنية و... اي منها تلقائياً ارتباطاً بالاستفتاء وتاسيس دولة مستقلة. من المقرر ان يحل الاستفتاء قضية محددة، قضية تركت تاثيرها لعقود على المجتمع في العراق، قضية غدت مبرراً وسبباً للظلم والتمييز والصراع والمجابهة بين الجماهير المضطهدة والعمال على اساس هذه الهوية القومية التي الصقت على جباههم. ان يوضع للدولة في العراق هوية قومية واسلامية، وان هذه الهوية قد تم تثبيتها في دستور العراق، عمقت من التصنيف المواطنين والعداء القومي، بحد لم يصعب الاندماج والتعايش الحر لجماهير كردستان وبقية جماهير العراق فحسب، بل تركت في الوقت ذاته ارضية كي يفقس فايروس الناسيوناليستية دوماً بيوضه على القضية القومية غير المحسومة. بالاضافة الى كونه حل مناسب لهذه القضية، ان الاستفتاء هو في الوقت ذاته خطوة ضرورية لتخليص كردستان من دوامة الفيدرالية الفاشلة الراهنة، وتزيل عائق امام النضال الطبقي للعمال وتيار الثورة العمالية. ان الاستفتاء هو ضرورة لاستلال حجة القضية القومية من ايدي النزعة القومية التي وضفتها الاحزاب القومية لعقود في ايهام الجماهير وخداعها وتعبئتها حول اهدافهم الرجعية واستخدامها كجيش لتنفيذ صراعاتهم. ان مسالة كم يؤثر الاستفتاء، وبعده تاسيس دولة كردستان المستقلة، على سبيل تحسين حقوق وخدمات وحياة الجماهير المضطهدة، هو امر مرهون بمدى هو الدور الذي تلعبه الشيوعية وتلك الجماهير في هذه العملية وفي مسار تشكيل وارساء الدولة المستقلة واي نوع من الدولة تتاسس في كردستان.

 

بدلاً من اجواء البرود والشكوك في اقامة الاستفتاء بمبرر ان البارتي والبارزاني الان قد اتوا للدعوة اليه، ينبغي التاكيد والاصرار على مباديء واصول استفتاء ينبغي ان يكون معبراً عن ارادة وراي جماهيركردستان وبعيداً عن اي شكل من اشكال الضغط. كذلك وبصورة اكثر تحديداً، ينبغي ممارسة الضغط، سواء في داخل كردستان وعلى الصعيد العالمي على السواء، على الامم المتحدة كي تقر وتعترف باستفتاء جماهير كردستان، تشرف عليه وتديره كاي استفتاء اخر اقيم او يقام في العالم، تكون عنصراً مؤثراً في تطبيق نتيجته. ينبغي النظر الى تعبير الامم المتحدة عن لامبالاتها تجاه الاستفتاء في كردستان بوصفه موقفاً لامسؤولاً وتغاضي عن راي وارادة جماهير كردستان، ويكون مبعث احتجاج عريض للراي العام في داخل كردستان وخارجها.

 

من الضروري التاكيد والاصرار على تطبيق نتائج الاستفتاء. مثلما اشرت في مقالين سابقين في "جريدة بوبيشه"-الى الامام-، ينبغي ان ناخذ بنظر الاعتبار دوما ان البارزاني والاحزاب الحاكمة يتلاعبان بنتيجة الاستفتاء، وبدلاً من تنفيذ نتيجته، يستخدموه ورقة ضغط لفرض اهدافهم. انهم اهزل من ان يتصدوا لتحديات الانفصال، واكثر عمالة من اتخاذ خطوة كبيرة بهذا الحد دون رضى دول العالم الكبرى ودول المنطقة. اذ تحدث بارزاني اخيراً انه بعد الاستفتاء، ومن اجل تطبيق نتيجته، سيقوم بمحادثات مع بغداد وطهران وانقرة والدول الكبرى. ان هذا يعني انه بدون رضى هؤلاء، لن يقدم على الاستقلال. ينبغي ان ينال سيناريو مثل هذا رداً شديداً من جماهير كردستان ورده على اعقابه. ان المقرر الاول والاخير لمصير جماهير مجتمع كردستان هي جماهير كردستان نفسها، ان الاستفتاء هو صانع قرار هذه الجماهير، وينبغي تنفيذه بدون قيد او شرط دون الاستماع الى ماذا يكون عليه موقف الدول الاقليمية او العالمية. باحالة البرزاني تنفيذ نتيجة الاستفتاء الى الحوار مع الدول، بين عن انه لايحترم ارادة جماهير كردستان، ولهذا، فان شرط تقدم هذه العملية هو تقصير ايدي البارزاني وحزبه وابطال دورهما. وعليه، ابرز حقيقة وهي انه وحزبه ليسا بطل هذه العملية، بل نقطة ضعفها.

 

ولكن فيما يتعلق بجماهير كردستان، اذا اجري استفتاء واقعي وحقيقي كانت نتيجته استقلال كردستان، حينها حتى اذا لم يعمل البارزاني والاحزاب الكردية، اللذان هما نقطة ضعفه، وفق نتيجته، يكون المجتمع قد مضى صوب طريق تكون لديها فيه ورقة جديدة تفتح الباب امام تشديد مجابهة الجماهير التحررية والاحزاب القومية حول هذه المسالة وتقرب كردستان خطوة من الاستقلال.

 

ان موقف قطب اخر من النزعة القومية الكردية، ويتضمن حركة التغيير وقسم من الاسلاميين وقسم من الاقسام الكثيرة داخل الاتحاد الوطني، هو بعيد بنفس الدرجة والقدر عن اي من مصالح جماهير كردستان، وبنفس درجة سياسة البارتي من حيث التلاعب المخادع بحياة الجماهير المحرومة في كردستان ومصيرها وشعورها. ان موقف هؤلاء لاصلة له قط بالتساع القلب على غد افضل لهذه الجماهير، بل يقطرون رياءاً. ليس هدفهم ان يضعوا الاستفتاء والاستقلال على السكة الصحيحة، بل انهم يريدون ان يجعلوا من هذه القضية المهمة ضحية لفرض شروطهم ومشاريعهم الحزبية والرجعية. ان مايصر عليه هؤلاء بوصفه شرطاً لاجراء الاستفتاء، ومنها "تفعيل البرلمان بهيئته الرئاسية الحالية"، ليس له ربط ولو شعرة بتسيير ارادة الجماهير ومشاريعها. ان البرلمان وانتخابات البرلمان والنضال البرلماني في كردستان لم تكن سوى تزيين او وضع الرتوش على السلطة المليشياتية والعائلية للبرجوازية الكردية. لم يكن للبرلمان، بوصفه مؤسسة كارتونية، اي دور في الدفاع عن حقوق الجماهير قط، وليس له اي اجندة تذكر بهذا الصدد، بل تمثل دوره في الاقناع المخادع لجماهير كردستان بالسلطة المليشياتية باسم الديمقراطية. فخلال الدورات البرلمانية، بتلك التي كان التغيير والاسلاميين فيها ودعوا الى "المحافظة على هدوء الشارع" كي "يلعب البرلمان دوره بصورة جيدة"، وبتلك الدورات التي كانت فيها حكومة عريضة وواسعة التمثيل، لم يحقق البرلمان اي مطلب او هدف عادي لجماهير كردستان، بل بالضبط في مرحلة الحكومة ذات التمثيل العريض، كانت جميع الاطراف القومية والاسلامية في كمين محكم لتحطيم ارادة الجماهير وقطع الرواتب وتدمير اكثر الخدمات اساسية. ان ما ليس له اي تاثير، ولو شعرة، على القرار على الاستفتاء واستقلال كردستان هو "تفعيل البرلمان". الاكثر من هذا، ان معاداة الاستفتاء بحجة "عدم تفعيل البرلمان" لايتعدى سوى التضحية بمصير الجماهير من اجل نيل جزء من السلطة وحصتهم من الثروة المنهوبة للمجتمع. وعموماً، ان التصور الذي يجعل من وقوف البارزاني والبارتي خلف الاستفتاء حجة لمعاداته يتخذ موقفاً ضيقاً، انتي بارتي، معارض صرف للبارتي، وليس له اي ربط بمصلحة الجماهير وغد افضل للمجتمع.

 

ان موقف القومية العربية الذي نراه في تصريحات حكومة العبادي والاطراف الاسلامية والقومية العربية، وبغض النظر عما يكون عليه طبيعة التبرير والحجة، ينبع من زاوية الشوفينية العربية التي تعتبر العراق بلداً عربياً وجزءاً من العالم العربي، وان صيانة وحدة اراضية باي ثمن هو نصر وطني لهم. انها ذات الرؤية التي كانت للانظمة القمعية المتعاقبة للعراق خلال العقود المنصرمة والذي كان النظام القمعي البعثي احدهم وفي الحقيقة اكثرهم شراسة وشوفينية. ان موقف حكومة العبادي والاطراف البرجوازية العراقية من مثل سحب كل الحقوق من المواطنين الناطقين بالكردية، ومن بينهم اؤلئك الذين خارج المناطق التي يسكنها الاكراد، وكذلك فرض حصار اقتصادي وقطع المواد الغذائية، يؤكد على ضرورة الاستفتاء واستقلال كردستان، وليس العكس. يؤكد هذا العمل على حقيقة انه في ظل عراق يرسف تحت سلطة هذه القوى، لن تتوفر فرصة لبقاء جماهير كردستان بعيدة عن اي شكل من اشكال الفصل والتمييز. من الواضح انه لايمكن تصور موقف مختلف قط من القومية العربية. ففي كل مرحلة، ودوماً، وقد تتغير المبررات والحجج، بيد ان توقع تغيير الموقف الشوفيني لهذه الحركة الرجعية هو امر في غير محله. ينبغي النظر لحملات وضغوطات النزعة القومية العربية وحكومة العراق بوصفها تحديات تواجه القرار الحر لجماهير كردستان، ينبغي فرض التراجع عليها واحباطها. وبهذا الخصوص، فانه لدور مهم لجماهير العمال وتحرري العراق والشيوعية ان تضطلع بدور طليعي ومجابهة والتصدي لهذه الشوفينية وابراز الموقف المبدئي والتحرري المتمثل بالاعتراف غير المشروط بحق جماهير كردستان بالاستفتاء والانفصال، والدفاع الراسخ عنه. لقد ازفت ساعة ان ترى وتسمع جماهير كردستان موقفاً اخر غير الموقف والنداء القومي-الشوفيني العربي، صوت اخر من زاوية تحررية واشتراكية واممية للدفاع عن الحق المسلم به لجماهير كردستان. عبر هذا الموقف فقط يمكن الدفع بجهة اخرى مناقضة لجهة الشق والتجابه بين العمال والجماهير الناطقة بالكردية وبالعربية، تترك تاثيراً وتبث الروح في التضامن الطبقي. لقد حلت ساعة ان يصدح العامل والشيوعي في العراق بالضد من النزعة القومية العربية وحكومة العبادي ولايفسحا ادنى مجالاً لسياسة الحصار الاقتصادي وقرع طبول الحرب ومهاجمة جماهير كردستان لتكون سبيل للبقاء القسري لجماهير كردستان وابقاء هذا المستنقع الذي تعتاش حوله الجماعات والعصابات القومية الاسلامية والطائفية .

 

ينشد البارزاني والاحزاب الكردية ابقاء الاجواء الحارة للاستفتاء والاستقلال كي يشوشوا على اجواء الاحتجاجات العريضة للجماهير ضد القرار القارقوشي "خزن الرواتب" (سياسة تقوم بدفع جزء من الراتب، وبقية الراتب تبقيه السلطة لديها كدين عليها، اي سياسة التملص من دفع الرواتب كاملة) والانهاء التدريجي للخدمات والحاجات الاساسية للحياة اليومية للجماهير. فدون شك، بعد الاستفتاء، يجعلون من قرع طبل الاستقلال حجة، واذا تمضي الامور مثلما يريدون، يبررون لربع قرن اخر الوضعية غير المناسبة للجماهير ويسعون الى قمع احتجاجها. في الوقت الذي ليس هناك شيء اكثر وضوحاً من ان الثروة التي نهبوها تكفي لتاسيس عدة دول وليس دولة واحدة. ان مجابهة سياسية التجويع والافقار، لاتستلزم ان تسحب الجماهير التحررية والمضطهدة ايديها من مطلب الاستفتاء والانفصال، ففي جميع الاوضاع تحاول الناسيوناليستية الكردية ان تستفاد من اجواء الاستفتاء والتغطية على قضايا المجتمع. مقابل هذا، على قوى الجماهير المضطهدة، وفي الوقت الذي تؤكد على الاستفتاء، ان تواصل حضورها في الميدان وتمارس الضغط الشديد على السلطة للرد على مطاليبها، وبالاخص الالغاء الفوري " تاخير الرواتب"، تامين الخدمات والحريات السياسية والمدنية و... الخ. ان اقامة الحركة المناهضة للفقر التي استهلت اعمالها تواً هو افضل رد على مساعي الاحزاب الحاكمة بهدف تتيه مطالب الحركة الجماهيرية المحتجة في خضم اجواء الاستفتاء وموضوعة استقلال كردستان. ان كلا الميدانين، النضال من اجل اقامة استفتاء يكون معبراً حقيقياً عن ارادة جماهير كردستان مع النضال من اجل فرض المطاليب الاقتصادية والسياسية للجماهير ورفع الثقل الرهيب للفقر من حياة الجماهير، ليسا متعارضان مع بعض، بل مكملان لبعض في مسار احياء الارادة الثورية وفتح الابواب امام تغيير شامل في كردستان، ومنها انهاء السلطة المليشياتية للاحزاب القومية وارساء سلطة تستند الى ارادة الجماهير.

 

ان سياسة التخوين هي سياسة مفضوحة ومتغطرسة، وعلى الجماهير التحررية والاطراف السياسية ان تردها بشدة. ان عملية الاستفتاء وانفصال كردستان هي موضوعة مهمة ومصيرية. ان محتوى هذه العملية ليس سوى توفير الفرصة للجماهير للتعبير عن رايها الحر حول مصير المجتمع. انه من حق اي مواطن او طرف سياسي ان يعبر باعلى درجات الحرية عن رايه بهذه العملية وكيفية تقدمها، بوسع اي شخص او طرف ان يؤيدها او يعارضها، بوسع اي شخص او طرف ان ينتقد راي شخص او اطراف اخرى. ان اي وضع لحدود لحرية التعبير هو معارض لمحتوى الاستفتاء ويضع شرعية هذه القضية تحت طائلة سؤال كبير. ان سياسة التخوين التي انتهجها البارتي هي دليل اخر على ان البارزاني وحزبة هما نقطة ضعف، سبب اضمحلال قيمة القضية، بيدهم يصبح بدل استفتاء حقيقي من اجل سؤال جماهير كردستان، يكون مثل انتخابات البرلمان، اي سيناريو هزلي لكسب بالقسر بصمة جماهير كردستان. ان تجريم اي شخص يعبر عن موقفة بمعارضة سياسة البارتي ويوصم بـ"خائن"، في الوقت الذي يعد امراً واضحاً ما هو عقاب "الخائن" في ثقافة هذه الاحزاب، لن يبقي هذا اي معنى للاستفتاء. من الضروري ان يوضع البارزاني والبارتي تحت ضغط شديد وفرض التراجع عليهم عن هذه الغلطة الكبيرة.

 

مقالات