نادية محمود

الاستفتاء و-وطنية- اليسار القومي العربي!

لم ترتفع الاصوات في القسم العربي في العراق بشكل واضح و مدوي دفاعا عن حق استفتاء جماهير كردستان، حقها في الاستقلال، وتشكيل دولتها المستقلة. بل وحتى لم ترتفع ألاصوات بعد للوقوف بوجه اساليب التخويف والارعاب والتهديد بالحرب التي عبر عنها البرلمان و رئيس الوزراء. بل اقصى ما تم الذهاب له من قبل اوساط يسارية هو " ادانة الطرفين" على " التصعيد الاعلامي الحربي" بوجه اقامة الاستفتاء في الخامس والعشرين من شهر ايلول الجاري.

 

 

في هذه المقالة ساتناول سبب غياب هذا الصوت الواضح والمدوي في داخل العراق للدفاع عن حق جماهير كردستان في الاستفتاء؟ - عدا الحزب الشيوعي العمالي العراقي و بعض الاطراف السياسية وكذلك بعض الافراد- لماذا تقف الفئات والطبقات المسودة المتضررة من البرلمان العراقي والحكومة العراقية اليوم ضد الاستفتاء؟او على الاقل لا تؤيده، وتطلب من البارزاني الكف عن مطالبه؟

 

 

من الواضح ان الطبقة السائدة، الحكومة واحزابها وميلشياتها تقف ضد الاستفتاء، وقد وضحت موقفها بشكل جلي باعلانها وعلى لسان رئيس الوزراء بالتهديد باستخدام القوة وشن الحرب للحيلولة دون حدوث الاستفتاء، او الاستقلال( رغم اقرار رئيس الوزراء بهذا الحق في وقت سابق). لم يوضح العبادي ولا الميلشيات لماذا يقفون ضد الاستفتاء، ولماذا لديهم الاستعداد لدخول حرب للحيلولة دون حدوثه. ان العبادي يقول ان الاستفتاء غير دستوري، ولكن عدم توزيع النفط باعتبار ان الشعب العراقي هو مالك النفط هو مسألة غير دستورية حيث لم يتم الالتزام بها، ولم يشن الشعب حربا ضدهم لانهم سرق النفط الذي اقر الدستور بعائديته لهم- اي للشعب. ان التذرع باللادستورية هو نكتة سمجة.

 

 

من الواضح ان البرلمان العراقي والحكومة العراقية ينطلقان من مصالحهم في ابقاء كردستان تحت هيمنتهم من جهة كي لا تتحول كردستان الى منطقة نفوذ امريكية تهدد مصالحها في المنطقة، مقارنة بما تقوم به ايران، ووجود التيار القومي الذي يعارض حق الاستفتاء بتعريفه العراق كدولة عربية، كقومية اكبر، وعلى القومية الاصغر ان تكون ممتنة وتنصاع للقوة الاكبر للقوة الاكبر، اضافة الى الضغط الكبير الذي تمارسه عليهم الجمهورية القومية الفارسية ( الملتحفة باللباس الاسلامي) في ايران للوقوف ضد استقلال كردستان، حتى لا تحذو جماهير كردستان ايران للمطالبة بالاستقلال مثل كردستان العراق وفي حال تركيا، فهي عرفت منذ تأسيها على يد كمال اتاتورك، بأنها دولة فاشية قومية بالمعني المطلق للكلمة، سواء بارتكابها مذابح الارمن في بداية القرن العشرين او في تاريخ القمع الوحشي للناطقين بالكردية، نقول هي الاخرى تحذو حذو ايران لإدامة قمعها لجماهير كردستان تركيا. ( حجج دول المنطقة)

 

ان المسألة الكردية هي محل صراع استمر لاجيال ولم تحل بعد، لم تحل عبر سياسة الحكم الذاتي التي اعلنها ببيان 11 اذار، ولم تحل باعلانها محمية دولية في عام 1991 و لم تحل بتشكيل الفيدرالية واعلانها اقليم فيدرالي، ولقد اشرنا قبل احتلال العراق الى ان الفيدرالية مشروع رجعي ولا يحل القضية الكردية، وقد اكدنا على ذلك بقرار صادر من الحزب بعنوان "قرار حول الفيدرالية".

 

 

لكن بعيدا عن حكومات المنطقة، وبالنظر الى قوى اليسار في العراق، من الواضح ايضا ان هنالك اطياف ليست قليلة داخل هذا اليسار اما انها ترفضه جملة وتفصيلا بدعوى ان المبادرة الى الاستفتاء جاءت من قبل البارزاني، وهو "فاقد الشرعية"- وكأن الحكومات الاخرى تتمتع بالشرعية!!- او انها تؤيد الاستفتاء ولكنها ترى ان الوقت غير مناسب، ويجب تأجيله الى اجل غير معلوم، او انها توافقه من حيث المبدأ ولكنها مذعورة من احتماليات حدوث حرب. حتى ذهب البعض منهم للقول بان الشيوعيين هم طلاب سلام و ليسوا طلاب حرب، وبما ان الاستفتاء القادم قد يؤدي الى الحرب فمن الافضل عدم خوضه الان وتركه الى اشعار اخر.

 

 

الا ان ما يمكن رؤيته هو ان الموقف السلبي لليسار الناطق بالعربية في العراق لا يعود فقط الى مخاوف نشوب الحرب، او الى حقانية وشرعية مطلبهم بتأجيل الاستفتاء الى اشعار اخر. ان ظاهر الموضوع هو مسعود البارزاني، وان قضية الخوف من الحرب، يعني الرضوخ لارادة العنف والارهاب الذي تهدد به الميلشيات. فاية قضية مهما كان لديها من شرعية، يتوجب التراجع عنها، تحت تهديد السلاح. انه مسار وسيناريو خلع سلاح المقاومة بوجه سياسة الاحزاب والميلشيات، سيناريو طأطأة الرؤوس للميلشيات.

 

 

وللاسف ان الحجج التي تساق للوقوف ضد الاستفتاء لا تنظر الى الافاق التي يمكن ان يوفرها استقلال كردستان للطبقة العاملة ونضالها بوجه البرجوازية القومية الكردية. ان عدم المضي بالتفكير الى ارادة جماهير كردستان، وماذا تريد هذه الجماهير، يعود الى انهماك هذا اليسار بالتفكير بمصالحه الوطنية دون النظر الى المصالح الطبقية والاممية لطبقة في القرب منه. انه عائد الى تجذر المشاعر الوطنية لدى اليسار العراقي، وعدم قدرته على ان يتخذ موقفا لينينيا مبدئيا واضحا حين يتعلق الامر بحروب دولت"ه" مع دول اخرى او حتى مع حركات الاستقلال ونظرته اليها نظرة سلبية ك" حركات انفصالية" ، و عجزه عن اتخاذ موقفا عماليا طبقيا مستقلا وبشكل تام عن تصورات وسياسات الطبقة الحاكمة، وفصل خندقه الطبقي عن الخندق الطبقي للبرجوازية، فيقع تحت راية تأثير الطبقة البرجوازية الحاكمة، واحد راياتها بالغة الاهمية هي راية "الوطنية".

 

 

فاية مصلحة لجماهير العراق لبقاء كردستان تحت هيمنة الحكومة المركزية؟ ما هي "حصة الجماهير" من بقاء كردستا ن ضمن خريطة جمهورية العراق ؟ الطبقة العاملة ليست شريكة للبرجوازية في السلطة. السلطة والطبقة الحاكمة هي صاحبة المصلحة في حكم الدولة والمجتمع بكاملة وباجزائه، وهي التي تتصارع من اجل ابقاء سيطرتها على الارض والموارد الطبيعة وفرص البزنس والحصول على ثروات. وهي التي لديها ميلشيات،و تقوم بالتهريب و تمول الميلشيات، وهي التي تعقد الدول صفقات معها لتسير مصالحها. ليس للطبقة العاملة في العراق لا منفعة و لا حصة في اية من هذه المنافع. ان حصة الطبقة العاملة في العراق- كما في اي بلد اخر- هي فقط ما تحصل عليه من لقاء قوة عملها، لا غير، تبيعها لتعيش، ومرغمة احيانا على ان تنخرط في دوائر من المحسوبيات وشبكة علاقات النظام البرجوازي الابوي والعشائري من اجل تدبر معيشتها واحيانا بعض من حقوقها، نظرا لانعدام دور الدولة ومسؤوليتها تجاه المواطن. لا سيادة لها ولا حقوق ولا حصص من الثروة ولا سلطة لتصارع عليها. اي بكلمة اخرى ليس للعمال حصص ولا ثروات ولا قدرة على التهريب( النفط او غيره) ولا الحصول على عوائد باشكال رسمية او غير رسمية. فلماذا تدافع بعض الاطراف اليسارية عن ا لطبقة المستفيدة في السلطة في الاعراق اذن؟

 

ان هذا الموقف عائد سواء اعترفت القوى اليسارية او لم تعترف، الى تجذر المشاعر "الوطنية" لحماية الوطن، وعدم التفكير بمصالح الغير والتركيز على التفكير بمصلحت"نا"، والتجاهل التام لارادة ورغبة الاخرين. وهذا ما عملت عليه البرجوازية وبحرفنة ولعقود لتأصيله وتجذيره.

 

 

لقد اقتضت مصلحة الطبقة البرجوازية في العراق ومنذ تأسيس دولة في هذه الرقعة الجغرافية التي اسمها العراق، وفي اعقاب انتزاعها من ايدي الدولة العثمانية والبريطانية، استخدام شعارا تعبويا للم المجتمع الساكن في المدن والقرى المتفرقة في العراق حول راية دولة مركزية واحدة ومحددة، لم تكن تلك الراية التعبوية راية دينية او قومية عربية، وان كانت تسودها ملامح الدين والقومية العربية، بل كانت راية "الوطنية"، كأطار جامع لكل سكنة العراق. وقد قوى من هذه النزعة "الوطنية" ليس الطبقة الحاكمة وحدها بل ايضا القوى المناهضة للاستعمار والتي وقف على رأسها الحزب الشيوعي العراقي.

 

 

اخترعت الطبقة البرجوازية الحاكمة هذا السلاح الفكري كاكبر خدعة وسلاح ايديولوجي بيدها، انه امضى من سلاح "القومية العربية"، وامضى من السلاح الفكري للاسلام السياسي. فان ان كان دعاة الدين او القومية يشكلون اجزاء من المجتمع، فان دعاة الوطنية يطبقون على اذهان وتصورات فئات واسع من الطبقة العاملة ومن الاوساط التي تعرف نفسها بانها يسارية، اشتراكية او شيوعية. ان النزعة الوطنية تعمل على اشاعة وغرز " الروح الوطنية" وترسيخ الشعور بالانتماء الى وطن واحد والولاء له، لم الجميع تحت خيمة دولة واحدة وللدفاع عن دولة واحدة، تؤكد على "حب الوطن" والدفاع عنه والذي قد يصل لحد التضحية بالنفس، والموت من اجله ان استدعت الضرورة، بث الشعور ب"التضامن"، والترويج بوجود هم مشترك وانتماء واحد، وتشارك الجميع في معضلة واحدة، عامة ومشتركة، التشارك بالشعور بعمل شيء نحوها، وكل من يخرج عن هذا الجمع، كأنه يغرد خارج السرب. لقد غرزت في الاذهان التصور بأنه يجب على المرء ان يكون "وطنيا" وانه لعار ومثلبة ان يكون المرء شيئا اخر، ان يكون طبقيا وامميا وليس وطنيا. و تقدم دولة الطبقة البرجوازية نفسها فيها وعبرها كأنها ممثلة للجميع، وفوق الجميع، فوق الطبقات، وممثلة لكل الطبقات، تتغنى بهذا القطرالذي اسمه العراق.

 

 

لكن لم يتحدث دعاة الوطنية عن وطن من هذا الذي يتم الدفاع عنه؟ بدون النظر الى محتوى هذه الدولة، دولة من ومن اجل من؟ دولة اية طبقة وضد اية طبقة. حتى الحزب الشيوعي العراقي وعلى لسان مؤسسه، فهد، كان يتباهى ويفتخر بالهوية الوطنية، اكثر من الهوية الطبقية، رغم كل مساعيه النضالية الطبقية. ولازال البعض يردد كلماته بانه "حين اصبح شيوعيا، صار اكثر وطنية". ان هذه ليست مسألة غير متوقعة فقد صارع لينين ومنذ اوائل القرن الماضي، منذ الحرب العالمية الاولى مع الكثير من الاشتراكيين الذين تخلوا عن طبقيتهم ووقفوا الى جانب برجوازيات دولهم في زمن الحروب.

 

 

لقد تمكنت البرجوازية من تشييع وتسييد افكارها وؤاها على الطبقة العاملة، ونجحت في احايين كثيرة، بان تجعل الصراع الوطني والقومي محل اهتمام الطبقة العاملة بدلا من صراعها الطبقي والاممي. يقول بتلر ان الوطنية "خطر على اليسار"، انها تسهم بانزلاق اقدامهم من الجبهة التي يجب ان يتحصنوا ويقفوا بها، الى الجبهة الاخرى، المناهضة لهم اساسا. وهذا الامر نجحت فيه السلطة الحاكمة في العراق. بدلا من توجيه الانظار والعمل والنضال ضد الطبقة التي تسوق الجماهير الكادحة الى الفقر والهوان باسم الوطن، يصبح الناطقون والمدافعون عن هذه الطبقة وكأنهم قادة الوطن، وتطأطأ الطبقة العاملة لها رأسها باعتبارهم مدافعين عن الوطن. في التصدي لداعش وقفت الطبقة العاملة في العراق الى جانب الحشد الشعبي وكل من كان يوجه نقدا او تحليلا لهذه الميلشيات يواجه بالتنديد، بالرفض، بالاستنكار بانه ليس "وطنيا"! دون كشف المحتوى الحقيقي لعملية مجيء داعش، ومحاربة داعش. والان في قضية استفتاء كردستان، لا تسمع سوى كلمات الوقوف ضد الاستفتاء مرة باسم الخوف من الحرب، ومرة باسم عدم شرعية البارزاني، وكأن العبادي والميلشيات والعصائب وبدر، صاحب شرعية في التهديد بالهجوم على كردستان.!

 

 

-

نحن كشيوعيين نؤمن بان لا وطن للعمال، الطبقة العاملة ليس لها حصة في " وطنها" العراق، وليس لها حصة في كردستان. يجب على القوى الاشتراكية والطبقية العمالية الوقوف مع حق استفتاء جماهير كردستان، وبدون قيد او شر، من اجل انهاء استخدام الورقة القومية في الصراع الطبقي الدائر في كردستان العراق، او القاء الضلال عليه، واذا ما قالت جماهير كردستان في الاستفتاء "نعم" لتشكيل دولة في كردستان لندعمها، كي تفسح المجال للطبقة العاملة في كردستان و توجه صراعها الى البرجوازية القومية الكردية، يجب ان نسهم بأي قدر نستطيع فيه من تحرير الطبقة العاملة في كردستان من ان تكون بين مطرقة الحكومة المركزية وسندان حكومة الاقليم... لنسهم بان يكون لجماهير كردستان دولتهم، وان يتحرروا من حكم دولتين، ان دولة قومية واحدة لعبئ كبير للصراع معه فما بالك بحكم دولتين متصارعتين على اساس قومي، يتحول فيها العمال الى ضحية لمصالح احد هاتين القوتين على حساب الاخرى. اما ازالة البارزاني والبرجوازية القومية الكردية هي مسؤولية مباشرة وعملية للطبقة العاملة في كردستان.

 

 

يجب ان يكون للناطقين بالكردية "قطر"، دولة او" وطن" بالمعني الضيق للكلمة، اي بقعة جغرافية يستطيعوا من خلالها تنظيم نضالهم السياسي. يجب ان نسهم بما نقدر عليه ان يكون للطبقة العاملة والجماهير في كردستان دولة، دولة برجوازية، ليتمكنوا لاحقا من الاطاحة بها، واقامة دولتهم الاشتراكية لاحقا- حيث ان توازن القوى الطبقي لا يسمح لها باقامة دولة اشتراكية وليس برجوازية. ان هذا هو الموقف الطبقي والاممي الذي ينظر الى مصالح الطبقة العاملة في كل مكان في العالم، وليس الموقف الوطني الذي يقرع الطبول لحرب برجوازية جديدة سيكون ضحيتها الاولى والاخيرة الكادحين من كلا الطرفين. على الطبقة العاملة في العراق ان تصفي حسابها مع برجوازيتها الوطنية في العرق، وان توفر الفرصة للطبقة العاملة في اقليم اخر الى ان يقف ضد برجوازيته القومية الحاكمة.

 

 

لا يربطنا مع حكومت"نا" مبدأ الدفاع عن "الوطن"، قبول الاستفتاء واستقلال كردستان ليس هو دفاع عن الوطن، بل هو احترام ارادة الاخرين، الخروج من قمقم وضيق افق البرجوازية و الوطنية الى عالم العالمية والاممية والطبقية ان تنظر للاخرين ولمطاليبهم بنظر الاعتبار لا ان تقرع طبول الحرب لفرضها بقوة السلاح. يجب ان نقف ضد طبول الحرب، وان تقف الطبقة العاملة في العراق ضد اية تهديدات بالحرب.

 

مقالات