نادية محمود

البرلمان العراقي والالحاق القسري لكردستان!

 

الدولة العاجزة عن خلق الامان في وسط وجنوب العراق، العاجزة عن انهاء الفساد، العاجزة عن توفير صحة ومستشفيات لمرضاها، العاجزة عن ان تدفع بنسبة النجاح لاكثر من 25% في الثانويات العامة، العاجزة عن تسييد قانون دولة في العراق، العاجزة عن ان تحمي الامن، فالميلشيات تملك من قوة وسطوة تفوق ما تمتلكه الدولة. دولة لا يرضخ مسؤولوها لمقررات دولتهم، الحكومة العاجزة عن ايجاد فرص عمل لشبانها وخريجيها كل عام وعام بعد عام، يتحدث برلمانها وحكومتها وميلشيات احزابها عن "استخدام كل الاشكال لمنع الاستفتاء في كردستان

"!

لم تستطع الدولة عمل اي شيء لصالح "ابناء طائفتها من الشيعة"، لم يستطيعوا حفظ حياة البشر في الناصرية، لم يستطيعوا حفظ المال العام في البصرة الذي سرقه محافظ البصرة وهرب، لم يستطيعوا حفظ المدن، والعشائر تستخدم الاسلحة الثقيلة بمواجهة بعضهم البعض، وسط عجز حكومي تام. ان الوسط والجنوب يعاني من الفوضى والارهاب ويعيش ثلث المجتمع تحت خط الفقر، يتحدثون عن منع كردستان من اجراء استفتاءها، او من اعلان استقلالها، او تأسيس دولتها

.

 

ان الصراع حول كردستان هو صراع حول السلطة، حول من يحكم هذه المنطقة الجغرافية؟ انه صراع بين البرجوازيتين القوميتين العربية والكردية على من يسود هذه المنطقة، من يكون صاحب السلطة في هذه المنطقة، لا "وحدة الاراضي العراقية، ولا حب الوطن" من الجانب القومي العربي والاسلامي العراقي هو ما يدفع البرلمان العراقي ولا "حقوق الشعب الكردي وارادة الشعب الكردي" هي ذات اهمية للاحزاب القومية الكردية وللبارزاني. الاحزاب القومية الكردية لا تختلف قيد شعرة عن الاحزاب القومية العربية بفسادها وبنهبها وسحقها لحقوق الجماهير الكادحة

.

الا ان واقع الحال ان كردستان شرعت بالاستقلال الواقعي ومنذ اكثر من ربع قرن، واذا ما ارادت كردستان ان تقطع حبل السرة الذي يربطها بالحكومة المركزية، فيجب ان يكون لها ذلك. الان، الاحزاب الكردية تقول نحن سنتولى مسؤولية ادارة كردستان باطار دولة مستقلة، وهنالك اصوات تعالت تعلن الشروع بعملية الاستقلال باول خطواتها وهي الاستفتاء، وبغض النظر عن ماهية الجهة التي بادرت بهذه الدعوة، البارزاني او غيره، لا يحق للبرلمان العراق ولا لرئيس الوزراء ان يستخدم القوة لمنع الناس من ممارسة حقها بالاستفتاء على اي اطار سياسي تريد ان تعيش. بامكان البرلمان العراقي ان يقوم بدعايته لاقناع الناس في كردستان عن العدول عن الاستفتاء، دعوتهم لمقاطعة الاستفتاء، يوضح لهم "ايجابيات" "البقاء مع العراق"، لكن ان يجري الحديث عن أستعمال القوة لمنعهم من اجراء الاستفتاء، هذا يعني الشروع والتهيؤ ل "انفالا" جديدة و"حلبجة" جديدة. والحال لا الانفال ولا حلبجة، انهت القضية الكردية لا في زمن بطش وديكتاتورية صدام حسين ولن تستطيع الان

!

 

الان ينبري احد ليقول لك لنغلق هذا الملف التصارعي والتنافسي ولنصبح دولتين جارتين، ولننهي الامر! ما الذي يخسره البرلمان العراقي، والحكومة العراقية؟ لا يمكن ان يكون " حب الوطن" او "حب الارض" هو مدعاة دعوتهم لمنع اجراء استفتاء كردستان، فابن وبنت الجنوب، وابن وبنت الفرات الاوسط والاعلى قد نال ما يكفي من خيرات حب البرلمان العراقي لوطنه ولارضه! أن البرلمان العراقي افسد برلمان في العالم، ليقرر على مصير مجتمع اخر، ويريده الحاقه قسريا بالدولة. في الحقيقة على البرلمان العراقي ان يفكر استراتيجيا، ان استطاع، لان كردستان ستكون دولة، وستكون جارة، لانهم ماضون الى تأسيسها، ان تأسيس دولة كردستان اصبحت قضية حياة او موت بالنسبة للبارزاني، خاصة وان وضع كردستان الحالي بكل ما فيه: حكومة وبرلمان وعلم ونفط وقنصليات الدول الاجنبية، وعلاقات دولية مستقلة عن العراق، فما الذي تبقى لان تكون دولة؟ كان على البرلمان العراقي ان يظهر موقفا دبلوماسيا اكثر من دولة ستكون جارة. ولكن كيف سيتأتى له ذلك اذا كان قسم غير قليل منه خاضع لارادة الدولة الاسلامية الفارسية الايرانية والقسم الاخر للقومية العربية؟

لقد انتهت اسطورة كردستان جزء من العراق. كردستان لم تعد جزءا من العراق الا شكليا وبالاسم. الان يلد جيل كامل من الشباب، من الذين ولدوا في اوائل التسعينات لم يعرفوا ماهو حزب البعث، ولا يعرفوا ما هو الاضطهاد القومي العربي، ولا يجيدون العربية كابائهم وامهاتهم الذين اجادوها اما بالدراسة في الجامعات العراقية او في معسكرات الحرب، في الحقيقة انهم يتحدثون الانكليزية بطلاقة لانها تفتح امامهم الفرص للخروج الى خارج كردستان، وليس للتوجه الى العراق وماذا في العراق غير عدم وجود كهرباء وبطالة وطائفية

!

ان موقفنا كشيوعيين من الاستفتاء والاستقلال يصب في المصب الاول والاخير لخدمة نضال الجماهير في نضالها ضد برجوازيتها، نؤكد على حق جماهير كردستان بالانفصال اذا ما ارادت ذلك، واحترام هذا الحق. وقبولنا بقرار الاستقلال ينطلق من كوننا نريد ان يصبح النضال الطبقي في كردستان اكثر شفافية، وان تتبدد الضلالات القومية والصراعات القومية التي تستخدمها الاحزاب القومية الكردية من اجل صرف الانظار عن المسائل الاساسية التي تهم حياة الطبقة العاملة في كردستان وان يصبح النضال الطبقي واضحا بين الطبقة العاملة والجماهير الكادحة وبين برجوازية بلدانها. وكذلك بالنسبة الى الطبقة العاملة والجماهير الكادحة في العراق، مالذي سيؤثر على عيشها بقاء او انفصال كردستان، ان العاطل عن العمل سيبقى عاطلا، بقيت كردستان او انفصلت، ان التعليم والصحة سيبقيان سيئان بوجود كردستان حاليا كجزء من العراق او باستقلالها غدا، ماللذي سيؤثر على حياة العامل الذي يخرج للعمل صباحا، ويذهب اولاده للمدارس وينالون اسوأ تعليم واسوأ خدمات صحية، اذا بقيت كردستان او استقالت. انها المشاعر القومية والوطنية التي ساتحدث عنها في مقالة لاحقة التي تحقن بها الجماهير والطبقة العاملة لتصطف مع حكومتها في المقام الاخير. حكومة الفساد والنهب. لم يحموا مدينة الناصرية من الارهاب لم يحموا بغداد والكرادة، وعيونهم على منع استفتاء واستقلال كردستان. من جهة اخرى وبقدر تعلق الامر بكردستان الان وكما هو واضح تقتضي مصالح البرجوازية القومية الكردية استقلال دولة كردستان، لا ارادة جماهير كردستان التي لم تستلم رواتب لشهور او حتى نصف اجورها، ولا الحريات السياسية هي ما يبكي عليه او يهم البارزاني وايديه ملطخة بدماء سردشت عثمان وعشرات غيره. الا اننا كشيوعيين لا نصطف لا مع برجوازي"تنا" ولا مع حكوم"تنا". ان ما يجمعنا مع جماهير كردستان هو انتماءنا الطبقي الواحد، وليس انتماءنا الوطني. ان تأسيس دولة في كردستان، سينهي مفعول استخدام الورقة "القومية". ان تأسيس دولة قومية كردية سيسهل مهمة ونضال الطبقة العاملة في كردستان بوجه برجوازيتها. وقد ارتنا تجربة العقد ونصف الماضية في العراق كيف يتظاهر الناطقون بالعربية ، وخاصة اولئك الذين يحلو للاحزاب الاسلامية الشيعية بتصنيفهم على انهم " شيعة" يتظاهرون سنة بعد اخرى هاتفين: باسم الدين باكونا الحرامية! وفي جمهورية كردستان، لن يمضى طويلا حتى ستتظاهر الجماهير في اربيل والسليمانية وغيرها وستهتف بشكل واضح وبدون لبس: "باسم الكرد باكونا الحرامية". على الطبقة العاملة في العراق وكل التحررين ان يقفوا لا الى جانب الحكومة البرجوازية في العراق، بل ان تقف الى جانب مطاليب جماهير كردستان، ان استقلال كردستان يوفر لها ارضية افضل للدفع بنضالها ضد برجوازيتها هي، مما ان تكون داخل اطار دولة العراق، وهذه هي مسألتنا

مقالات